تذكير وتنويه

     

 لماذا المسلمون على هذا الوضع الذي هم عليه؟ ولكن ما هو الوضع الذي هم عليه؟ إنهم في ظلمات الحيرة، والسبيل أمامهم وبجانبهم ولا يعرفون كيف يصلون إليه وهم في ظلمات التيه الذي دخله بنو إسرائيل بظلمهم أنفسهم وعصيانهم خالقهم والتمرد على موسى ورسالته التي جاء بها، ولكن بني إسرائيل ألفوا التيه وألفهم وعرفوا كيف يسكنون فيه ويسكنون إليه، وخلقوا بينهم وبينه مودة وصنعوا له فلسفة، وأما المسلمون فلا يعرفون أنهم في تيه، والتيه لم يعد يطيق حملهم، يريد أن يلفظهم فلا يستطيع، فهو يكاد يختنق بوجودهم ولا يعرف كيف يتخلص منهم.

من هو الذي أصبح لا يعرف في هذه الدنيا، أن المسلمين متدابرون متقاطعون يضرب بعضهم رقاب بعض لغير ما سبب إلا لحمية الجاهلية التي لا يزالون يتوارثونها. هذا الإنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير ممن خلق هو عندهم أقل من قطعة عشب في فم جرادة، لا شأن لهم إلا قتل الإنسان في الذات الإنسانية، وإلا قتل الصفات الإلهية في الطبيعة البشرية، يقتلون الحرية، ويدمرون الإباء والمروءة، ويذلون العزة ويطمرونها في بئر النجاسة، ويسلخون جلد الكرامة وينشرونها على سياج الذل والإهانة، قلوبهم قاسية ونفوسهم خاوية.

وهل تريدون أن أقول أكثر من ذلك، إن عندي الكثير والكثير والأكثر، ولست الذي يقول ذلك ولا يأسف لما يقول ولا يعتذر عمّا يقول، وإنه من حقكم أن تعرفوا لماذا هذا القول الضاج بالغضب والثورة؟؟..

وأن تحكموا ولا أخفي عليكم أنني حين كنت منشغلاً بالحديث على خطبة الصدّيقة الزهراء ونبش الأخطاء والكبوات في شرح بعض جوانبها، شط الخاطر بي إلى التذكر والتفكر في أحوال المسلمين وأوضاعهم السوداء القائمة، ووقفت طويلاً في تذكري وتفكري عند سبيل محاوراتهم لمسائل الخلاف بينهم في الأصول والفروع وطرق مجادلاتهم في أمهات العقائد وأبنائها وبناتها.

فسبل المحاورات وطرق المجادلات هي بين الناس كل الناس وسائل العيش في الحياة بكل فنون الحياة وألوانها: ولولا أن الناس يعرفون كيف يستعملون هذه الوسائل ويصرفونها فيما بينهم لعادت الحياة جحيماً لا يطاق، أو لانعدمت من الوجود واختفى خيرها وزال أثرها.

وكم سألت نفسي وكم أسألها: لماذا لا يعرف المسلمون كيف يهتدون إلى الإمساك بوسائل الحوار وطرائق الجدال السليمة المستقيمة التي لا يراق فيها دم ولا تهدر كرامة ولا يهدد فيها أمن وأمان ولا تغص بالسباب والشتائم ثم لا تضج بالتكفير والتهم والإبتذال في الأقوال وتلك هي طرائقهم التي تعج بها الكتب وتضج الأخبار وتملأ الآفاق، وماذا أذكر من الأمثلة في تأييد هذا القول وهي لا تكاد تحصى، ومن أبرزها وأشهرها هذا الإعتزال الذي ظهر في عصر المأمون، ظهوراً أخفى به غيره وخنقه، ثم ظهور الأشعرية بعد ذلك في عهد المتوكل ظهوراً أخفت به غيرها وخنقته، وكانت السبل والطرق في ذلك واحدة ولا أريد أن أذكرها خجلاً وحياءً من ذلك.

هذا هو القرآن المنزه المعصوم، وهذه آياته نتلوها كل يوم وكل ساعة، أعيدوا قراءتها من جديد وتجولوا فيها، فإنكم لن تجدوا فيها خنقاً لحرية الرأي ولا إجباراً على الإعتقاد ولا إكراهاً على تبديل عقيدة بعقيدة وترك رأي أو مبدأ إلى رأي آخر ومبدأ جديد. هذه سيرة الرسول الأعظم وأقواله كلها، أعيدوا قراءتها أيضاً فلن تجدوا فيها إلا السبل المشرفة في المحاولة والدعوة إلى استعمالها، أو الطرائق الحكيمة البليغة والحض على اتباعها والإقتداء بها.

وإذا أردت الآن أن عود إلى ذكر حادثة الصدّيقة الزهراء مع أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما، فليس لكي أرويها وأفصل في روايتها، ولكن لأشير إلى طرف صغير منها، يظهر نا بكل وضوح وصفاء كيف يكون الاعتصام بالقرآن الكريم المعصوم، وكيف يكون الإقتداء بسيرة الرسول الأعظم وأخلاقه وسنته في مسألة حرية الرأي والتعبير والإعتقاد، ومسألة السلوك الواضح القويم المتكئ على النصوص في الحجاج وفي الأخذ والرد.

فحين أقبلت الزهراء إلى مجلس أبي بكر الصديق رضي الله عنهما اختارت في طلب حقها أن تلقي خطبة على ملأ من المهاجرين والأنصار، والذين كان يغص بهم المجلس، فألقت هذه الخطبة الخالدة بخلود الصدّيقة الزهراء وخلود حقها، وهزّت بها الضمائر وأسمعت الأكابر والأصاغر وتحدثت وأظهرت كل ما في نفسها أن تظهره في مسألة حقها وفي غيره من المسائل الدقيقة الجليلة بحرية ما بعدها حرية.

وقدمت الحجاج على أحقية حقها بأسلوب أعجز الفصحاء الناطقين وأبكى الحاضرين، وخرجت وهي غاضبة بعد أن استمعت إلى جواب أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وجاء جوابه على خطبتها وطلبها وهو مملوء بالإعزاز والتقدير الكبيرين ومشوب بدموع انهمرت من عينيه ما كان يقدر على ردّها، بأنه لا يستطيع أن يستجيب لطلبها، وعلّل موقفه هذا بالنص كما علّلت الصديقة الزهراء موقفها بالنص أيضاً. وسكت الخليفة الصدّيق وتوقف عند هذا المظهر الجميل اللائق ولم يتجاوزه إلى تهديد أو وعيد، بل ظل كل حياته كلما ذكر هذه الحادثة تأسف وبكى.

وتوقفت الصديقة الزهراء عند خروجها من المجلس وهي غاضبة وسلمت أمرها إلى الله ولم تتجاوز إلى التهديد والوعيد. وكذلك عندما أحيط زوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علماً بما جرى، لم يزد على أنه حزن وأسف وتمنى أن ما جرى لم يكن قد جرى.

أليس في هذه الحادثة التي أبطالها أكابر المقرّبين إلى الرسول الأعظم، ما يعلمنا أفضل علوم وأحسنها ويربينا أجمل تربية وأقومها في معالجة مسائل الخلاف، كبيرة كانت أو صغيرة بين المسلمين وغير المسلمين؟

أليس فيها ما يهيب بنا وما يفرض علينا: أن نتخذ من هؤلاء الأكابر القدوة المثلى والنموذج الأحسن في المجادلة والمحاورة لإحقاق حق وإزهاق باطل؟

أليس فيها ما يعلمنا الأدب والأخلاق عندما نختلف في أمر من الأمور ألا نحيد في معالجته عن الطريق السوي وننحرف إلى طريق غير سوي ناقص من الأدب والأخلاق.

إن الذين يقفون إلى جانب الصديقة الزهراء ويرون عندها الحق كل الحق فيما قالته وأنا واحد منهم، ليس عندهم الحق أن يلجأوا إلى لغة التسفيه والإنتقاص في الحجاج والمحاورة مع أولئك الذين يقفون إلى جانب الخليفة أبي بكر الصديق ويؤيدونه فيما قاله وما ذهب إليه، وليس عند هؤلاء الحق أن يعمدوا إلى التجريح والإزدراء والانتقاص ممن يؤيدون الصديقة الزهراء ويرون في قولها الحق وفي موقفها الإستقامة والسلامة.

أليس المسلمون بشراً من هؤلاء البشر؟

فلماذا لا يتخذون العقل والعلم والأخلاق والقيم الرفيعة التي هي الإسلام وبها نادى الإسلام وإليها دعا الإسلام وسماها مركباً في كل شيء من الأشياء، ومنها مسائل الخلاف في العقائد؟

أقول: لماذا لا يتخذون هذه الوسائل ويختارونها على غيرها مركباً يركبونه في بحر هذه الحياة الواسعة العجيبة ليأمنوا من الضياع؟

أم أنهم غرقوا وضاعوا وانتهى الأمر ولا يجدي البكاء ولا النداء.

وهل عنيت في حديثي هذا ومخاطبتي إلا السنّة والشيعة؟

ألا ينظرون إلى هذا الصراع الحامي والدامي بينهما منذ أول الإسلام، ماذا جنى عليهما من الويلات وجر عليهما من الكوارث وأوقعهما في الأخطاء، وليزِنوا ما أفادوه من هذا الصراع وما خسروه وأضاعوه، ليجدوا: أن ما كسبوه وربحوه هو ذرة صغيرة في جنب جبل كبير من الخسارة والضياع.

إن هذا الصراع الحاد القائم بينهما بالقول والكلام لن يفضي أبداً إلى أن ينهى أحدهما الآخر، ولا أن يمحو عقيدته ليضع مكانها العقيدة التي يحملها، وإذا كان لا بد من الصراع في هذه الحياة، بل هو أمر محتم، ولا تقوم الحياة بدون صراع، فلماذا إذا لا نختار العقل والعلم والأخلاق ونغلبها على الجهل والحماقة والعناد؟

ألا ينظرون معي إلى دول أوروبا كانت كلها إلى الأمس القريب أعني الحربين العالميتين الأولى والثانية، في حروف مدمرة وقتال مرير وكان سبب ذلك الجهل والعناد، ألا ينظرون إلى هذه الدول قد اتحدت اليوم وعادت دولة واحدة يحكمها العقل والعلم والأخلاق؟

وهؤلاء هم السنة والشيعة من البشر أيضاً، فلماذا لا يتمتعون بما تمتع به هؤلاء البشر؟

وهؤلاء الإسرائيليون تجمعوا على ما عندهم من اختلافات كثيرة وكبيرة. وقرروا أن يتحدوا ويصمدوا أمام الأخطار الخارجية..

لا بل أصبحوا هم من أخطر الأخطار الخارجية على السنّة والشيعة معاً.

أليس عند السنة والشيعة من إحساس بالأخطار الخارجية القادمة الهاجمة غير هذا الإحساس الذي هو عندهم اليوم؟

ثم أليس عندهم من الأساليب التي يواجهون بها هذه الأخطار إلا ما نراه من أساليب معيبة ومخجلة ؟

أين هو العقل والعلم والأخلاق والصمود والتماسك والتوحد وأمثال ذلك مما هو الإسلام جوهراً وعقيدة وأسلوباً؟

لقد أضاعوا هذه الأشياء كلها فأضاعوا أنفسهم، ولن تعود إليهم أنفسهم إلا إذا عادوا إلى الإسلام الذي هذه صفاته.

ولقد كشف عن حقيقتهم في آخر الزمان وقدم وصفهم الذي هم فيه وعرفهم خير تعريف أصدق الناطقين محمد بن عبد الله الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله حين قال من حديث صحيح معروف: «ولكنكم غثاء كغثاء السيل».



     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت