3 . الميزان: 11|279.
الثالث: ما روي عن ابن عباس من أنّ الرسل لمّا ضعفوا وغلبوا ظنّوا أنّهم
قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر ،وقال كانوا بشراً، وتلا قوله: (
وَزُلْزِلُوا حَتّى
يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ).
(1)

وقال صاحب الكشاف في حق هذا القول: إنّه إن صح هذا عن ابن
عباس، فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة
وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأمّا الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين
على الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين فما بال رسل الله الذين هم
أعرف الناس بربهم، وانّه متعال عن خلف الميعاد منزه عن كل قبيح.
(2)

وهذا التفسير مع التوجيه الذي ذكره الزمخشري وإن كان أوقع التفاسير في
القلوب غير انّه أيضاً لا يناسب ساحة الاَنبياء الذين تسددهم روح القدس
وتحفظهم عن الزلل والخطأ في الفكر والعمل، وتلك الهاجسة وان كانت بصورة
حديث النفس وشبه الوسوسة لكنها لا تلائم العصمة المطلقة المترقبة من
الاَنبياء.
الرابع (وهو المختار)

إنّ المستدل زعم أنّ الظن المذكور في الآية أمر قلبي اعتري قلوب
____________

1 . البقرة: 214.

2 . الكشاف: 2|157.
( 74 )
الرسل، وأدركوه بمشاعرهم وعقولهم مثل سائر الظنون التي تحدق بالقلوب
البشرية وتنقدح فيها.

مع أنّ المراد غير ذلك ،بل المراد انّ الظروف التي حاقت بالرسل بلغت
من الشدة والقسوة الى حد صارت تحكي بلسانها التكويني عن أنّ النصر
الموعود كأنّه نصر غير صادق، لا أنّ هذا الظن كان يراود قلوب الرسل،
وأفئدتهم، وكم فرق بين كونهم ظانّين بكون الوعد الاِلهي بالنصر وعداً مكذوباً،
وبين كون الظروف والشرائط المحيطة بهم من المحنة والشدة كانت كأنّها تشهد
في بادىَ النظر على أنّه ليس لوعده سبحانه خبر ولا أثر.

فحكاية وضعهم والملابسات التي كانت تحدق بهم عن كون الوعد كذباً
أمر، وكون الاَنبياء قد وقعوا فريسة ذلك الظن غير الصالح أمر آخر، والمخالف
للعصمة هو الثاني لا الاَوّل، ولذلك نظائر في الذكر الحكيم.

منها قوله سبحانه: (
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنّى كُنْتُ مِنَ الظّالِمينَ )
(1)، فإنّ
يونس النبي بن متى كان مبعوثاً إلى أهل نينوى، فدعاهم فلم يوَمنوا، فسأل الله أن
يعذّبهم، فلمّا أشرف عليهم العذاب تابوا وآمنوا، فكشفه الله عنهم وفارقهم
يونس قبل نزول العذاب مغاضباً لقومه ظانّاً بأنّه سبحانه لن يضيق عليه وهو
يفوته بالابتعاد منه فلا يقوى على سياسته وتأديبه، لاَجل مفارقته قومه مع إمكان
رجوعهم إلى الله سبحانه وإيمانهم به وتوبتهم عن أعمالهم.

فما هذا الظن الذي ينسبه سبحانه إلى يونس، هل كان ظناً قائماً بمشاعره،
فنحن نجلّه ونجلّ ساحة جميع الاَنبياء عن هذا الظن الذي لا يتردد في ذهن
غيرهم ،فكيف الاَنبياء؟! بل المراد انّ عمله هذا (أي ذهابه ومفارقة قومه) كان
____________

1 . الاَنبياء: 87.