إشارة الدخول

     

 هكذا هو شأن موسى وفرعون، كانا كلما يلتقيان يتحدى أحدهما الآخر بأنواع شتى من التحديات، فمن الكلام إلى التهديد والوعيد إلى المعجزات الباهرات، وبذلك أخبرنا القرآن الكريم وقص علينا فأمتعنا وهدانا وجعلنا نعتبر وعلمنا كيف نصطبر.

نعم.. أخبرنا أن موسى دخل على فرعون يوماً فحاوره ثم حاوره، إلى أن وجد حاجة.

واضطراراً إلى الآية والمعجزة {فَأَرَاهُ الآَيَةَ الْكُبْرَى}([1]) كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم.

وإلى هنا نقف لنقول: إن هذه الآية الكبرى التي أراها فرعون هي فوق طور البشر وفوق تفكيرهم، وهي سلطان الله وبرهانه الذي يظهره على أيدي الأنبياء لينصرهم ويقهر أعدائهم ويجعل رسالته هي العليا. وبذلك تمت كلمة الله سبحانه.

وإنما افتتحنا الحديث بهذا الكلام، لا لنتخذ منه لهواً ولا لنجد فيه عبثاً وتسلية ولكن أردنا أن نوقظ الخواطر لنقول للناس كل الناس: إن السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه، ألقى على نفسه أو أذن للحافين من حوله أن يلقوا عليه تسمية تجاوزت في معناها هذه الآية الكبرى التي جاء بها موسى فقالوا: سماحة آية الله العظمى.

وبين (العظمى) و (الكبرى) مسافة تحتاج (الكبرى) إلى قطعها والوصول إلى (العظمى) طاقة إلهية لا يقدر حجمها إلا الله وتحتاج إلى لطف إلهي لا يمنحه إلا الله. وليته تذكر، قبل أن يقدم على هذا المشروع قول الحقّ سبحانه: {فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}([2]) وتذكر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «من تواضع لله رفعه».

وهكذا قال عبد الحميد بن أبي الحديد المدائني المعتزلي في واحدة من قصائده التي مدح بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والتي أذاب فيها قلبه وأذاب معه قلوب من يحب علياً ويتولاه:

هو الآية الكبرى ومستنبط الهدى

وحـيرة أربـاب الـنـهى والبصــائر

وهكذا وجدت نفسي بلا كلفة ولا استئذان من أحد، أتذكر صديقنا اللطيف ناعم الأخلاق، عف الإزار، وكريم الأسرار السيد محمد حسين فضل الله رضي الله تعالى عنه، وأتذكر أيامنا الخوالي، يوم أن التقيته في مكتبة أهل البيت بباريس عام ثمانية وسبعين وتسعمائة وألف، بعيد مقتل صديقنا الشهيد السعيد السيد موسى الصدر أخزى الله قاتليه وخلّدهم في الشقوة والعذاب، وقبيل قيامة الثورة الإسلامية في إيران، ولا أستطيع أن أنسى إعجاب السيد حسين فضل الله رضى الله تعالى عنه، في كل مرة التقيته فيها، بما يسمع من أحاديث وبالأسلوب الذي أتحدث إليه به، وكان يقول لي على مسمع من الحاضرين الكثر وهو يبتسم بلطف ومودة: «سبحان الله من أين تأتيك هذه الألفاظ العذبة التي تسلب بها وتغلب؟ ومن أين تأتيك هذه الصور التي يسمعها السامع فيود لو أنها تصير بين يديه يتمتع بلمسها كما يتمتع الخاطر بإحساسها».

ولكن إذا كان من حقّ جميع الناس أن يعلموا لماذا تذكرته وحده من دون جميع رجال الدين وأنا أقرأ بيت ابن أبي الحديد المدائني؟ فأنا أقول لجميع الناس: وكيف لا أتذكره وهو صاحب المؤلفات الكثيرة التي سمح.

ولا أقول: أمر أن يزينوها ويوشحوها بذكر اسمه الكريم، وقد أحاط به موكب من الجلالة، ورافقته كوكبة من حرس الشرف، فسموه فقالوا: سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله دام ظلّه.

وأقول: إن موكب العظمة والجلالة التي أحاطوه بها لا يرقى إليها إلا الرسول الأعظم ومن تقدمه من الأنبياء، وإلا أهل بيته وأصحابه الغر الكرام، وفي طليعتهم علي بن أبي طالب.

وأعتقد اعتقاداً لا ريب في صحّته وصدقه: أن ابن أبي الحديد المدائني وجد نفسه مقصّراً في وصف علي بن أبي طالب بـ «الآية الكبرى»، وأن المسلمين جميعهم متفقون معه في هذا الوصف، ولا يجدونه في غير محله، ولا يجدون فيه غلواً.

وإن أوصاف التعظيم، مهما احتشدت وتكاثرت لا تزيد في الموصوف رفعة وجلالة ومهابة، فإذا لم يكن عنده سعة نادرة في العلم، ولم يكن على جانب كبير من نبل السيرة وكرم الشمائل والأخلاق، بل تصنع من الموصوف مهزلة وتعرضه إلى ما لا يحمد من القول والكلام والوصف.

وكم تمنيت لصديقنا الكريم السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه، أن يكتفي بوضع اسمه على مؤلفاته مجرداً من حرس الشرف ومن شارات الأبهة والتفخيم والتعظيم، وأن يترك لما في مؤلفاته من علم ومعارف ومن تحليل وتفسير وتنظير وتأمل، الدور الأول والأخير في التعريف به وبما له من وزن وبما لقامته من طول.

وأقول، ولن أجامل بالقول ولن أجامل غيره ممن يسمحون لهذه الأوصاف الرفيعة والتعظيم الكبير أن تحف بأسمائهم وهم لا يملكون إلا أقل القليل منها. وأكرّر القول مرة ثانية: عظموا أنفسكم ما شئتم، فإنه لن يعظمكم إلا القول العظيم، والعمل العظيم، ولن يرفعكم إلا المعنى البديع الرفيع في الأسلوب البديع الرفيع. فاعملوا ما شئتم، وقدموا لأنفسكم ما شئتم، فقيمة كل امرئ ما يحسنه.

وأقول قبل أن أباشر بإيراد نماذج من أخطائه وأمثلة من تأويلاته الحائرة، وهي كثيرة وكثيرة يصعب حصرها، حتى ليصدق قول من يقول: إن خطأه في مؤلفاته أكثر من صوابه.

نعم.. أقول لمن أراد أن يلومني ويقسو عليّ في اللوم: أفعل ما تشاء وقل ما تشاء، ولكن بعد أن تقصد وجه العدل والإنصاف فتقرأ هذا الكتاب قراءة الأمين المحايد، يتأمل تأمل اللبيب ويدقّق تدقيق الأريب.

ثم أقول أيضاً: إن خطأ الصغير هو صغير مثله لا يتجاوزه إلى غيره، أمّا خطأ الكبير فهو كبير بل هو كبيرة، وهو محرقة، ومغرقة، ومهلكة، ومضلة، لأنه يتجاوزه إلى كثير من الناس فيضلون سواء السبيل ويتيهون في التيه الكبير، ولا تلق السمع إلا بعد التحقيق والتدقيق لمن يقول: «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». لأن الحديث الآخر الثابت الصحيح ينسخه وينفيه، وهو قوله (صلى الله عليه وآله): «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سنّ سنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ لأنّ السنّة تكون في الأقوال وتكون في الأعمال.

ولقد أحسن من قال: «لقد أضلّ البصري بنسكه أكثر ممّا أضلّ السامريّ بعجله».

وهناك مسألة ألحّت عليّ لأفرد لها فصلاً خاصاً ومكاناً واسعاً من هذا الكتاب، لكنّني وجدت أن الإشارة إليها إشارة معبرة تبرز فيها واضحة غير منسية ولا مهملة، تأتي كافية هنا. وأعني بها مسألة الغموض عند السيد فضل الله رضي الله عنه، سواء في الخطاب أو الكتاب، فهو عندما يتناول موضوعاً، ثم يأخذ بالشرح والتحليل ليعرف به ويفسره ويبين ما له من أثر وشأن في الحياة، أو ليدلّ على مقدار ماله من دور وأهمية في صنع مسيرة الإنسان في هذه الدنيا الفانية، وصنع مصيره في تلك الأخرى الباقية، عندما يفعل ذلك. فإن السامع لحديثه أو القارئ لكتابه أو نصوصه يواجه غموضاً في الكلام يحول بينه أن يظفر بالمعنى الذي يسعى للوصول إليه، ويرتمي في شبكة من الاضطراب يحيكها إمّا ضعف العبارة، أو اضطرابها، أو ركاكة النسج في الكلام والبيان.

وكثيرون أولئك الذين لاحظوا: أن أسلوب السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه، فيه في جوانبه شيء من الضعف والاضطراب يؤديان إلى إخفاء المعنى، وفي جعجعة يحسب الجائع أن وراءه طحيناً، حتى إذا جاءه يطلب حاجته لم يجد عنده شيئاً. فكأن أسلوبه نسخة مصورة عن أساليب الصحف والصحفيين، ليس فيه عمق يجذب إليه الغواصين ليستخرجوا منه الدرر الكامنة فيه.

وكان حقاً علينا أن نأتي بالأمثلة الدالة والشواهد المدلّلة، لولا أنّنا قضينا قبل قليل: بأنّا لا نعطيها محلاً أكثر من الإشارة العابرة المعبرة.

ولا يفوتني هنا أن أذكر: أن أكثر من سائل معلق، احتجّ على السيد فضل الله رضي الله عنه في مقابلة له على إحدى الفضائيات العربية: بأنّ كلامه في جانب من الموضوع مبهم وغير واضح، وأنّ موقفه من القضية الفلانية يلفه الغموض، وألحّ عليه بأن يقدم رأيه بجلاء لا لبس فيه، ووضوح لا غموض فيه، وكذلك عانى عدد غير قليل ممن تعوّدوا أن يرتادوا مجالسه أو أن يستمعوا إلى محاضراته، من هذا الغموض والإبهام اللذين ينتشران ويتوزعان في جوانب شتى من حديثه، وأن بعضهم حاول أن يطوع نفسه بقبول ما يسمع.

لكنه لم يفلح، لأنه وجد أن الغموض يكاد يغلب على الشفافية، فانهزم أمام إرادة الابتعاد فابتعد غير آسف ولا حزين، وراح يفتش عن مكان آخر، ليروي ظمأه إلى الدرس والمعرفة.

ولأنّني اعتدت أن أمارس الإنصاف في الحكم على الأشياء بقدر ما أجد للإنصاف طريقاً، ولأن الحكم على الكاتب والكتاب من أهم هذه الأشياء، فسأحمل نفسي على قول الحق. وأقول: ليس هناك من كتاب لا يخلو من أن يحمل في بعض زواياه من غموض، لسبب من الأسباب.

فربما يكون هذا السبب: أن الفكرة التي يعالجها الكاتب هي على غاية كبيرة من الدقّة، ولا يرى الكلمات التي تقدر على الوصول إليها وتحريرها من قفص الدقة إلى فضاء الإنجلاء.

وربما يكون السبب: أن الكاتب لا يحيط بفهم الفكرة الموجودة في ذهنه إحاطة تامة، فتولد الفكرة حينئذ من قلمه غير تامة، وفيها شيء من القصور أو الشلل أو الغموض.

وربما لأسباب أخرى لا نريد أن نشغل بها أكثر من ذلك.

كما أنّنا لا نريد أن نأخذ السيد فضل الله بأكثر مما أخذناه، ولا نزيد في القول أكثر مما قلنا، فنحن نريد أن نقصر همّنا وعملنا على كلام المؤلفين وكتاباتهم، وآرائهم، وأفكارهم، وليس على شيء آخر غير ذلك.

وسننصرف الآن إلى عملنا، فنبدأ بعرض الأخطاء عرضاً صحيحاً صادقاً، ثم نأخذ بمعالجتها ومداواتها بالأسلوب الذي اعتدنا أن نعالج به كل خطأ، ونقدم الذي نراه حقاً ومناسباً، وليس غرضنا إلا كشف المرض وطرده، ووضع الصحة والعافية مكانه، وهو الصواب والتصويب.
---
([1]) القرآن الكريم، الآية 20 من سورة النازعات.

([2]) القرآن الكريم، الآية 32 من سورة النجم.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت