كـيـد الـنـسـاء

     

 نعلنها صريحة واضحة وبكل ثقة واطمئنان، أننا مع المرأة وإلى جانب المرأة، ونحترمها كثيراً وأكثر مما هو عند السيد فضل الله رضي الله عنه. بما لا يحصى عدداً، ونشهد أن الإسلام كرمها وقدرها وصانها أي صون وأي تكريم وأي تقدير في كثيرة من الآيات منها قوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}([28]) وفي أقوال كثيرة للرسول الأعظم ومنها قوله: «النساء شقائق الرجال».

ولكن السيد فضل الله ذهب في تكريمها وتقديرها والدفاع عنها إلى حد زور فيه القرآن وحرّفه وافترى عليه، فتابعوا معنا قراءة ما سأكتب، لتعلموا أننّا لم نتجنّ عليه ولم نصمه ولم نتهّمه ولم نبالغ في وصفه، ونحن على يقين أنكم ستعجبون أكثر ممّا عجبنا وستقولون في وصفه أكثر ممّا قلنا، فإذا كان في تكريم المرأة واحترامها والدفاع عنها على حساب تزوير القرآن وتحريفه فلا كان هذا التكريم ولا هذا الاحترام ولا هذا الدفاع ولا كان صاحب هذه النخوة وهذه المروءة رضي الله عنه.

والذي ساقنا إلى هذا الكلام، هو شرح السيد فضل الله رضي الله عنه على قول سبحانه في سورة يوسف: {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} فقد انفلقت عبقريته عن قول سبق به العباقرة، وإذا قلنا: إن شرحه على الآية هو من فلتاته النادرة فتعالوا معنا ولا تفوتوا على أنفسكم معرفة هذه الفلتة والإطلاع على سرها الخبيء.

وفي هذه المرة لن نأتي بشرحه كله بل نأخذ منه ما يعيننا دون تشويه ولا تزوير لأفكاره وما سنتركه من شرحه هو ما لا يدخل في المطلوب، وليس في إيراده حجة لنا ولا دفاع عنه، ولا ضير علينا قبل أن ننقل من شرحه ما نحن مضطرون إلى نقله، وأن نذكر رأيه بإيجاز شديد لنزيد في اشتياق المشتاقين وفي تحريض اشتهاء المشتهين المنتظرين..

فهذه عبارته التي أشرقت فيها عبقريته رضي الله عنه يقول: «ومن المفيد أن نتوقف هنا عند الآية {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}، وهذا الكلام وإن ورد في القرآن فإنه لم يرد عن الله بل ورد على لسان العزيز» فهذه العبارة العجيبة النادرة التي طلع بها عبقري عجيب نادر تحتاج إلى عبقري عجيب نادر مثله لكي يفهمها ويشرحها، فهل سأكون ذلك العبقري العجيب النادر الذي ينوء بهذا العبء الثقيل؟ ذلك ما أشك به، بل لا أقدر أن أصل إلى هذا المكان الأسمى. فكيف أنها وردت في القرآن ولم ترد عن الله تعالى؟

ومهما يكن من أمره فنحن بعد نقل شرحه سنذكر ثلاث آيات يذكر فيها الكيد في القرآن عن الله تعالى، وعن يوسف الصديق (عليه السلام). والآن هيا بنا إلى نقل الشرح.

بعد أن يذكر الآية الكريمة {قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} يقول:

فبحسب منطقه، إن ما جرى هو من حيل بعض النساء ومكرهنّ باعتبار أن زوجته هي التي رتبت الأمور لتقدم على فعلتها ولتجذب يوسف إلى نفسها ، وعندما انكشف أمرها غرقت بدموعها في محاولة لاستدرار العاطفة، مستعينة بموقعها من زوجها على أمل تبديل الحكم لصالحها وإلصاق التهمة بيوسف.

ومن المفيد أن نتوقف هنا عند الآية: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} وهذا الكلام وإن ورد في القرآن فإنه لم يرد عن الله تعالى بل ورد على لسان العزيز، وينتقل بعد هذا الكلام إلى الحديث على معنى الكيد وأسبابه عند المرأة، ويعتبر أن الرجل هو مثلها في الكيد وشريك لها في هذا العمل. وهذا الرأي الذي جاء به ليس عندنا في شيء ولا هو يعنينا، ومن أراد أن يعود إليه ليطمئن أكثر فليعد، فإنه سيقع على ما قلناه.

ويقول متابعاً شرحه على الآية:

«..نحن نعلق هنا ونقول: ليس هذا تقرير الله فيما يختص بالمرأة، بل كان قول العزيز عندما انكشفت الحقيقة، لذلك نحن لا نستطيع اعتبار أن القرآن يقرّ هذه الفكرة بأن كيد النساء عظيم، لأن المرأة كالرجل، فكما أن الرجل قد يتوصل إلى مبتغاه بالمكـر، كذلك المرأة في هذا المجال، على هذا، فليس هذا المفهوم مفهوماً قرآنياً، لأن الإنسان ـ الرجل والمرأة ـ واحد، فهو تعالى عندما يقول: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً}([29])، فهو لا يتكلم عن النساء بل عن الرجال والنساء جميعاً، فالكيد إذاً هو عبارة عن الأساليب التي يوظفها الإنسان ليصل إلى أهدافه بطرق خفية بحيث لا يلتفت إليها الآخرون إلا بعد فوات الأوان، ثم نتابع نقل بقية شرحه، وإن كان فيه ما يحرك الأمعاء، يقول:

«ونعود إلى جو السورة، فالعزيز فهم القضية واستوعب معالمها، ولكنه أراد إغلاق ملف هذه القضية، إما أنه ليس دموياً أو أنه بلا غيرة كما قلنا سابقاً، فطلب من يوسف (عليه السلام): {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} انسَ الموضوع ولا تتحدث به، فهو حالة طارئة وخطأ عابر من جملة أخطاء، والتفت إلى زوجته قائلاً: {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخَاطِئِينَ}.

ومعنى هذا: إما أن تستغفر الله، وإما أن تطلب الغفران من زوجها، وذلك بما يعتبر الإستغفار وسيلة من وسائل التعبير عن التوبة».

هذا هو شرحه على الآية أوردنا أكثره ولم نترك منه إلا أقلّه لأنه لا يسمن ولا يغني ولا يقدّم ولا يؤخر في الشرح شيئاً وما أكثر الفجوات في هذا الشرح وأكثر منه الهنات، وأكثر من ذلك الأخطاء. ولو شئت لألفت كتاباً مفرداً أبيّن فيه فجواته، وأعد هناته وأحصي أخطائه، وأفصل في دفعها وإصلاحها، وإزهاق الباطل منها وإحقاق الحق، وأود أن أكتفي هنا بسرد بعض الأخطاء وإصلاحها ودفعها بطريقة جديدة وأسلوب لا نحتاج معه إلى الجدال والقيل والقال.

فالآن وقبل قليل قرأتم معنا ما يقول في بعض شرحه على قول الحق تعالى: {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} ونتذكر أنه قال:

«هذا الكلام وإن ورد في القرآن فإنه لم يرد عن الله تعالى بل ورد على لسان العزيز..

وأنه قال: ليس هذا تقرير الله فيما يختص بالمرأة، بل كان قول العزيز عندما انكشفت الحقيقة لذلك. نحن لا نستطيع اعتبار أن القرآن يقرّ هذه الفكرة بأن كيد النساء عظيم..».

وهذا الكلام وما يليه من شرح هو تشويه وتزوير وتحريف للذكر الحكيم، ولن أدلل على هذا الرأي ولن أفصل فيه، بل سأكتفي بذكر آيات من القرآن الكريم نفسه ومن سورة يوسف نفسها، وأتركها هي تقوم بالتدليل وبالتفصيل وبالرد والهجوم ففيها من القوة ما يكفي ومن السلطان ما يفي..

فاسمعوا إلى قول الحق وهل بعد قوله ما يسمع؟

قال: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ}([30]) وهذا هو قرآن وهو قول الله على لسان يوسف الصديق النبي (عليه السلام) وليس قول العزيز، ويقول سبحانه: فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم.

وهذا الكيد الذي في هذه الآية هو قول الله المثبت للكيد في الآية السابقة الذي هو قول الله تعالى على لسان يوسف وليس قول العزيز، ويقول سبحانه: {قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}([31])، وهذا قول الله سبحانه على لسان يوسف المثبت لقول الله سبحانه في الآية السابقة، التي هي بدورها مثبتة لقول الله قبلها على لسان يوسف الصديق، والآيات الثلاث اللواتي هنّ مثبتات لوصف الحقّ سبحانه على لسان العزيز بأنه عظيم، فأين غابت هذه الآيات الثلاث عن السيّد فضل الله رضي الله عنه قبل أن يقدم على تفسير قول الحق سبحانه: {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}، ويلحقه تشويهاً، وينزل به تزويراً وتحريفاً، وكيف غفل عن الآيات الثلاث الأخريات التي فيها كلمة (الكيد)؟

وأين هو الذي يحكم بينه وبين الحق الساطع الذي يصرخ ويستجير بعزة الله من ظلم السيد فضل الله رضي الله عنه لكي ينصفه ولكي يحميه من ظلم الظلام ومن تعدّي المتعدّين؟

إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ولماذا يحزن ويستعجل ويدافع بحرارة ملتهبة وسخونة حارقة عن المرأة وكيدها؟

وليس بالضرورة أن يكون كل كيد لكل امرأة شراً أو سوءاً أو مصدر ضعف، فقد يكون حماية لحق ونصرة لقضية عادلة. ولماذا يستكبر السيد فضل الله رضي الله عنه وصف الحق سبحانه كيد النسوة بأنه كيد عظيم ويرى فيه غضاً من المرأة، والله سبحانه نسب الكيد إلى نفسه في الآية التي ذكرها السيد فضل الله رضي الله عنه من سورة الطارق ولم يكملها وهي: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً، وَأَكِيدُ كَيْداً}؟([32]).

وما نسبه الحق تعالى إلى نفسه فهو شرف للنساء بعد ذلك أن ينسبه إليهن، ولماذا نسي السيد فضل الله رضي الله عنه تتمة هذه الآية؟

هل أراد أن يفعل فعل ذلك الفقيه الهازل الذي قرأ: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ} وحذف البقية: {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} ليضل بذلك الناس عن سبيل الله ويزيد في تحريض النفوس وفي تشويقها لترك الصلاة والإمتناع عنها.

ونحن لا نتردد في القول: بأن دفاع السيد فضل رضي الله عنه جاء في غير محله ولا طائل وراءه، فلم يحفظ للمرأة لا حقاً ولا شرفاً ولم يترك لها قيمة، وكل ما جناه على نفسه وعلى البسطاء من الناس الذين عقولهم في أعينهم، هو: أنه شوّه القرآن وزوّره وحرّفه، فلنترك أمره إلى صاحب الأمر والأمر يومئذ لله.


---
([28]) القرآن الكريم، الآية 187 من سورة البقرة.

([29]) القرآن الكريم، الآية 15 من سورة الطارق.

([30]) القرآن الكريم، الآية 15 من سورة الطارق.

([31]) القرآن الكريم، الآية 50 من سورة يوسف.

([32]) القرآن الكريم، الآية 15 من سورة الطارق.

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت