الكتاب الناطق

     

 وسنبقى هنا مع تتمة الجملة الأخيرة من خطبة الزهراء، أعني قولها: (وبقية استخلفها عليكم..) والتتمة هي: (كتاب الله الناطق، والقرآن الصامت، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره ومنكشفةً سرائره، منجلية ظواهره، مغتبط به أشياعه، قائد إلى الرضوان أتباعه..).

والذي يعنينا شرحه وإيضاحه من هذه العبارات هو: عبارة (كتاب الله الناطق) ولكن العناية بها ستأتي بعد أن نذكر بعض اختلافات في رواية هذا النص الصغير الذي ذكرناه.

فعبارة (مغتبط به أشياعه) في رواية السيد فضل الله رضي الله عنه هي في كتاب الإحتجاج للطبرسي (مغتبطة به أشياعه) وهي الأصوب.

وعبارة: (قائد إلى الرضوان أتباعه) عنده هي: (قائد إلى الرضوان أتباعه)..

والاختلاف بينهما في رواية كثير من الكلمات هو واضح بيّن، وهذا يعني: أن أمانة النقل لم تراع، وربما كان القائم على جمع المحاضرات وتنسيقها له مسؤولية كبرى في هذا العمل. وقد كتبوا في هامش كتاب (الندوة) المجلد الخامس الصفحة 231: أنهم اعتمدوا رواية الطبرسي في نقلهم، وعند الموازنة بين ما نقلوه وبين ما في الإحتجاج، تجد أنهم شوّهوا النص ولم يراعوا الدقة والأمانة في النقل..

وفي هذه الملاحظة دلالة بيّنة على التخبط في الشرح والإنحراف وإضاعة الأمانة الكبرى، وهذا بدوره يدفع إلى زعزعة الثقة بين السيد فضل الله رضي الله عنه وبين قرّائه في كل أقواله وأفعاله.

ونعود الآن إلى العبارة التي وعدنا أن تكون محط حديثنا وهي قول الزهراء: (كتاب الله الناطق) وقد شرحها السيد فضل الله رضي الله عنه شرحاً صحيحاً نؤيده فيه ولا نخالفه.

وهذا هو شرحه الكريم، يقول: «الذي ينطق دون أن تسمع صوته، لأن نطق القرآن في آياته يمثل عمق الصوت الإلهي العميق القدر الذي عندما تحدق فيه، فإنك تسمع صوت الله همساً حبيباً، يدخل إلى عقلك وقلبك ليزكي عقلك وقلبك».

لكن نصوصاً جمة ثابتة، هي قائمة بين أيدينا توجهنا إلى معنى آخر غير المعنى الذي توجه إليه السيد فضل الله رضي الله عنه، وهذا المعنى الآخر هو الذي عنته الزهراء ورمت إليه، يعني: أن الكتاب الناطق هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ونبني على هذا المعنى الذي نذهب إليه، أن تكون الجملة التي بعدها وهي (القرآن الصادق) (القرآن الصامت) وهذا ترجيح، وليس هو قطعاً بالضرورة.

وحجتنا في ذلك: أن كلمة (الناطق) تستدعي كلمة (الصامت) ومعناها واضح وهو: أن كلمات القرآن هي من حروف لا تتحرك وليس لها لسان تنطق به إلا إذا نطق بها ناطق وشرحها وبيّن معناها. وهل هناك بعد الرسول الأعظم غير علي بن أبي طالب عنده الطبيعة والقدرة والخبرة والذخيرة والاستطاعة ليرقى إلى هذه التسمية (كتاب الله الناطق).

ويكون معناها: أنه هو العليم بآيات القرآن العظيم يكشف عن معاني كلماته، ويبيّن مراميها، وما تشتمل عليه من أسرار، سواء فيما مضى من الزمن، وما هو حاضر منه، وما سيأتي على الوجود والبشر، وعن المصير في غد بعد الموت.

وليس في تسمية علي بن أبي طالب بهذا الاسم مبالغة ولا غلو أليس هو القائل: (والله ما من آية نزلت في القرآن إلا وأعلم أين نزلت، في سهل أم جبل. وأعلم لماذا نزلت، وأعلم محكمها، ومتشابهها، وناسخها، ومنسوخها، وظاهرها، وباطنها..» وبهذا المعنى نحن نفهم الجملة ونأخذها ونقبلها.

ولا نرى: أن الزهراء ذهبت إلى معنى غيره. وأظن أنه لا يختلف واحد من المسلمين مع الآخر على أن علياً هو أعلم الناس بعد رسول الله الأعظم بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية، والأحاديث في ذلك كثيرة يكفينا أن نورد فيها قول الرسول الأعظم: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» وقوله: «أقضاكم علي» والقضاء يحتاج إلى معرفة واسعة بالقرآن وعلم به يكاد يكون شاملاً.

ورووا: أن علي بن أبي طالب قال وهو قول ثابت وصحيح: «علمني رسول الله ألف باب من العلم، فتح الله عليّ بكل باب ألف باب».

وروى عنه العلامة المجلسي في بحار الأنوار:

«ذلك الكتاب الصامت وأنا الكتاب الناطق»، وقوله هذا يؤكد ما كنا ذهبنا إليه قبل قليل، من الزهراء قالت: «والقرآن الصامت» بدلاً من «القرآن الصادق».

وفي الخطبة 158 من نهج البلاغة، يقول علي أيضاً:

«..ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه، إن فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء دائكم ونظم بينكم».

وقد ذكر العلامة الطباطبائي في (الميزان) قولاً طويلاً للإمام السجاد علي بن الحسين نأخذ من قوله:

«..ونحن علمه، وتراجمة وحيه، ونحن أركان توحيده، ونحن موضع سرّه، فمن نظر إلى هذه الأقوال الثابتة الصحيحة علم حق العلم بأن الشيخ محمد علي الأعسم لم يبالغ حين قال:

من جـاء بالقـول البـلـيـغ فنـاقـل

عنهم، وإلا فهـو مــنـهم ســارق

سـاووا كتـــــــاب الله إلا أنــه

هو صامت، وهم الكتاب الناطق

ومعنى قوله (ساووا): أي قرنوا إلى كتاب الله كما في الحديث الصحيح الشريف: «إنني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، وكل تفسير يقال في تفسير «كتاب الله الناطق» إذا أريد به علي بن أبي طالب، غير ما قلناه فلن يرى له قبولاً منا وليس له محل عندنا.

ولا ينكر أحد منا تسمية الصحابيّ خالد بن الوليد رضي الله عنه (سيف الله المسلول) فهو يكاد يلتقي في المقام بتسمية علي بن أبي طالب كتاب الله الناطق، ولو ذهبنا نعدد ونستعرض الأسماء التي ألقيت على كبار الشعراء والمتصوفة، لرأينا أن تسميات أكثر قد سبقت تسمية علي بن أبي طالب، كتسميتهم الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي (لسان الغيب) وليس في الأمر ما يدعو إلى المبالغة، وليس فيه ما يشعر بالعيب أو الإنحراف أو الخروج عن الأصول المرعية والإعتقاد السليم.


     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت