المجموعة الثالثة

أجوبة المسائل العراقيّة

 

سماحة آية الله العظمى الشيخ بهجت دام ظله الشريف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بعد تقديم وافر الاحترام والتقدير لسماحتكم، وبعد الابتهال إلى العلي القدير أن يديم ظلَّكم، ويمتعنا بطول بقائكم، نأمل ان تتفضلوا بالإجابة على الأسئلة المدرجة، ولكم الأجر والثواب.

 

السؤال 1:

 

ما رأي الشارع المقدّس وعقيدة أهل بيت العصمة والطهارة بالمقولة التالية المتعلقة بالحديث عن آية (قال رب اغفر لي ولأخي) ؟ وما هو حكم من يقول بها؟ هل إن هذه المقولة تتفق مع عقيدة العصمة الإمامية؟

والمقولة هي: (ولكننا قد لا نجد مثل هذه الأمور ضارَّةً بمستوى العصمة، لأننا لا نفهم المبدأ بالطريقة الغيبية التي تمنع عن الإنسان مثل هذه الأخطاء في تقدير الأمور، بل كل ما هناك أنه لا يعصي الله في ما يعتقد أنها معصية، أما أنه لا يتصرف تصرفاً خاطئاً يعتقد أنه صحيح مشروع، فهذا ما لا نجد دليلاً عليه.

بل ربما نلاحظ أن أسلوب القرآن في الحديث عن حياة الأنبياء، ونقاط ضعفهم، يؤكد القول بأن الرسالية لا تتنافى مع بعض نقاط الضعف البشري من حيث الخطأ في تقدير الأمور)؟

 

الجواب:

 

أمَّا عصمة الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء (عليهم السلام)، فثابتة في علم الكلام، من غير فرقٍ بين العصمة عن الخطأ أو الخطيئة.

وأما الاستغفار فغير قابل للإنكار.

ومرجعه (أي الاستغفار) في حق غيرهم (عليهم السلام)، إلى طلب رفع آثار المعصية، وما يعم ذلك.

ومرجعه في حقهم (عليهم السلام)، إلى طلب دفع المعاصي عنهم، بالعصمة المانعة عن الوقوع فيها، أي المعصية.

والمعصية وإن كانت ممتنعة في حقهم، إلاّ أن امتناعها بالغير، ولا ينافي ذلك، أن يكون تركهم للذنوب، واقعاً منهم باختيارهم.

ومن مباديها (أي العصمة) كونهم - حدوثاً وبقاءً - طالبين للحفظ من الله تعالى عن تلك المهالك.

ولا إشكال في شيء من ذلك عند العاقل المتأمل.


 

السؤال2:

 

ما هو الحكم في المقولة التالية، التي أطلقت في تفسير الآية الشريفة: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) ؟

وما هو حكم من يقول بها من وجهة نظر عقيدة أهل البيت (عليهم السلام)؟

فقد قال قائل بعد ان عرض لرأي العلامة الطباطبائي، القائل بأن الهداية بالحق والعدل بالحق، لم يَتيسر لغير النبي والإمام، قال:

(إن وصف هؤلاء القوم بأنهم يهدون بالحق وبه يعدلون، لا يفرض العصمة في كل أقوالهم وأفعالهم، بأن لا يقعوا في الخطأ في شيء من ذلك، بل يكفي في صدق هذا الوصف، ان يكون الحق هو المنهج الذي يسيرون عليه والقاعدة التي ينطلقون منها، في مسيرة الهداية والعدل، بعيداً عن كل التفاصيل التي يمكن أن يقع الخطأ في تطبيقاتها العملية…).

 

الجواب:

 

العصمة غير ممتنعة في حق غير الأنبياء (عليهم السلام)، والأوصياء (عليهم السلام).

والفرق بين (وجودها يعني العصمة) في حق هؤلاء (عليهم السلام)، وعدم وجودها في حق غيرهم، ليس انها ممتنعةً في حق غيرهم.

فقد حكي عن جماعة من الصادقين، أنهم ادعوا ترك المعاصي في كل العمر، منهم زيد بن علي بن الحسين (عليهم السلام)، فقد نقلوا عنه أنه قال: (منذ عرفت يميني من شمالي ما عصيت الله)، ونقل مثل ذلك عن غيره.

وأما الآية الهادية العادلة في قوم موسى (عليه السلام)، فيمكن أن يكون لهم (يعني قوم موسى عليه السلام) العصمة، أو لا يكون لهم سوى ملكة العدالة، التي هي أعم من العصمة.

كما أن العصمة أيضاً لها مراتب، والعصمة عاليةٌ في حق الأنبياء أولي العزم.

وبعدها في الرتبة ما لسائر الأنبياء والأوصياء.

وللنبي (ص) والأئمة (عليهم السلام) فوق ما لغيرهم.

ويمكن أن يعبَّر عن المراتب، بأن منها: ما لو فرض وجود المانع، الداعي إلى المعصية، في حدٍ خاصٍ من القوة، زالت معه.

ومنها: ما لا يزول بهذا بل بأقوى منه.

ومنها: ما لا يزول بالأقوى من هذا أيضاً، كما في أصحاب المناصب الإلهية من النبوة والوصاية والحمد لله.


 

السؤال3:

 

ما رأيكم في مقولة من قال في عصمة الأنبياء ما يلي؟

وما هو حكم الشارع المقدس في عقيدته؟…

قال:

(إن من الممكن - من الناحية التجريدية - أن يخطئ النبي في تبليغ آية أو نسياها، في وقت معين، ليصحح ذلك، ويصوّبه بعد ذلك، لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة).

ثم قال معترضاً على العلامة الطباطبائي (رض)، في كلامه عن عصمة النبي (ص)، في تبليغ رسالته التي لا تتم إلا مع عصمته عن المعصية، وصونه عن المخالفة.. (الميزان: 2 / ص 137 من الطبعة الجديدة) قال:

(ولكن قد ينطلق الفعل - من الإنسان - على أساس الواقع العملي الذي قد يتحرك فيه، من خلال أوضاعه الشخصية الخاضعة لبعض النزوات الطارئة، بفعل الضغوط الداخلية أو الخارجية، الحسية أو المعنوية، فيتراجع عنها لمصلحة المبدأ الذي كان قد بينه للناس في موقع الوحي ونحوه.

تماماً كما هي الحالة الجارية في سلوك المصلحين والرساليين - حتى الأتقياء منهم - في انحراف خطواتهم العملية على الخط الرساليإلخ…).

 

الجواب:

 

بعد الالتزام بالعصمة من الخطأ والخطيئة في حق الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء (عليهم السلام)، كما تحقق وثبت في علم الكلام، لا وقع لهذا الكلام المذكور في هذا السؤال.


 

السؤال4:

 

ما هو رأيكم الشريف في من يقول معلقاً على آية أولي الأمر ، في معرض تعقيبه على رأي (علماء الشيعة الإمامية) الذين قالوا: (إن المراد بهم الأئمة الإثنا عشر المعصومين)… قال:

(إن الأمر بالإطاعة لا يفرض دائماً عصمة الشخص المطاع، بل ربما يكون وارداً في مجال التأكيد على حجية قوله.

كما في الكثير من وسائلاً لإثبات التي أمرنا الله ورسوله بالعمل والسير عليها، في الوقت الذي لا نستطيع التأكيد بأنها تثبت الحقيقة بشكل مطلق.

وكما في الكثير من الأحاديث التي دلَّت على الرجوع إلى الفقهاء، الذين قد يخطئون وقد يصيبون في فهمهم للحكم الشرعي، وذلك انطلاقاً من ملاحظة التوازن بين النتائج الإيجابية التي تترتب على الاتباع لهم، وبين النتائج السلبية.

وعلى ضوء هذا لا نستطيع اعتبار الأمر بالطاعة، دليلاً على تعيين المراد من أولي الأمر بالمعصومين، بعيداً عن الأحاديث الواردة في هذا المجال).

ثم قال:

(إن من الممكن السير مع الأحاديث التي تنص على أن المراد من أولي الأمر الأئمة المعصومين، مع الالتزام بسعة المفهوم، وذلك على أساس الأسلوب الذي جرت عليه أحاديث أئمة أهل النبي (ص)، في الإشارة إلى التطبيق بعنوان التفسير، للتأكيد على حركة القرآن المستقبلية في القضايا الفكرية والعملية الممتدة بامتداد الحياة… إلخ).

 

الجواب:

 

ولي الأمر لا يكون فاسقاً يقيناً، فلابد فيه من ملكة العدالة.

وعليه فتعيُّن تعيين المعصوم بالإضافة إلى غيره من العدول، كتعيُّن تعيين النبي (ص) بالإضافة إلى غيره من العقلاء عقلاً.

والإتفاق واقع على أن لا عصمة في المتصدين للخلافة بعد النبي (ص)، غير هؤلاء الاثني عشر (صلوات الله عليهم)، والنصوص - الدالة على أن المراد من أولي الأمر، هم الأئمة الإثنا عشر - تأكيدات لما في العقول.

 


 

السؤال5:

 

ما رأيكم فيمن يقول عن الزهراء (عليها السلام) وطبيعة ذاتها الشريفة، وكذا عن السيدة زينب (عليها السلام)، وخديجة الكبرى (عليها السلام) ومريم وامرأة فرعون (عليها السلام)، ما نصه:

(وإذا كان بعض الناس يتحدث عن بعض الخصوصيات غير العادية في شخصيات هؤلاء النساء، فإننا لا نجد هناك خصوصية إلا الظروف الطبيعية التي كفلت لهم إمكانات النمو الروحي والعقلي، والالتزام بالمستوى الذي تتوازن فيه عناصر الشخصية بشكل طبيعي في مسألة النمو الذاتي..

ولا نستطيع إطلاق الحديث المسؤول القائل بوجود عناصر غيبية مميزة، تخرجهن عن مستوى المرأة العادي، لأن ذلك لا يخضع لأي إثبات قطعي؟)

 

الجواب:

 

مقامات الأشخاص من الرجال والنساء، تعلم بمراجعة التاريخ في أفعالهم. وأحوالهم، وبمراجعة النصوص الواردة في حقهم عن الصادقين (عليهم السلام)، من غير دليلٍ يوجب تكذيبها أو ردَّها، ولا يخفى ذلك على من له معرفة بالكتاب، والسنّة الثابتة عن المعصومين (عليهم السلام).


 

السؤال6:

 

ما هو رأيكم الشريف في من يردَّ على الشيخ المفيد (رض)، قوله باختيارية العصمة، لينصر مقولته في كون العصمة جبرية، فيقول ما نصّه:

(إن هذا الأسلوب في الحديث عن اختيارية العصمة، مع الالتزام بأنها ناشئة من فعل الله التكويني بنبيه أو وليه، لا يمثل إلاّ مفهوماً ينطلق من الجمع في الدليل، بين وجوب العصمة، ولزوم الاختيار، لا من دراسة دقيقة لنوعية الصورة الواقعية للجمع بين الأمرين).

ثم قال:

(إننا نتسائل ما هو المانع من اختيار الله بعض عباده، ليكونوا معصومين، باعتبار حاجة الناس إليهم في ذلك؟ وما هي المشكلة في ذلك انطلاقاً من مصلحة عباده؟

وإذا كان هناك إشكال من ناحية استحقاقهم الثواب على أعمالهم إذا لم تكن اختيارية لهم، فإن الجواب عليه، هو إن الثواب إذا كان بالتفضل في جعل الحق للإنسان على الطاعة، لا بالاستحقاق الذاتي، فلماذا لا يكون التفضل بشكل مباشر؟ إذ لا قبح في الثواب على ما لا يكون بالاختيار، بل القبح في العقاب على غير المقدور؟).

ثم يقول: (إن الدراسات التفسيرية - الحديثة وغيرها - قد دأبت على تأويل الآيات الظاهرة في وقوع الذنوب من الأنبياء (عليهم السلام)، بما لا يتنافى مع العصمة، ولن السؤال الذي يفرض نفسه، عن السر الذي جعل الأسلوب القرآني في الحديث عن الأنبياء، يوحي بهذا الجو المضاد للفكرة، وكيف يتحرك التأويل مع المستوى البلاغي للآية، لأن المشكلة في كثير من أساليب التأويل الذي ينطلق من حمل اللفظ على خلاف ظاهره، أنه قد يصل إلى الدرجة التي يفقد فيها الكلام بلاغته، الأمر الذي يتنافى مع الاعجاز القرآني…).

 

الجواب:

 

تقدم الجمع بين العصمة المانعة عن الذنوب من جهة، وبين كون فعل المعصية اختياراً، أي بإرادة ترك الذنوب ومبادئها.

وعلمه تعالى بتركهم للذنوب لا ينافي اختيارية تركهم لها.

كما أن علمه تعالى بطاعة المطيع ومعصية العاصي، لا ينافي الاختيار منهما، وكونهما مكلَّفين.


 

السؤال7:

 

ما هو رأيكم الشريف في من يقول في آية سورة يوسف (عليه السلام)، (فهمَّت به وهمّ بها:

(إن مشاعر يوسف (عليه السلام) قد تحركت باتجاه امرأة العزيز من واقع الضعف الإنساني.. فأدركه برهان ربه فاستخلصه من إرتكاب المحرم؟).

 

الجواب:

همُّ يوسف للمعصية تعليقيٌ لا فعلي كما هو واضح.

وكذا كل مؤمنٍ تاركٌ للمعصية، إنما يحفظه الله بمرتبة يقينه.

وهو أمر مختلفة مراتبه في المعصوم وسائر المؤمنين.


 

السؤال8:

 

ما هو رأيكم الشريف، بمقولة من يرى نزول آية (عبس وتولى) متعلقاً بعبوس الرسول (ص)، من مجيء عبد الله بن أم مكتوم؟

 

الجواب:

 

تقدّم أن العصمة والحفظ بمباديهما اختياريان، وإن كانا معلومين في حق البعض.

والعدول في آية عبس وتولى الشريفة من الغيبة إلى الخطاب، يوجب حمل أحدهما على الآخر.

فإن كان المضمون منافياً للعصمة العالية الواقعية، تعيّن حمل الخطاب على الغيبة، فالمراد حينئذ هو غير النبي (ص).

وإن لم يكن المضمون منافياً لهذه العصمة، أمكن العكس. وهو حمل الغيبة على الخطاب.

والرواية الخاصّة عن أهل البيت (عليهم السلام) تعيِّن الأول دون الثاني، وهو الموافق لمرتكزات وعقائد أهل الحق أعزَّهم الله تعالى.


 

السؤال9:

 

إذا كانت كل هذه المقولات المتناقضة فيما بينها، صادرةً من شخص واحد، رغم أنها تنبع من اتجاهات فكرية متعددة، فهل يمكن لنا الاعتماد على ما يطرحه من آراء عقائدية أو فقهية؟

وما هو الموقف ممن يرون في ذلك تعمداً منه لتشكيك أبناء الطائفة بعقيدة العصمة؟ مدعين أنه لو كان يعتمد رأياً واحداً، لأمكن القول بأن رأيه مختص به، أما وقد لحظوا في ذلك اغترافاً من مشارب متعددة، بل ومتناقضة في ما بينها، راحوا يجاهدون هذه الأفكار أمام عامة الناس؟

علماً أنه دأب على التحدث بمثل هذه المسائل في المجالس، والمحافل العامة، واستفاد لذلك من الراديو، والتلفزيون، والكتب والصحف، والمجلات، وسائر وسائل الاتصال العامة؟

 

الجواب:

 

إن كان التناقض معلوماً في الكلام، ولم يكن عدولاً إلى الحق، بل كان صحابه في كل مجلسٍ على رأي، فلا شغل لأحدٍ به.

واللازم هو التوجه إلى من لا تتناقض أقواله من العلماء، بل اللازم التوجه إلى من لا تتناقض أقواله مع أفعاله، بعد إحراز سائر الشروط المطلوبة في من يرجع إليه في الأمور، والمستفادة من مثل قوله (عليه السلام): (وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلِّدوه).

والقضية السلبية مستفادة مفهوماً من الاثباتية المنطوقة .


 

السؤال10:

 

ما رأيكم في مقولة من قال في الشفاعة ما نصه: (علماً أن العامية في الحديث متعلقة بنص الحديث):

(الشفاعة من أين تنطلق؟ على أساس أن هناك حالات ذاتية بين الناس، فنحن نستفيد من هذه الحالات الذاتية، التي تجعل لشخص موقعاً عند شخص، باعتبار أنه إذا جاء إليه هذا الشخص محملاً بهذه المشاعر، فإن ذلك يغير رأيه ويبدل رأيه...

بالنسبة إلى الله ما له معنى هذا الكلام، ما في أحد له علاقة بالمعنى الذاتي مع الله، لأن الخلق كلهم خلق الله، ما له معنى أن يكون واحد اقرب إلى الله من خلال الذات، لأنه أنت يكون ابنك واحد أجمل، واحد أفضل، واحد أكثر عطفاً عليك، تقول: هذا أقرب إليّ، وهذا خدمني أكثر، هذا أعطاني أكثر... أما بالنسبة إلى الله تعالى الأعلم الأفضل الأقوى، كلهم مثل بعض...

الله هو الذي أعطاهم هذا المستوى من الجمال، هذا المستوى من القوة، هذا المستوى من الفضل في العلم. لكن هو يختار من يشفعه. ما في أحد يقدر يشفع بطبيعته.

الأنبياء ما عندهم لأنفسهم أساس لأن يبادروا بالشفاعة.

الأئمة الأولياء ما في مبادرة بالشفاعة، ليس هناك شيء ذاتي.

يعني أنت تروح تقول اشفع لي يا رسول الله، اشفع لي عند الله يا أمير المؤمنين، اشفعي لي يا فاطمة، صحيح. لكن لا أمير المؤمنين ولا رسول الله، ولا فاطمة يقدروا يشفعوا إذا لم يشفِّعهم الله.

وعندما يشفعون فإن الشفاعة لا تنطلق من عناصر ذاتية، والله هذا قريبي وهذا أحبه، وهذا نذر لي نذر، وهذا ذبح لي ذبيحة، وهذا عمل لي مولد، مثل هذه الأشياء التي نحن نصورها هنا.

نحن نعمل مع الأنبياء والأولياء من قبيل أطعم الفم تستحي العين. ما يصير أنا أذبح ذبيحتي للعباس، بكرة تقول له هذه ذبيحة، يعني لابد أن تجاملني في هذا الموضوع. لا هناك أسس، (لا يشفعون إلا لمن ارتضى)، يعني يكرم الأنبياء بأن يشفعهم فيمن جرت إرادته على أن يغفر لهم.

يعني الله يريد أن يغفر للإنسان يريد أن يدخل إنساناً الجنة، فالله يريد أن يكرم نبيّه ويكرّم وليّه، أي يكرمهما بأن يشفعا فيما أراد أن يكرمه وأراد أن يعفو عنه.

النبي والأئمة ليسوا وسائط الخلق إلى الله، يعني ما يحتاج له واسطة.

حكاية أنه نحن ما نقدر نخاطب الله، ما عندنا قابلية نحكي مع الله، بعض الجماعة العرفانيين والفلاسفة يحكون هذا الكلام، أنه نحن ما نقدر نحكي مع الله، أبداً، ما في هناك بيننا وبين الله واسطة، الأنبياء والأولياء مش وسائط.

دور الأنبياء إنما هم وسائط للهداية، هم وسائط بين الله وبين خلقه، يحملون لهم كلماته، شرائعه، ما يريده منهم هذا... ما في حجاب أبداً...؟

 

الجواب:

 

إنكار الوسائط ليس من الدين.

وجعل وساطة مثل النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام) لحاجة الله من الأغلاط.

والشفاعة ثابتة كثبوت الدعاء المستجاب.

والنبي (ص) والوصي (عليه السلام) مقبولة شفاعتهما، لأن شفاعتهما إنما هي بإذنه تعالى، وهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم عالمون بالمأذون فيه والمرتضى.


 

السؤال11:

 

ما رأيكم بمقولة من يقول ما نصه:

(أنا من الناس الذين لا يرون الولاية التكوينية، لأني أتصور أن كل القرآن دليل على عدم الولاية التكوينية، لأن القرآن يؤكد أن النبي (ص) لا يملك من أمره شيئاً إلا ما ملّكه الله بشكل طارئ، يعني أن الله يريده ان يتصرف بهذا فيتصرف إن الأنبياء لا يملكون أن يقدموا أي شيء فيما يقترحه الناس.

لو كان الأنبياء يملكون الولاية التكوينية لكان يمكن أن يستجيبوا لكل اقتراحاتنا)؟

وقال في مكان آخر عن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام):

(أمّا الولاية على الكون، فهي ليست من شأنهم ولا من دورهم، لأن الله وحده هو الذي يملك الولاية الخلقية والفعلية على إدارة نظام الكون كله، وليس لأحد من خلقه شأن فيه، لاسيما إذا عرفنا أن الأنبياء لم يمارسوا الولاية التكوينية في أي موقع من مواقعهم، حتى في مواجهة التحديات التعجيزية، إلا في موارد الإذن الإلهي الخاص، بإصدار المعجزة هنا وهناك.

فما معنى ولاية لا يستعملها صاحبها، حتى في دفع الضرر عن نفسه وحماية نفسه من الأخطار؟).

هل إن ذلك يتوافق مع مسلَّمات الطائفة المحقة؟

 

الجواب:

 

إذا جاز للملائكة الولاية على الرزق والاماتة ونحوهما، من دون لزوم شرك، جاز للنبي والوصي مثل ذلك، من دون لزوم شركٍ أيضاً.

بلا فرق بين الأمرين، لانتماء الأمور كلها إلى مسبب الأسباب.

وقد تحقق عندنا نزول الملائكة على الإمام (عليه السلام) ليلة القدر في كل سنة، لما يرتبط بالحوادث التي ستقع في تلك السنة.

ولا يلزم شرك بسبب هذا النزول، ولا بسبب من ينزلون إليه.

وقد جرت سنة الله على التسبيبات، مع غناه ذاتاً، حتى عن التلفظ بـ قوله تعالى (كن).


السؤال12:

 

ما هو رأي الطائفة المحقة فيمن يرى محصورية القضاء والقدر بالواقع الكوني دون الواقع الاجتماعي، إذ يقول في ردِّه على الشيخ المفيد (رض):

(إن مسألة القضاء والقدر لا تتصل بالأوامر والنواهي الصادرة من الله في التكاليف المتعلقة بأفعال عباده، بل هي متصلة بمسألة الواقع الكوني والإنساني فيما أوجده الله وفعله، وقدَّره، وطبيعته بالدرجة التي يمكن للإنسان ان يحصل فيها على تصور تفصيلي واضح، للأسباب الكامنة وراء ذلك كله، في معنى الخلق وسببه وغايته).

وقال في موضع آخر موضحاً بما نصه:

(ليس هناك قضاء وقدر، الإنسان هو الذي يصنع قضاءه وقدره، ولكن هناك حتمية تاريخية، وهناك حتميات سياسية، وهناك حتميات اقتصادية، إنك عندما تحدث الإنسان عن حتمياته، فمعنى ذلك أنك تعزله عن كل حركته، ولكن عندما يحدثك الله عن القضاء والقدر، فإنه يقول لك: إنك تصنع قضاءك وقدرك...).

إلى أن يقول:

(نحن لا نقول بأن الأمر الواقع هو القضاء والقدر، الأمر الواقع هو شيء صنعه الآخرون، واستطاعت أن تحركه ظروف موضوعية معينة...)؟

 

الجواب:

 

ما له إضافتان، واحدة إلى المكِّلف، وأخرى إلى المكلَّف، فهو خارج عن المقضيّات التي ليس لها إلا إضافة واحدة إلى الخالق تعالى.

ولا فرق في هذين القسمين، بين الأمور الشخصية والأمور الاجتماعية.

ولا يمكن إنكار القسمين أعني: الأمور الاختيارية للمكلفين، وغيرها من المقضيّات.


 

 

السؤال13:

 

ما هو رأي الشارع المقدس على المستوى الكلي فيمن يرى أن: القيم السماوية ليست مطلقة بل يقول:

(إن هناك حدوداً للقيم تنطلق من واقعية الإنسان في حاجاته الطبيعية في الأرض).

وبعد أن يتحدث عن استثناءات تشريعية، كما في مسألة جواز الكذب في بعض الموارد، وحرمة الصدق فيها يقول:

(على هذا الأساس القيمة حتى في الأديان نسبية، القيمة الأخلاقية، ولهذا يقول الأصوليون: (ما من عام إلاّ وقد خص..)؟

 

الجواب:

 

لا يعرف لهذا الكلام معنىً محصّل.

والعمومات في الأحكام العقلية غير قابلة للتخصيص.

بل إنما يجري فيها التخصص.

كالصدق الضار حيث يكون ظلماً قبيحاً.

والكذب النافع والمنقذ حيث يكون عدلاً حسناً.

وكذا يكون الاختلاف في خصوص تحقق الخلف في مقامٍ ما، لا في بطلانه مع فرض تحققه.


 

السؤال14:

 

ما هو رأي الشارع الكريم فيمن يرى أن الصراط أمر رمزي، فيقول:

(إن الكلمة لا تعبر عن شيء مادي، فلم يرد في القرآن الحديث عن الصراط إلا بالطريق، أو الخط الذي يعبر عن النهج الذي يسلكه الإنسان إلى غاياته الخيرة أو الشريرة في الحياة.

وبذلك يكون الحديث عن الدقة في تصوير الصراط في الآخرة، كناية عن الدقة في التمييز بين خط الاستقامة وخط الانحراف)؟

علماً أن حديث المعصوم (عليه السلام) كثير في مجال تشخيص عينية الصراط وتجسمه..

 

الجواب:

 

لا وجه للعدول من الحقيقة إلى المجاز والكناية، بعد ورود السمع الصحيح بعينية الصراط، وإمكان العمل على وفق هذا المعنى الحقيقي.

وإلا أمكن حمل معنى الجنة على الانبساط الروحي، ومعنى النار على الانقباض الروحي، ونحو ذلك مما يؤدي إلى إنكار الضروريات من غير داعس لا يكون داءً.

وقد دل السمع الثابت عن أهل البيت (عليهم السلام)، على أن استقامة الطريق في الاعتقاد والعمل في هذه النشأة، يسبب الاستقامة في العبور على الصراط المستقيم في الآخرة. كما دلَّ على أن الانحراف هنا مسبب للانحراف هناك، والوقوع في النار.

عصمنا الله تعالى من الانحراف هنا، المولد للانحراف هناك، الموجب للوقوع في النار.


 

السؤال15:

 

شكّك أحدهم بالروايات الواردة في كون نور فاطمة (عليها السلام) قد خلق قبل أن يخلق الله الأرض والسماء. ما رأيكم بذلك؟

علماً أن التشدد السندي لا يخرج بعض الروايات من دائرة الاعتبار، كما نرى في رواية سدير الصيرفي، التي يذكرها الشيخ الصدوق في كتاب معاني الأخبار (ص 296 باب نوادر المعاني ح 53).

 

الجواب:

 

إنكار مراتب الوجود، ومراتب الممكنات، في المحسوسات والمعقولات، بعد ثبوتها ووضوحها في الأذهان السليمة غير المنحرفة، كإنكار التدرج في الخلق، مع النص عليه في ستة أيام، لا طريق يرشد إليه، لا ثبوتاً ولا إثباتاً.


 

السؤال16:

 

ما رأيكم بمقولة من يقول:

(إن الزهراء (عليها السلام) كانت أول مؤلفة وكاتبة في الإسلام) في إشارة منه إلى مصحف فاطمة.. ثم أضاف يقول:

(كلمة المصحف يراد منها ما يكون مؤلّفاً من صحف، يعني من أوراق.. كانت تكتب فيه ما تسمعه من رسول الله (ص) من أحكام شرعية، من وصايا ومواعظ ونصائح، وهذا الكتاب ليس موجوداً عندنا، بل كان موجوداً عند أئمة أهل البيت (عليهم السلام))؟

علماً أن العديد من الروايات المعتبرة في الكافي وبصائر الدرجات، تشير إلى أن المصحف من إملاء الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن كلام ملك كان يتواصل مع الزهراء سلام الله عليها.

 

الجواب:

 

الظاهر أن مصحف فاطمة (عليها السلام)، وكتاب عليّ (عليه السلام)، موجودان عند الأئمة (عليهم السلام)، من ولدها.

وأن المشتمل على الحوادث هو الأول، أعني مصحف فاطمة (عليها السلام)، والمشتمل على الأحكام الشرعية هو الثاني،أعني كتاب عليّ (عليه السلام).

وأن الملك واسطة في تبليغهما، وبيان ما فيهما من الوقائع والأحكام عن الله تعالى.

وهذا المقدار لا شك فيه ثبوتاً ولا إثباتاً.

وتفصيل الكاتب والمملي فيهما، يعرف بمراجعة كتب الأحاديث المعتبرة عند الشيعة الإمامية أعزهم الله تعالى.


 

السؤال17:

 

ما رأيكم بمقولة من يقول:

(أنا لا أتفاعل مع كثيرٍ من الأحاديث التي تقول بأن القوم كسروا ضلعها أو ضربوها على وجهها وما إلى ذلك..).

وعندما سئل:

كيف نستثني ضلع الزهراء (عليها السلام) مع العلم أن كلمة (وإن) التي أطلقها أصل المهاجمة، أعطت الإيحاء؟

أضف إلى ذلك كيف نفسر خسران الجنين محسن؟

أجاب قائلاً:

(قلت: إن هذا لم يثبت ثبوتاً بحسب أسانيد معتبرة، ولكن قد يكون ممكناً).

أما سقوط الجنين فقد يكون بحالة طبيعية طارئة؟

 

الجواب:

 

العاقل لا يحتاج في كل أمرٍ إلى قول يكون نصاً صحيحاً.

فإن إخفاء تشييعها (عليها السلام)، والصلاة عليها، ودفنها ومدفنها (عليها السلام). يكشف عما سبق وجرى عليها في الحياة، كشف المعلول عن علته. والتي هي غضبها (عليها السلام)، المستلزم لغضب أبيها (ص)، الموجب لغضب الله تعالى.

فلا انتظار بعد ذلك لأي شيءٍ من العاقل المنصف.

بنت من أمُّ من حليلة من *** ويلٌ لمن سنَّ ظلمها وآذاها


 

السؤال18:

 

ما رأيكم بمن يقول:

(ثمة أناس في العراق كانوا يحتفلون في يوم عاشوراء بشرب الخمر فأي حزن على الحسين عليه السلام عندما يصبح الإنسان في غيبوبة؟ لقد كان البعض يشرب الخمر ليلة العاشر من المحرم من أجل الإحماء؟

 

الجواب:

 

حكي أن جماعة من الفساق افتخروا على معاصيهم.

فمنهم من افتخر بأنه زنى بالمحارم!

ومنهم من افتخر بأنه زنى في الكعبة!

ومنهم من افتخر بأنه صام العيدين، فقتله آخر، معللاً قتله له بقوله:

إنا كنا نريد اللذة، وأنت تركت هذه اللذة عناداً لله تعالى!

فهل العاقل يحتج بشيء من هذه الأمور الصادرة من البهائم، إن كان ثمة واقعية لهذه الحكايات.


 

السؤال19:

 

ما هو رأي جنابكم الشريف في الشعار الحسيني، إن استوجب الإضرار بالنفس في حالة اللطم العنيف، أو البكاء الشديد؟

 

الجواب:

 

يجوز من اللطم والبكاء، ما لم يكن فيه ضرر يوجب المرض، وما لم يكن فيه مخالفة للتقاة الواجبة، لدفع إيذاء المراقبين المعاندين للحق وأهله، من أهل الضلال والإضلال.

بل يستحب لما فيه من التألم والحزن، من أعمال الذين يؤذون الله ورسوله في عترته وأهل بيته المعصومين المطهرين (عليهم السلام).

وإلا كان مطلق البكاء من خشية الله، أو الشوق إلى رضوانه تعالى، ضاراً محرّماً، وأهل الأديان الأصلية طرّاً على خلافه.

 

تمت المسائل العراقية

 

والحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعن على أعدائهم أجمعين.

وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال.

أستدعي من جنابكم أن لا تكثروا الأسئلة المشتملة على الخطابيات، التي يمكن أن يأتي بمثلها الفريقان المتخاصمان.

بل تسأل سؤالاً عن نفس المطلب الاعتقادي أو العملي، مع غاية الاختصار بلا بيان لأدلة الطرفين، لما في هذا من المنافاة لسائر الاشتغالات الواجبة على الحقير العاجز.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في 4 جمادى الآخرة 1417 هـ

محمد تقي البهجة