الافتراء على العلامة السيد الطباطبائي

     

 عودوا معي إلى كتاب السيد فضل الله رضي الله عنه (حركة النبوة في مواجهة الانحراف)، واقرأوا قول الحق تعالى في سورة يونس: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}([3]) ويشرحها السيد فضل الله رضي الله عنه ويطيل قليلاً في شرحها، ونحن لا يعنينا أن نأتي بالشرح كله، بل نكتفي بذكر ما أخذناه به، وما هو موضع النقد واللوم حقاً.

يقول تحت عنوان «مناقشة»: ونعود إلى مسألة التحدّي التي يطرحها القرآن الكريم، فالتحدّي كان يتدرج من الإتيان بمثل سورة من القرآن، أو عشر، أو بمثل القرآن كله وبالعكس.

وهنا سؤال: هل الإعجاز الذي تحدى الله به عباده، هو إعجاز من ناحية بلاغة القرآن، أي أن يأتوا بمثله في بلاغته وفصاحته؟ أم أن الإعجاز كان من خلال مجموع ما في القرآن من خصائص فكرية وفلسفية وتاريخية؟ أم من خلال ما أثاره القرآن من لمحات علمية، لم ينبه إليها الإنسان إلا بعد حين؟

يذهب كثير من المفسّرين، ومنهم السيد الطباطبائي (رحمه الله) صاحب الميزان: بأن التحدي كان بكل ما في القرآن من أسرار ومعارف وعلوم، لأن الخطاب موجه إلى كل الناس من عرب وعجم. فمن لا يملك معرفة باللغة العربية، فكيف يمكن أن يوجه إليه التحدي في البلاغة؟

نحن نخالف السيد الطباطبائي فيما ذهب إليه، ونرى أن التحدّي كان بالبلاغة، لأنّنا عندما ندرس بعض سور القرآن، فإننا لا نجد فيها أسراراً علمية أو تشريعية كما في سورة الكوثر وغيرها، ولذا فعندما يتحداهم بالإتيان بسورة واحدة فإنه يتحداهم بلاغياً.

نعم.. لو كان التحدي بأن يأتوا بمثل القرآن كله لكانت المسألة تحتمل ذلك.

ولكننا نلاحظ: أن القرآن طرح عليهم التحدي متدرجاً من الأكبر إلى الأصغر أي من القرآن كله، إلى عشر سور، إلى صورة واحدة.

ومع ذلك لم يستطيعوا الإستجابة لهذا التحدي.

والقرآن جاء على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) بأسلوب سهل ممتنع، فوصل إلى قمّة الإعجاز، ولم يستطع المجتمع العربي بكل ما فيه من فصحاء وبلغاء وشعراء: أن يأتي بسورة تصل إلى فصاحتها وبلاغتها، حتى سورة واحدة من القرآن من مثل سورة الكوثر مثلاً هذه نقطة.

والنقطة الثانية التي تؤكد ما ذهبنا إليه: أن كل الأحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلى أن الله تعالى ينزل المعجزة بحجم الواقع الذي يتحرك فيه الناس، ففي زمن موسى (عليه السلام) كان السحر الغالب على مجتمعه وأهل عصره، فلذا كان يحتاج إلى أن يتحداهم بما يبطل سحرهم. وكان الغالب على المجتمع الذي فيه عيسى (عليه السلام) الطب. فكان فلا بد أن تتناسب المعجزة مع ما يهزم طبّهم الذي لا يستطيع معالجة القضايا المستعصية كالموت مثلاً، لذلك كانت معجزته (عليه السلام) في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى.

وهكذا في زمن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) فكانت البلاغة المسيطرة على واقع الناس فيما يفترون ويفخرون، فالله بعث على يديه الإعجاز الذي تحدى وأربك كل إمكاناتهم البلاغية.

وأمّا أن النبي جاء ببعض الأسرار والمعارف والعلوم التي لم يعرفها عصره، كونه لم ينطلق في ذلك من ثقافة ذاتية، لأنه لم يقرأ ولم يكتب، فهذا دليل على صدق النبي، لا على الإعجاز (انتهى).

وهكذا آثرنا أن نأتي على ذكر النص كاملاً كما هو مذكور في كتابه الذي سبق لنا ذكره حتى لا يحتج محتج علينا ويقول بأننا اخترنا جملاً بعينها ولم نذكر ما قبلها ولا ما بعدها ويتهمنا بعدم مراعاة الأمانة والدقة في النقل والاستشهاد.

فهو في بداية النص يثير مسألة إعجاز القرآن التي أعيت البشر آنذاك منذ بدء أول كلمة نزلت في ذلك الزمان والتي ستظل تعييهم حتى آخر خفقة في قلب الزمن.

ويتساءل هل هو إعجاز بلاغة وفصاحة؟ أم إعجاز علوم وأسرار ومعارف؟ أم إعجاز إثارة لأسرار علمية تأخر الإنسان كثيراً حتى أحس بها وصارت مكشوفة له؟

وبعد طرح هذا التساؤل يجيب فيقول: (يذهب كثير من المفسرين، ومنهم السيد الطباطبائي (رحمه الله) صاحب الميزان: بأن التحدي كان بكل ما في القرآن من أسرار ومعارف وعلوم، لأن الخطاب موجه إلى كل الناس من عرب وعجم. فمن لا يملك معرفة اللغة العربية، فكيف يمكن أن يوجه إليه التحدي في البلاغة؟

ولم أكتف بقراءة هذا النص مرة واحدة، بل أعدت قراءته مرات عدة، وأنا مسترسل أنتقل بين دهشة وحيرة، وأتساءل: كيف جرى هذا الكلام من قلم العلامة الطباطبائي، وهو المشهود له بالحكمة والدقة وبلوغ أقصى المعاني في الفكر، والفلسفة، والتفسير، والفقه، فحدّثنتي النفس: بأن أتقصى الخبر وأخلص إلى الإطمئنان في معرفة الحقيقة، والوقوف على الأمر الواقع، فأعود إلى تفسير الآية في سورة يونس من كتابه (الميزان) وهو التفسير المعجز الذي سيتعب من بعده كثيراً.

وفي الحق عندما عدت ووجدت، وقرأت، وفهمت، أحسست وكأنني صرت بين ألف عاصفة من الحيرة، وانغمرت بين طوفانات من الدهشة والتعجب، ولن يصعب عليكم أن تعرفوا لماذا انقلبت إلى هذه الحالة، فليس في كلام السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه، الذي نسبه إليه وأسنده إلى تفسيره (الميزان) والذي نقلناه عنه قبل قليل شيء من كلام العلامة الطباطبائي، ولا يمت إلى تفسير (الميزان) بصلة، أو قرابة. بل هو مشوه، ومزور، ومكذوب على العلامة الطباطبائي.

ولست أدري ما الذي حلّ بساحته حتى لجأ إلى مثل هذا الافتراء الظالم، والبهتان الجائر، ولا أريد أن أحاكم السيد فضل الله رضي الله عنه ولا أحكم عليه، إلا بما يحكم هو نفسه على من نسب إليه رأياً خطأً، وقوّله قولاً ضالاً مضلاً لا صلة له به، ولا يرضاه جملة وتفصيلاً، فذلك الحكم الذي يحكمه على فاعل هذه الفعلة هو الذي أحكم به عليه، ولم يكن الافتراء على العلامة الطباطبائي وحده هو مصدر الدهشة والحيرة. بل هذا الإفتراء الذي دفعه إلى ارتكاب عمل لا يليق بمثله أن يمر بخاطره وأن يفكر فيه، فكيف بارتكابه والإتيان به.

ولا بدّ لنا أن نبرئ ساحتنا من ظلم السيد فضل الله رضي الله عنه، ومن اتّهامه والافتراء عليه؛ لنقطع الطريق على كل طويل اللسان، فنعود إلى شرح الآية الكريمة في السورة الكريمة من التفسير الكريم (الميزان)، لنرى على أرض الواقع ما هو موجود هناك.

فاستمعوا الآن إلى ما سنضعه بين أيديكم، وما سنتلوه عليكم، ممّا ذكره العلامة الطباطبائي، وهو ما يزيد على ثمان صفحات. وإذا كنا لا نستطيع أن نورده كله، فنحن لن نقصر في أخذ خلاصة تضم أبرز أفكاره وأهمها.

يقول: (.. إن التحدي بالقرآن في الآية الكريمة، ليس من حيث نظمه وبلاغته فحسب، فإنه تعالى يأمرهم بالاستمداد من كل من استطاعوا دعوته من دون الله، سواء في ذلك آلهتهم، وفيهم من لا يعرف الكلام العربي أو جزالة نظمه وصفة بلاغته، فالتحدي عام لكل ما يتضمنه القرآن الكريم من معارف حقيقية والحجج والبراهين الساطعة، والمواعظ الحسنة، والأخلاق الكريمة، والشرائع الإلهية، والاخبار الغيبية، والفصاحة والبلاغة، نظير قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}([4]) (انتهى).

ولا يسعنا أن نأتي بجميع ما فصل فيه من شرح على هذه الآية وما ناقشه من أفكار وآراء، منها ما يختلف بعضها عن بعض، ومنها ما يتفق بعضها مع بعض، فهذا ما يجهد القارئ ويخلق في نفسه الملل، ونسأل من يهمه الأمر ويعنيه أن يتثبت في ظل ما ذكرناه من نقد وتصحيح، أن يعود إلى تفسير (الميزان) فيقرأ ثم يحقق ويدقق، ويخرج بما شاء من نتيجة.

وقد آثرنا أن نأتي بمقطعين آخرين ليزداد من لا يتيسر لهم الرجوع إلى المصدر المذكور يقيناً على يقين وثقة بصدق كلامنا وصحة إنصافنا بين الظالم والمظلوم، وبين المتهِم بكسر الهاء والمتهَم بفتحها.

ومن بعد يقول العلامة الطباطبائي: «إن جهات القرآن وشؤونه التي تقوم به حقيقته وهو كتاب إلهي، مضافاً إلى ما لفظه من الفصاحة وفي نظمه من البلاغة إنما ترجع إلى معانيه ومقاصده، لست أعني من المعنى ما يقصده علماء البلاغة في قولهم: (إن البلاغة من صفات المعنى والألفاظ مطروحة في الطريق)، يعنون به المفاهيم من جهة ترتبها الطبيعي في الذهن، فإن الذين يعنون به من المعنى موجود في الكذب الصريح من الكلام، وفي الهزل، وفي الفحش، والهجو والفرية، إذا جرت على أسلوب البلاغة، وتوجد في الكلام الموروث من البلغاء نظماً ونثراً وشيء كثير من هذه الأمور.

بل المراد من معنى القرآن ومقصده: ما يصفه تعالى بأنه كتاب حكيم، ونور مبين، وقرآن عظيم، وفرقان، وهاد يهدي إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، وقول فصل وليس بالهزل، وكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وذكر، وأنه يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأنه شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خساراً، وأنه تبيان لكل شيء ولا يمسّه إلا المطهرون.

فمن البيّن: أن هذه كلها صفات لمعنى القرآن، وليست صفات لما يقصده علماء البلاغة بالمعنى البليغ، الذي ربما يشتمل عليه الباطل من الكلام الذي يسميه القرآن الكريم لغواً في القول وإثماً، وينهى الإنسان عن تعاطيه والتفوه به، وإن كان بليغاً. بل المعنى المتّصف بهذه الصفات هو: شيء من المقاصد الإلهية التي تجري على الحق الذي لا يخالطه باطل، وتقع في صراط الهداية. ويكون الكلام المشتمل على معنى هذا نعته، وغرض هذا شأنه، هو الذي تتعلق العناية الإلهية بتنزيله وجعله رحمة للمؤمنين، وذكراً للعالمين.

وهذا الذي يصحّ أن يتحدى به بمثل قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ}، فإنه لا يسمى الكلام حديثاً إلا إذا اشتمل على غرض هام يُتحدث، فينقل من ضمير إلى ضمير، وكذا قوله {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}، فإن الله لا يسمي جماعة من آيات كتابه، وإن كانت ذات عدد سورة إلا إذا اشتملت على غرض إلهي تتميز بها عن غيرها».
----
([3]) القرآن الكريم، الآية 13 من سورة هود.

([4]) القرآن الكريم، الآية 88 من سورة الإسراء.



     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت