الإنسان مع عمله في الآخرة

     

 يقول السيد محمد حين فضل الله رضي الله عنه في شرحه على قول الحق سبحانه: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ}([7]) من سورة يونس ص54:

«في يوم المحشر، يختبر الإنسان ما مضى من الأعمال التي قام بها في حياته الدنيا ويتساءل: هل كانت أعماله مما تجلب له السعادة؟ أم تجلب له الشقاء؟ وعندما يواجه الإنسان المصير هناك حيث الجنة عن يمينه، والنار عن يساره، وهو واقف بين يدي الله للحساب، يبدأ بتركيز فكره، ليدرس طبيعة أعماله، وخلفياتها، ونتائجها بشكل دقيق، وهل يستطيع أن ينجو بهذه الأعمال؟

فانظروا إلى شرح السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه على هذه الآية، ثم انظروا واقرأوا مرة ومرتين، ثم اقرؤوه، فإنكم لن تجدوا فيه إلا ما وجدناه نحن فيه. ستجدون الخطأ في التفسير، وإلى جانبه التناقض والغموض، وإلى جانبه أيضاً ركاكة الأسلوب والعبارات، ولا أريد أن أدخل في الأسباب ولا يعنيني إلا ما هو مثبت، والذي تفوّه به صاحبه أو كتبه، وقد شطّ شطاً بعيداً عن الصواب عندما فهم كلمة (تبلو) في الآية بمعنى الإختبار ومعاودة النظر.

والحق: أن معناها هو: أن كل نفس تعيش ما عملته وتذوقه، وتعاني مرارته إن كان سوءاً، ومن حلاوته إن كان حلواً، كما في مثيلاتها من الآيات الأخرى. {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}([8]) و {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ}([9]) و {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}([10])، فالدنيا هي دار العمل والتحضير والتهيئة، والآخرة هي دار الجزاء، والحصاد، والمصير الخالد، وليست داراً يسمح فيها للإنسان أن «يدرس طبيعة أعمالها» كما قال السيد فضل الله رضي الله عنه.

ولعلّه نسي أن يقول بعد دراسة طبيعة أعماله ويتقدم بهذه الدراسة لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراه، فإذا نجح فإنه يأخذ شهادته بيده ويذهب إلى الجنة عن يمينه، وإن سقط في الإمتحان فإن سقوطه سينتهي به إلى النار خالداً فيها.

ولا تعجبوا من قولي هذا، فسياق النص عند السيد فضل الله رضي الله عنه يقود إلى هذا النص..

وقد وقعت في تعجب شديد عندما رأيت السيد فضل الله رضي الله عنه يقع في خطأ شديد في شرح هذه الآية وفي غموض، وفي اضطراب من غير ما سبب.

وأنا لا أشكّ ولا أرتاب في أنه قرأ جيداً الآيات التي تؤكد على أن الحزاء في الآخرة هو من جنس العمل، فإن كان العمل خيراً فالمصير هو خير، وإن كان شراً فالمصير هو شر، وأن الإنسان عندما يموت وينتقل من هذه الدنيا فسوف لن يكون عنده فرصة أخرى لدراسة أعماله وتنقيتها وتمحيصها فكيف يسقط رضي الله عنه في مثل هذا الخطأ الذي لا يقبل من مثله أن يسقط فيه؟ وكأنه لم يقرأ الأقوال المنسوبة إلى الرسول الأعظم وإلى الإمام علي: «الدنيا مزرعة الآخرة، فما تزرعونه هنا تحصدونه هناك»، و «اليوم زرع ولا حصاد وغداً حصاد ولا زرع».

ونسأله بعد أن يقرأ الآيات الكثيرة المعبرة عن هذه المعاني المؤكدة لها أن يعود إلى كتب الحديث عند الطائفتين الكريمتين السنة والشيعة وثم إلى نهج البلاغـة وأقوال الأئمة يرى سيلاً من الأحاديث والأقوال التي تصرح بألف لون من التأكيد على هذه المعاني التي ذكرناها، والتي نستطيع أن نختصرها بقولنا: الدنيا دار عمل ولا جزاء، والآخرة دار جزاء ولا عمل، ولا فيها تمحيص ولا تنقية ولا دراسة للعمل، وإنما النعيم الدائم لفريق والشقاء الدائم لفريق آخر.

قد أحببنا هنا أن نستأنس بشرح العلامة الطباطبائي على هذه الآية، وهو الذي افترى عليه السيد فضل الله رضي الله عنه، لنقرأ شرحه عليها، فهو يقول: «فذلك الموقف، موقف تختبر وتمتحن كل نفس ما أسلفت وقدّمت من الأعمال، فتنكشف لها حقيقة أعمالها ونشاهدها مشاهدة عيان لا مجرد الذكر والبيان.

وبمشاهدة الحق من كل شيء عياناً يكشف أن المولى الحق هو الله سبحانه وتسقط وتنهدم جميع الأوهام وتضل جميع الدعاوي التي يفتريها الإنسان بأوهامه وأهوائه على الحق».

وما أن يحدّق الفكر قليلاً في قوله فتنكشف لها حقيقة أعمالها وتشاهدها مشاهدة عيان لا مجرد الذكر والبيان، حتى يطمئن على أن مشاهدة الأعمال عياناً هي إحاطتها به، ووضعه في حالة هو صنعها بنفسه لنفسه، وهذا المعنى عينه هو الذي ذهبنا إليه في قولنا: إن البلاء أن يختبر الإنسان أعماله، أي يذوقها ويعرف حقيقتها، وتنكشف له الحقيقة عارية من أوهامه وأهوائه على الحقّ.

---
([7]) القرآن الكريم، الآية 30 من سورة يونس.

([8]) القرآن الكريم، الآية 16 من سورة الطور.

([9]) القرآن الكريم، الآية 139 من سورة الأنعام.

([10]) القرآن الكريم، الآية 286 من سورة البقرة.



     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت