نظر في شرحه على خطبة الزهراء

     

 لا أريد أن أدخل في جدال مع أولئك الذين يقولون: إن الصدّيقة الزهراء حضرت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما تطلب حقها من إرث أبيها الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله، ولا يقولون بأنها فاضت بخطبة في مجلسه الذي كان غاصاً بوجوه المسلمين فمن حقهم أن ينكروا ما يشاؤون ومن حقهم أن يقروا بما يشاؤون ..

ولا أريد أن أدخل في جدال مع أولئك الذين يثبتون الخطبة ويروونها ويقرونها ويعيدون قراءتها. وهؤلاء لهم شأنهم ولهم حريتهم فيما يعتقدون وفيما يدّعون، فلكل من الفريقين أولئك وهؤلاء حججهم وأقوالهم لا نرى محلاً لمناقشتها والحكم عليها.

وإنما نريد أن ننظر في شرح السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه على هذه الخطبة التي فاض فيها البيان المعجز على لسان المعجزة الصدّيقة الطاهرة المطهّرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها في طلب حقّها، ولست أدري ماذا أقول في هذا الشرح! هل أقول ليت صاحبه لم ينشره، وليته اكتفى بإذاعته أمام جماعة من طلابه ومستمعيه، ومن يقرأ هذا الشرح، سيعذرني في قولي هذا وينصرني ويؤيّدني وهو موجود في المجلد الخامس من كتاب الندوة لمن أراد العودة إليه.

ولكم أثّر بنفسي أن أرى هذه الخطبة النفيسة لا تكرم التكريم التي هي أهله، فتدرس وتحلل، ويكشف عن كنوزها وتقدر التقدير الذي يليق بها، فتدرس دراسة شاملة، تعنى فيها بجمال الأسلوب وحلاوته، وجزالة الألفاظ وبداوتها وحضارتها، وتظهر أيضاً عمق الأفكار وأدب الحجاج وقدرة الشخصية على الصمود إلى آخر ما في الخطبة من صفات وملامح وإشارات.

ولكم أثّر بنفسي تأثيراً لا أعرف مقداره ، أن أرى السيد فضل الله رضي الله عنه لا يقف عند التقصير في الشرح والدراسة، بل تجاوز ذلك إلى ارتكاب أخطاء ما كان لمثله أن يرتكبها ، وما اعتقدنا يوماً أنها ستولد على يديه ، ونحن نرى لا بل نحكم: أن من حق الصديقة الزهراء عليه أن ينهض بتحقيق هذه الخطبة تحقيقاً دقيقاً، فيذكر التفاوت الموجود بين مروياتها في مختلف الكتب والمصادر الموثقة التي رويت فيها ثم يشرحها عبارة عبارة ويحللها كلمة كلمة، ويخرج عمله هذا للناس كتاباً مفرداً تقرؤه الأجيال وتقتبس منه، ويصير مصدراً أميناً معتبراً من مصادر هذه الخطبة الجليلة.

وهنا لا نستطيع إلا أن نذكر بتقدير وحفاوة عمل فضيلة الشيخ عبد الحميد المهاجر بشأن هذه الخطبة الجليلة، فقد أعطاها من عمره حصة كبيرة وأخرج عنايته بما في مجلدات ملأى بالفوائد شكر الله جهوده ومساعيه وأجزل مثوبته.

وقد عنيت بهذه الخطبة منذ زمن بعيد فقرأت الشكوك التي أثيرت حولها وأسبابها وبواعثها، وقرأت إلى جانب هذه الشكوك أيضاً الإشارات والدلائل في إثبات صحتها وقابلت بين مختلف الروايات في الكتب التي ترويها، ولا أدري كم من مرة قرأتها ولا أدري كم من مرة تجولت بين جملها وعباراتها وطفت بين سطورها، أتساءل وأفكر وأطيل التساؤل والتفكير وأقارن بين الأحداث والأسباب التي كانت من وراء هذه الخطبة.

وأستطيع أن أقول بثقة واطمئنان: أن الخطبة لم تنته إلينا كاملة لأسباب عدة متنوعة يأتي من طليعتها محاصرة المبغضين من حكام الجور والظالمين المتسلطين على الرقاب لأخبار أهل البيت الطاهرين المطهرين، ومصادرة أحاديثهم، وكلامهم، ومروياتهم، ويلاحقون من يروون عنهم، ويذيعون فضائلهم بالكيد والنكال.

وسأكتفي هنا بالإشارة إلى مصدرين اثنين من بين المصادر التي تروي هذه الخطبة الجليلة..

الأول منهما هو: كتاب (بلاغات النساء) ومؤلفه الإمام أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر المولود ببغداد سنة 204هـ والمتوفى عام 280هـ ، من منشورات المكتبة العتيقة في تونس العاصمة.

وهذا الكتاب فيما أعلم، من أقدم المصادر التي روت هذه الخطبة الجليلة، ومن أهمها وأوثقها، ومؤلف الكتاب وهو من فضلاء أهل السنة، يرويها غير كاملة على ثلاثة أوجه، لكل وجه منها رواته الموثوقون المعروفون بالصدق والأمانة، وفي كل وجه فيها اختلافات يسيرة وفي وجوهها الثلاثة لا يأتي بها كاملة، وإنما يأتي بالقسم الأكبر منها، ونطالع على هامش الخطبة في الكتاب المذكور شرحاً لبعض مفردات الخطبة ومصطلحاتها، وهو من صنع المصحح الأستاذ أحمد الألفي، والذي يلفت النظر في هذا الشرح هو المبالغة في تكريم أهل البيت وتقديرهم، ولا عجب في هذا الأمر، ففضلاء السنة جميعهم يصنعون هذا الصنع ويرونه واجباً وفرضاً.

وأمّا الثاني من الكتابين فهو: كتاب «الإحتجاج» تأليف أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، من أعيان القرن السادس الهجري وهو من علماء الشيعة وأعيانهم، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب التاريخ والحديث والفقه والأدب من الإشارة إلى هذه الخطبة وإلى المناسبة التي دعت إليها..

ولعله لم يبق محدث ولا مؤرخ ولا فقيه إلا وكان له إشارة إليها أو حدَّث وروى. ولا بدّ لمن يتعرض لهذه الخطبة بالشرح، أن يأتي في القول على مسائل جمة توزّعت في ثناياها وانتشرت بين جملها وعباراتها وكلماتها، ففي أول الخطبة تطالعك مسألة توحيد الأفعال والأسماء والصفات، وكيف نفهم العلاقة بين الذات ومخلوقاتها مما تبصرون ومما لا تبصرون.

وبعد هذه المسألة الشائكة الدقيقة، تنتقل الخطبة إلى ذكر الرسول الأعظم وأهل بيته وما لهم عند الله من شأن ومنزلة، وبعدها تأتي على ذكر العرب وشؤونهم وأحوالهم قبل بعثة الرسول، وشؤونهم وأحوالهم بعد بعثته.

ثم تأتي على مسألة صنيع العرب بعد الرسول الأعظم بأهل بيته، سيما بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي أبلى بلاء عظيماً في الدفاع عن الرسول الأعظم، وعن نشر الإسلام وتثبيت قواعده وتشييد أركانه ودعائمه.

وتنتهي الخطبة بالحجاج الموثق بنص القرآن وبمنطق العقل السليم على حق الصديقة الزهراء مما أوصى لها به أبوها الرسول الأعظم.

وتلك هي أهم المسائل الكبرى التي أفاضت الخطبة في الحديث عليها، وإذا نحن أردنا الدخول في التفاصيل التي تنضم إليها تلك المسائل والتفاريع المتعددة والمتنوعة، فإن شرح الخطبة سينتهي إلى مؤلف كبير عند من يريد أن يقدم على شرحها، وهذا ما لم يفعله السيد فضل الله رضي الله عنه.

ولست أدري ماذا أقول الآن في شرح السيد فضل الله رضي الله عنه على هذه الخطبة الجليلة، فأنا أريد أن أعرف عمله عليها تعريفاً أصفه وصفاً يظهر في عينه هو كما هو وأصله وفصله دون زيادة ولا نقصان، ودون ظلم لقيمة الأعمال وتجاوز عليها، أو انتقاص منها، أو امتهان.

وأقول بكل دقة وأمانة: إن مثله في شرحه على هذه الخطبة الجليلة مثل من يقول: إنه لاعب الأسد ودرّبه حتى أخضعه وروّضه وعانقه.

فإذا اختبرت كلامه لتعلم صدقه وجدته على أنه لم يزد إلا أن رأى الأسد في القفص فاقترب منه وهو يرتجف ولامسه على خوف شديد، ثمّ فرّ هارباً وهو يقول ما قال ويحدث ما يحدث.

أو لنقل: إن مثله كمثل من رأى صبية حسناء فابتسمت له، فراح يذيع ويقول: بأنها وقعت في حبه، وأنها لا تستطيع العيش بدونه. أو مثله كمثل من يدخل بيتاً ويضع يده على زر الكهرباء فيضيء البيت ويمتلئ نوراً، فيتخذ من ذلك سبباً ليصيح وينادي بأعلى صوته: أيها الناس تعالوا وانظروا لقد وصل بي الهيجان الروحي حتى امتلكت القدرة على اختراع هذا النور وإنزاله من السماء إلى الأرض.

وأقول: هذه أمثلة جاءت في محلها، موضحة مبينة، معبّرة وليس فيها استهزاء ولا تهكم، وليس فيها ظلم ولا تعدّ ولا تجاوز، فعمل السيد فضل الله رضي الله عنه على الخطبة لم يزد على أن يكون ملامسة لطيفة كأخلاقه اللطيفة، ولم يتجاوز نثراً لجمل الخطبة وتحويماً حول أفكارها، ما خلا بعض الفوائد المتناثرة على خجل واستحياء.

واسمحوا لنا الآن أن نقدم شرحه أو حديثه على مطلع الخطبة نموذجاً، يحمل على تصديق كلامنا، وربما حمل على قول أشدّ من قولنا وأدهى منه، وليس بعسير على من يرغب في التوسع أن يمد يده إلى المجلد الخامس من كتاب (الندوة) فهو ميسور وقريب التناول.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت