الإستهانة بالقرآن الكريم

     

 ونتابع ما كنا بدأناه في الفصل السابق من قراءة نص السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه، فهو بعد أن زوّر نصاً ونسبه إلى العـلامة الطباطبائي واتّهمه وهو بريء منه، يقول: «ونحن نخالف السيد الطباطبائي فيما ذهب إليه».

أقول: من حقه أن يخالفه، فحرية الرأي ينبغي أن تكون مصونة لجيمع أبناء البشر، بل لا يستطيع السيد فضل الله رضي الله عنه إلا أن يخالف العلامة الطباطبائي بالطبع والفطرة.

بل وأقول وأنا متثبت ممّا أقول بحول الله وقوّته وهديه وعونه: إن الله خلقه وخلق أمثاله ليخالفوا العلامة الطباطبائي ويخالفوا أمثاله.

ويقول السيد فضل الله رضي الله عنه، وهنا الطامة الكبرى فيما يقول: «ونرى أن التحدي كان بالبلاغة، لأننا عندما ندرس بعض سور القرآن، فإنّنا لا نجد فيها أسراراً علمية أو تشريعية كما في سورة الكوثر وغيرها..».

وقد وقع ولا يدري كيف وقع حين قال: «إن التحدي كان بالبلاغة»، فالبلاغة هي للمعنى، والفصاحة هي للفظ، ولا بأس أن نلقي درساً على صديقنا القديم السيد فضل الله رضي الله عنه في هذا الفن الجميل، فلا أدري كم هي عدد التعريفات الجميلة قولهم فيها: البلاغة هي المعنى الرفيع في اللفظ البديع. هي عارية مجردة من الثياب الفاخرة، والمظهر الأخاذ، والزينة الساحرة، وبدون هذه الأشياء لا يكون للبلاغة تأثيرها المرغوب المرجوّ.

وكذلك الفصاحة، فهي إن حضرت بكل أدواتها وهي الزينة وجمال المظهر ووسائل التزيّن والتبرج بدون المعنى البديع الذي هو الروح الخفاقة، فلا وزن لها ولا شأن عند العقل، وإن هي أعجبت الناظر فإنها لن تعجب الخاطر.

وقد ضرب العرب مثلاً لذلك مقامات الحريري وكثيراً من أدب الدولة المتتابعة أو ما درجوا على تسميته بأدب الإنحطاط الذي أخذت فيه زخرفة الألفاظ، وزبرجة الكلمات، الدور الأول والمقام الرفيع.

وقد قصدوا حين قالوا: البلاغة، ما يبلغ أعماق النفس، وما يعطيها وعياً جديداً، وطاقة جديدة، وما يكمل نقصاً فيها، والكلمة مأخوذة من الذكر الحكيم: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}.

والحق: أن البلاغة والفصاحة كالروح والجسد، في اقترانهما تكون الحياة، ولا حياة لهما بدون الإقتران وفي فصل بعضهما عن بعض ينتهيان إلى الموت.

وأقول مرة ثانية: إنه وقع ولا يدري كيف وقع، وقع في تناقض بين قوله وبين ما يرمي إليه، والشرح واضح لمن طلب الوضوح وليس الغموض، وصحيح لمن طلب الصحة وليس السقم.

وإذا كان في قوله هناك الطامة الكبرى، فهو في قوله الآتي هنا الذي يتابع به ما سبقه الطامة الأكبر، فاستمعوا إليه يقول:

«لأنّنا عندما ندرس بعض سور القرآن فإننا لا نجد فيها أسراراً علمية أو تشريعية كما في سورة الكوثر وغيرها..».

ثم استمعوا إليّ وأنا أردد هذا الكلام بحجة الكبرى، ولا تقول: إنّني بالغت في وصف كلامه بالطامة الأكبر، فقد اخترت من بين التفاسير الكثيرة تفسير (الميزان)، وعند العودة وجدت العلامة الطباطبائي يستفيض في شرح سورة الكوثر، ثم يتبع شرحه ببحث روائي كما تعود أن يفعل في شرح كل سورة، وننتخب من شرحه ما هو مناسب أن ينتخب ويذكر، فهو بعد أن يأتي بآراء كثيرة في تفسير كلمة (الكوثر)، يقع ترجيحه على معينين لها، وهما: كثرة الخير، وكثرة الذرية.

وقد انهمر الخير الكثير على الرسول الأعظم في حياته وبعد رحيله، وكثرت ذريته وأتباعه وأشياعه كثرة لا حصر لها، ومن ذريته السيد فضل الله رضي الله عنه. ولا ندري هل يناله العهد؟

ثم أليس هذا التفسير من الأسرار العلمية، والصدق في الإخبار عن المغيبات؟

وهذه هي عبارة العلامة الطباطبائي أثناء شرحه على الآية الأولى من السورة المباركة: «..إن ولد فاطمة (عليها السلام) هي ذريته (صلى الله عليه وآله)، وهذا في نفسه من ملاحم القرآن، فقد كثّر الله تعالى نسله بعده كثرة لا يعادلهم فيها أي نسل آخر مع ما نزل عليهم من النوائب وأفنى جموعهم في المقاتل الذريعة.

وفي شرح قوله سبحانه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} يجيء العلامة الطباطبائي بأكثر من شرح. وهذا واحد منها، إخترناه لأنه يدفع قول السيد فضل الله رضي الله عنه عن السورة: «أن ليس فيها لا أسرار علمية ولا تشريعية».

يقول العلامة الطباطبائي: «ظاهر السياق في تفريع الأمر بالصلاة والنحر على الإنسان في قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} أنه من شكر النعمة، والمعنى إذا مننّا عليك بإعطاء الكوثر، فاشكر لهذه النعمة بالصلاة والنحر».

أليس في أمر الله سبحانه وتعالى رسوله بالصلاة والنحر شكراً على النعم والمنن تشريعاً؟

وإذا لم يكن هذا تشريعاً، فأي شيء يكون؟.

ونعود مرة أخرى إلى السيد فضل الله رضي الله عنه وهو يضرب مثلاً عن خلو بعض سور القرآن الكريم من الأسرار العلمية والتشريعية وهذا قوله: «.. كما في سورة الكوثر وغيرها».

وقد رأينا شيئاً يسيراً ممّا قاله العلامة الطباطبائي في تفسير سورة الكوثر وهو الحق الذي لا يتفق مع رأي السيد فضل الله رضي الله عنه.

وأما قوله: «وغيرها»، فقد أيقظ عندنا جملة أسئلة لا بد من طرحها، ولا بد من السعي إلى معرفة الأجوبة عليها، وهي هل (غيرها) سورة واحدة؟ أم مجموعة سور؟

وهل هذه السور قصيرة أم طويلة؟

ثم هل في القرآن من سور أو آيات أو كلمات ليس فيها أسرار علمية أو تشريعية؟

وهل يقودنا قوله: «لأننا عندما ندرس بعض سور القرآن فإننا لا نجد فيها أسراراً عليمة وتشريعية..» بأن في القرآن سوراً أو آيات لا معنى لها وليس لها، وظيفة تؤديها، وبالتالي فإن حذفها أو الإبقاء عليها سيان؟

ويمكن لهذه الأسلة أن تولد أسئلة كثيرة أخرى، ونحن إذا رحنا نفتش عن الأجوبة فإنها كثيرة بعدد الأسئلة، ولن نرضى لأنفسنا أن نذكر إلا أخفّها وقعاً على خاطر المؤمن وإحساسه، وهو الإستهانة بالقرآن الكريم.

ونمضي مع السيد فضل الله في نصه، لنرى ماذا عنده من جديد في القول والرأي، يقول:

«فإذن، فعندما يتحداهم بالإتيان بسورة واحدة فإنه يتحداهم بلاغياً.

نعم، لو كان التحدي بأن يأتوا بمثل القرآن كله لكانت المسألة تحتمل ذلك..».

فأمّا رأيه في العبارة الأولى القائل بأن التحدي كان بالبلاغة، فقد قلنا فيه قولتنا.

وأمّا رأيه في العبارة الثانية فكيف غفل رضي الله عنه عن قول الحق سبحانه: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}([5]).

فهل هذا تحد بالقرآن كله أم أنه شيء آخر؟ أتمنى عليه أن يقرأ الآية مرة ثانية وثالثة حتى يتبين له بطلان قوله، فيرجع عنه ويتوب إلى الله.

ثم يقول السيد فضل الله رضي الله عنه وهو يصف القرآن في قوله هذه المرة بما لا يليق بالقرآن أن يوصف به، ثم يعود فيمدحه بالإعجاز وأنه لا يمكن للمجتمع العربي أن يرقى إلى صناعة مثل بلاغته وإنشاء مثل فصاحته، وأنه معجز أعجز العرب ببيانه وأسلوبه، فلا يدري المرء مما سيعجب، هل من جمعه بين النقيضين في الحكم على شيء؟ أم من هذه الفوضى والحيرة اللتين يخلقهما هذا الأسلوب الركيك المضطرب سواء كان في الخطابة أم في الكتابة؟

فقد ذكرنا رأيه وهو يمدح القرآن، فاستمع إليه وهو يقول في وصفه بما لا يليق به:

«والقرآن جاء على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) بأسلوب سهل ممتنع فوصل إلى قمة الإعجاز..».

وقد بدأ العرب بإطلاق وصف (السهل الممتنع) على الأسلوب، منذ أواخر الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية، فقد وصفوا أسلوب عبد الحميد الكاتب بالسهل الممتنع، ووصفوا به أسلوب ابن المقفع، وانتشر هذا الوصف بعد ذلك بين العرب، وأخذوا يطلقونه على كل أسلوب في الشعر أو في النثر، يحس القارئ معه أن ما يقرؤه هو في متناول يده، حتى إذا جاءه يتناول بالصنع والتقليد وجده بعيداً عن التناول وأنه لا سبيل إلى الوصول إليه.

ولكن ما معنى أسلوب سهل ممتنع؟

معناه: هو ما استعصى أن يبلغه إلا واحد بعد واحد من الموهوبين العرب، سواء في الشعر أو في النثر، وسيبقى الأمر كذلك حتى آخر الدنيا، ولكن هذه القاعدة غير صحيحة فروائع أبي الطيب مثلاً ليست سهلة ولكنها ممتنعة.

وقد أردنا أن نقول للسيد فضل الله رضي الله عنه من وراء هذا البيان العابر: بأن وصفه القرآن بالسهل الممتنع، لا يليق بالقرآن أن يوصف بهذا الوصف، كما لا يليق بالسيد فضل الله رضي الله عنه أن يصف القرآن بهذا الوصف الذي يعني أنه ليس معجزاً، ولا يرقى إلى درجة الإعجاز.

فقد ذكرت قبل قليل: أن أسلوب السهل الممتنع ليس وقفاً على موهوب دون موهوب في المجتمع العربي أو في المجتمع البشري، أما القرآن فهو معجز، وهو معجزة، وهو أعجاز، أعجز العرب وغير العرب أن يأتوا بمثله في الأسلوب والفصاحة، وفي العمق والدقة، وفي الشمول، وفي تناول الغيب والشهادة، وفي أشياء كثيرة لا يقوى المخلوق على أن يأتي بمثلها.

وما يخلقه الخالق فإنه عصي على المخلوق أن يأتي بمثله، بل ممتنع، بل مستحيل، {هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}([6]).

ولا أزال أحتفظ في خاطري لطه حسين بقول جميل يصف به القرآن، أرى أنه أصابه به كل الصواب، وكم هو بعيد قوله! وكم هو عميق، أرى أنه أصاب به كل الصواب، يقول: إن القرآن لا يسمى بشيء آخر غير ما سماه به منزِّله الخالق، وهو القرآن. ولا يصح أن يسمى تسمية أخرى بغيره، إلا إذا قصد إلى تبجيله وتجليله.

وهؤلاء هم العرب أرباب الفصاحة، وسادة البلاغة اعترفوا له وشهدوا طوعاً أو كرهاً على أنه ليس بمقدور البشر أن يحاكوه أو أن يأتوا بمثله كله أو بجزء يسير منه، وهذه كلماتهم في وصف القرآن وعباراتهم الكثيرة الملأى بالإعجاب، والحيرة، والدهشة من هذا الإعجاز الذي هزّ كيانهم، وزلزل وجودهم، ومن هذا السحر الذي يجري بينهم، فيأخذهم من أنفسهم، ولا يملكون تفسيراً لهذه الظاهرة العجيبة، ولا يعرفون مصدراً لها إلا النبي الأميّ محمد بن عبد الله.

فهل تلقيه إليه الجنّ أو الشياطين أو الملائكة؟

أم أن السماء أمطرت أشباحاً غير مرئية، فنزلت في كلمات لا عهد للبشر ولا غير البشر بمثلها؟.

ولو ذهبنا نجمع ما قالوه في القرآن وفي النبي الأميّ، لألفينا مجلداً كبيراً بين أيدينا، ولا نحسب ما ضاع عنا ولم يصل إلينا.

ولو ذهبنا نجمع ما قاله الرسول الأعظم، وما قاله أئمة الحق في وصف القرآن، وما قاله بعدهم الربانيون، لوجدنا أمامنا جبلاً من الأوراق، وها هي أقوالهم موجودة منثورة في كل كتاب، ولا يصعب على أحد من الناس أن يتناولها متى شاء ويغني بها قريحته ويخصب بها معارفه وتطلعه إلى الإستزادة. ويكفينا هنا أن نورد كلمة من كلمات سيد القول علي بن أبي طالب في القرآن، لنتعلم كيف نصف القرآن وكيف نقول فيه، وننتهي من وصفه والقول بأنه سهل ممتنع»..

وإن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به.

ونحن نقول: إن السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ومن عجائبه: أنه قال عن سورة الكوثر. إنها ليس فيها أسرار علمية ولا تشريعية، ثم رجع فقال بعد أسطر من هذا القول: «ولم يستطع المجتمع العربي بكل ما فيه من فصحاء، وبلغاء، وشعراء أن يأتي بسورة تصل في فصاحتها وبلاغتها إلى حد سورة واحدة من القرآن من مثل سورة الكوثر مثلاً.

فأنا سأمضي سالماً غانماً ولا أريد أن أفهم أين يقف السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه من أقواله، ولا أين تقف أقواله منه، ومن أراد أن يفهم، فعليه أن يحضر السحرة كلهم والجن كل الجن، ويطلب إليهم: أن يفهموا مواقفه، وأين هو منها، وأين هي منه، فإنهم سيعجزون وسيعودون بالحسرة والخيبة.

----
([5]) القرآن الكريم، الآية 88 من سورة الإسراء.

([6]) القرآن الكريم، الآية 11 من سورة لقمان.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت