نموذج من شرحه على الخطبة

     

 ونحن نهمّ الآن بنقل النموذج من شرحه أو حديثه على الخطبة نعتذر إليكم إن وجدتم فيه بعض الطول الذي قد يبعث على الملل.

يقول: «..هنا قالت، ولاحظوا كيف انطلقت في خطبتها، (الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم، من عموم نعم ابتداها وبلوغ آلاء أسداها؛ وتمام منن أولاها، جمّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، واستحمد إلى الخلائق بإسدالها، وثنى بالندب إلى أمثالها).

تحدثت عن الله في نعمه وتحدثت عن خط الشكر لهذه النعم لتخلق في نفس الناس هذا الانفتاح على الله من خلال الانفتاح على نعمه وعلى شكره، لأن الشكر يتمثل أعظم ما يتمثل بالطاعة لله والابتعاد عن معصيته في كل شيء.

(وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وهنا تحاول أن تفلسف كلمة الشهادة بالتوحيد، فتقول (عليها السلام): (كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في التفكير معقولها)، لتوحي إلى الناس: أن هذه الكلمة عندما تنطلق من لسان الإنسان المؤمن، فلا بد لها أن تنطلق من عمق الإخلاص في كل ما ترجع إليه من معان، وأن تعيش القلوب أسرارها وآفاقها وامتدادها كله، فيما يتصل به الفكر بعضه مع بعض، وأن ينطلق التفكير في حركة عقلية من أجل أن يتعرف الأسس العقلية التي تثير في النفس عمق معنى التوحيد.

ثم تتحدث عن الله في صفاته، بحيث يمكن القول: إنها أعطتهم محاضرة في التوحيد (الممتنع عن الأبصار رؤيته) {لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ} (ومن الألسن صفته) لأنه لا يدرك صفته أي مخلوق، ولا نستطيع أن نعرف من الله إلا ما عرفنا إياه، مما تدركه عقولنا، ومما أوصى به. أمّا سرّ الذات، وامتداد الصفات، فإن ذلك من الغيب الذي لا نملك أية وسيلة إليه، (ومن الأوهام كيفيته) والأوهام هي التعبير عن المناطق الإدراكية الموجودة في داخل الإنسان، فلا يمكن لهذه الأوهام أن تدرك كيفية الله لأنه من الغيب.

ثم انطلقت لتتحدث عن ابتداع الله للأشياء، عن خلق الله وإرادته وذلك بالتفريق بين خلق لا مثال له وبين خلق يتحرك من موقع المثال، فقد نرى أناساً يصنعون أشكالاً وألواناً وأشياء ولكن من خلال ما يتمثل أمامهم من نماذج، كما نرى الآن في واقع المكتشفين والمخترعين أنهم قد يصنعون شيئاً مماثلاً للقوانين التي أودعها الله للأشياء لكنهم يصنعونها لا من موقع خلق القانون، ولكن من خلال احتذاء النموذج الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، وهذا ما تحدثنا عنه أكثر من مرة عندما تحدّثنا عن مسألة الإستنساخ، وأن الذين استنسخوا الحيوان أو يريدون أن يستنسخوا الإنسان لم يصنعوا قانوناً جديداً، ولكنهم استهدوا بالقانون الذي جعله الله للتناسل، لأنهم اكتشفوا أن في البويضة (رقم23) كرومسوماً، وهكذا في النطفة، فكانت ولادة الكائن الحي من (46) من الكروموسومات وعلى ضوء هذا أخذوا خلية تشتمل على الرقم (46) وفرعوا البويضة وأودعوا هذه الخلية في داخلها على نسق القانون الإلهي، ولو بشكل آخر، فحصل الإستنساخ، لذلك هم لم يخلقوا قانوناً وإنما استهدوا ذلك القانون.

وبالتالي، فإن كل ما صنعه الإنسان في كل ما ابتدعه واخترعه لم يصنع قانوناً، لم يخلق العلماء والمكتشفون والمخترعون ولو قانوناً صغيراً، ولكنهم احتذوا القانون الإلهي في ذلك كله.

أما الله سبحانه وتعالى فهو الذي خلق الأشياء بلا نموذج سابق هو الذي أعطى للمخلوقات النموذج، من خلال أنه هو الذي خلق النموذج وهو ما عبرت عنه سيدتنا الزهراء (عليها السلام) حين قالت: (وابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها)، كونها بقدرته، لأن قدرته هي التي أعطتها كل ما فيها من عناصر الوجود، وذرأها ـ خلقها ـ بمشيئة من غير حاجة». والله عندما خلق الكون كله، إنساناً وحيواناً وظواهر كونية وما إلى ذلك، فإنه هو الغني بذاته، لا حاجة به حتى إلى ما خلق، فهو لم يصنع من موقع حاجة، كما نصنع نحن من موقع حاجة، ولكنه صنع ذلك لأن حكمته أرادت أن تتمثل بذلك من غير حاجة إلى تكوينها ولا فائدة له في تصويرها إلا تثبيتاً لحكمته باعتبار أن المخلوقات كلها بما تشتمل عليه من العناصر الدقيقة جداً التي وضع الله فيها كل شيء بموضعه، تتكامل في إنتاج الكائن الحي أو إنتاج الكائن النامي من النبات، أو في إنتاج الظاهرة الكونية، أو في إنتاج الذرات المائية والترابية وما إلى ذلك، والله أراد أن يبيّن حكمته في ذلك. (وتشبيهاً في استطاعته) من خلال هذا الخلق، فلقد خلق الإنسان بعقله وخلق الحيوان بغريزته، وخلق الملائكة فيما أعطاهم من الخصائص، وخلق الجمادات في ظواهرها ليعرف الإنسان أنه مخلوق لله، وأن لله عليه حق الخلق، وحق الوجود، وعليه أن يطيع الله في ذلك.

(وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبداً لبريته، «يتعبدوه» وإعزازاً لدعوته)، ثم لم يرد من الناس أن يطيعون بدون أساس، ولكنه تفضّل عليهم بأن خلق لهم في الدنيا رسالة وقانوناً على أساس الثواب والعقاب، ثم جعل الثواب على طاعته ووضع العقاب على معصيته زيادة لعباده عن نقمته وحياشة لهم إلى جنّته، أي أنه حذّرهم من عقابه حتى لا يقعوا تحت نقمته إذا عصوه (ودعاهم إلى طاعته حتى يحوشهم إلى جنته إذا أطاعوه.

وبهذا نعرف ـ أيها الأحبة ـ في هذه الكلمات البسيطة القصيرة أنها تتحدث عن فلسفة التوحيد في كلمة التوحيد، وتتحدث عن عمق معنى التوحيد في الله سبحانه وتعالى مما يعلن للباحث أن ينطلق في كل من هذه الكلمات إلى أن يبدأ بحثاً فلسفياً يمكن للناس أن يتمثلوا من خلاله سر الخالق وسر المخلوق».

وما أردنا في إيراد هذا النموذج من شرحه أو من حديثه على خطبة الصديقة الزهراء إلا لنزيد في التشويق من أجل العودة إلى الكتاب والاستزادة من قراءة الشرح ثم التأمل فيه ووزنه بالميزان الصحيح العادل ثم الانتهاء إلى النطق بالحكم الصحيح العادل.

ونشير على من يفعل ذلك: أن ينعطف قليلاً ويقرأ شرح مطالع خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن ابن أبي الحديد، أو عند ابن ميثم، أو عند ملا صدرا، أو عند القاضي سعيد القمي، وأكثر مطالع خطبه هي في التوحيد الخالص، وكلها تعد من معاجز الفصاحة. وشروح هؤلاء العظماء هو من مفاخر الشروح، وكأنهم في شروحهم هذه قد شرحوا خطبة الزهراء في مطلعها، فمطلع خطبتها لا يكاد يختلف في ألفاظه ومصطلحاته عن مطالع خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم ندعوه بعد أن يقرأ ذلك إلى أن يقارن بين شرح واحد من هذه الشروح، وبين شرح السيد فضل الله رضي الله عنه ثم نتركه وشأنه لنرى أين يضع السيد فضل الله رضي الله عنه وشرحه، ولكن نسأله أن يرفق بهما.

ونرى أنه لا بد لنا أن نذكر من خطبة الصديقة الزهراء ما ذكره في هذا النموذج الذي أوردناه من شرحه، لنلاحظ جميعنا أن أمانة النقل غير مرعية، وأن الدقة غير موجودة في ذكر النص، وأن كلمات الشرح مختلطة بكلمات الخطبة، فلا يقدر القارئ المتواضع أن يميز بينهما، فلا ندري على من نلقي المسؤولية، هل على السيد فضل الله رضي الله عنه، أم على من تعهد الجمع والتنسيق ثم الطباعة والتصحيح والنشر؟

وقد آثرت أن أعود إلى كتاب (الإحتجاج) للطبرسي، لأذكر هنا مرة ثانية ما ذكره من الخطبة في هذا النموذج الذي أوردناه، وذلك لكي يصدّق الخَبَرَ الخَبْرُ.

تقول الصدّيقة الزهراء (عليها السلام): (الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم، من عموم نعم ابتداها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جمّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها واستحمد إلى الخلائق بأجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في التفكر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيته، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كونها بقدرته، وذرأها بمشيئته من غير حاجة منه إلى تكوينها ولا فائدة له في تصويرها، إلا تثبيتاً لحكمته وتنبيهاً على طاعته وإظهاراً لقدرته، وتعبداً لبريته وإعزازاً لدعوته ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، ذيادة لعباده من نقمته، وحياشة لهم إلى جنّته).


     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت