حول الموت

     

 وحين يصل السيد فضل الله رضي الله عنه إلى قول الحق سبحانه في سورة يونس: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}([11])، يأتي في شرحه عليها، على ذكر الموت فيعرفه تعريفاً غير دقيق، بل إذا شئت فقل: إنه غير صحيح.

وهذا كلامه نورده كما تريد له الأمانة أن يورد، يقول: «وهكذا إذا أحسسنا بالزمن فمرّ علينا الصباح وجاءنا المساء نشعر أن جزءٌ (والصواب أن يقول: جزءاً) من عمرنا مات وولد جزءٌ آخر، فالموت هو زوال الشيء، وألا تبقى له حياة أو حركة..».

ونحن لا نحتاج إلى كثير من التعب في التفكير وفي التأمل والتدبر لنكتشف أن الشق الثاني في تعريفه الموت هو صحيح، وهو قوله «وألا تبقى له حياة أو حركة..» وأما الشق الأول، وهو قوله «فالموت هو زوال الشيء..» فهو غامض وغير صحيح، لأنه مطلق غير مقيد بشرط، فزوال الشيء يفهم منه انتهاؤه وانقطاعه من صفحة الوجود إلى صفحة العدم، وهذا المعنى لا يمشي على الكائنات الحية، التي هي ذات روح، وعلى وجه الخصوص الإنسان الذي هو قمة الوجود المادي الأرضي كما يقول الفلاسفة، وهو الذي يعنينا هنا من بين الكائنات الحية جميعها..

فهذا الإنسان هو شيء وهو من أهم الأشياء الموجودة، وهو مكوّن من جوهر خالد لا يموت اسمه الروح، ومن آلة مادية اسمها الجسد، ولا يستطيع السيد فضل الله رضي الله عنه أن يدافع عن القسم الأول في تعريفه الموت: بأنه يعني الإنقطاع من الوجود والصيرورة إلى العدم، لأنه أطلق التعريف دون أن يقيده.

أمّا لو قال: هو زوال الشيء من حال إلى حال أخرى، أو من شكل إلى شكل آخر، أو من واقع غير مرئي أو من هيئة محسوسة إلى هيئة غير محسوسة، لعلمنا أنه لم يدرج روح الإنسان وهي جوهر خالد، في صنف المعدوم، واعترف له بحقه في الوجود الدائم، ولم يشذ عن الوحي المعصوم، وعن الأئمة المعصومين، وعن الفلاسفة الإلهيين، والحكماء الربانيين.

وهذه هي النصوص التي بين أيدي البشر جميعهم مما قالها البشر ومن هم فوق البشر، تؤكد كلها على أن الروح خالدة لا يدركها الفناء ولا تصل إليها يد العدم.

وفي القرآن الكريم حشد كبير من الآيات المؤكدة لهذا الخلود، ويغنينا عن أن نأتي بشيء منها كثرتها وشهرتها وأنها ملء السمع والبصر، كذلك يوجد في مجموعات الأحاديث النبوية حشد كبير أيضاً من الأحاديث الواضحة المعبرة عن هذا الشأن.

ويكفينا أن نورد قوله صلوات الله عليه وآله: «كما تنامون تموتون وكما تستيقظوا تبعثون».

ويكفينا من أقوال الأئمة قول معبّر للإمام علي سلام الله عليه: «إنكم لا تموتون ولكن تنقلون من دار إلى دار».

ويقول أيضاً: «أنتم خلقتم للبقاء وليس للفناء».

ونشير على من يريد التوسع في هذا الموضوع والاستزادة من فهمه والوقوف على دقائقه الرائعة التي لا تقدر بثمن، أن يعود إلى الأسفار الأربعة للحكيم الإلهي ملا صدر الدين الشيرازي، وإلى تفسير (الميزان) للعلامة الطباطبائي.

ونشير بالعودة أيضاً إلى كتاب: «عيون مسائل النفس» للحكيم الربّاني حسن حسن زاده آملي، ففيه الكنوز المكنوزة من العلوم والمعارف الدقيقة النادرة.
----
([11]) القرآن الكريم، الآية 45 من سورة يونس.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت