1 . المغنى: 15|281.

2 . شرح التجريد للفاضل القوشجي: 463، وكشف المراد: 217 طبع صيدا.
( 46 )
المبعوثين، وإذعانهم بكونهم مرسلين من جانبه سبحانه، وإنّ كلامهم وأقوالهم
كلامه وقوله سبحانه، وهذا الاِيمان والاِذعان لا يحصل إلاّ بإذعان آخر وهو
الاِذعان بمصونيتهم عن الخطاء في المراحل الثلاث في مجال تبليغ الرسالة،
وهي المصونية في مقام أخذ الوحى، والمصونية في مقام التحفّظ عليه،
والمصونية في مقام الاِبلاغ والتبيين، ومثل هذا لا يحصل إلاّ بمصونية النبي عن
الزلل والخطاء عمده وسهوه. قال القاضي أبو الحسن عبد الجبار: إنّ النفوس لا
تسكن إلى القبول ـ ممّن يخالف فعله قوله ـ سكونها إلى من كان منزهاً عن
ذلك، فيجب أن لا يجوز في الاَنبياء : إلاّ ما نقوله من أنّهم منزهون عمّـا
يوجب العقاب والاستخفاف والخروج من ولاية الله تعالى إلى عداوته.

يبين ذلك أنّهم لو بعثوا للمنع من الكبائر والمعاصي بالمنع والردع
والتخفيف فلا يجوز أن يكونوا مقدمين على مثل ذلك، لاَنّ المتعالم أنّ المقدم
على الشيء لا يقبل منه منع الغير منه للنهي والزجر، وانّ هذه الاَحوال منه لا توَثر
... ولو إنّ واعظاً انتصب يخوف من المعاصي من يشاهده مقدماً على مثلها
لاستخف به وبوعظه.
(1)
وقال في موضع آخر: إنّ الواعظ والمذكّر وان غلب على ظننا من حاله انّه
مقلع تائب لما أظهره من أمارات التوبة والندامة حتى عرفنا من حاله الانهماك
في الشرب والفجور من قبل، لم يوَثر وعظه عندنا كتأثير المستمر على النظافة
والنزاهة في سائر أحواله.
(2)
وما ذكره أخيراً دليل وجوب العصمة حتى قبل البعثة.

وهذا البرهان لو قرر على الوجه الكامل لكفي برهاناً في جميع مراحل
____________

1 . المغني: 15|303.

2 . المصدر نفسه: 305.
( 47 )
العصمة التي سنبيّنها في الاَبحاث الآتية.

هذا منطق العقل، وأمّا منطق الوحي فهو يوَكد على مصونية النبي في تبليغ
الرسالة في المجالات الثلاثة الماضية، وإليك بيان ذلك:
القرآن وعصمة النبي في مجال تلقي الوحي و ...

هناك آيات تدل على العصمة في ذلك المجال نذكرها واحدة بعد
الاَُخرى:
الآية الاَُولى

(
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ).
(1)
(
إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
رَصَداً).
(2)

(
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَىْءٍ
عَدَداً ).
(3)

إنّ دلالة الآيات هذه على مصونية الرسل والاَنبياء في مجال تلقي الوحي
وما يليه من التحفظ والتبليغ تتوقف على توضيح بعض مفرداته:

1. قوله: (
فلا يظهر )من باب الافعال بمعنى الاعلام كما في قوله سبحانه:
(
وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عرّف بَعْضَهُ وَأَعْرضَ عَن بَعْضٍ).
(4)

2. لفظة (
من)في قوله: (
من رسول )بيانية تبين المرضى عند الله،
____________

1 . الجن: 26.

2 . الجن: 27.

3 . الجن: 28.

4 . التحريم: 3.
( 48 )
فالرسول هو المرتضى الذي اختاره الله تعالى لتعريفه على الغيب.

3. والضمير في (
انّه) في قوله: (
انّه يسلك) يرجع إلى الله، كما أنّ ضمير
الفاعل في قوله: (
يسلك )أيضاً يرجع إليه، وهو بمعنى: يجعل.

4. والضمير في (
يديه ومن خلفه )يرجع إلى الرسول.

5. و (
رصداً )هو الحارس الحافظ يطلق على الجمع والمفرد.

6. والمراد من: (
بين يديه) أي ما بين يدى الرسول: ما بينه وبين الناس،
المرسل إليهم.

كما أنّ المراد من (
من خلفه) ما بين الرسول وبين مصدر الوحي الذي هو
سبحانه.

وعلى ذلك فالنبي مصون ومحفوظ في مجال تلقى الوحى من كلا
الجانبين.

وقد اعتبر في هذا التعبير ما يوهمه معنى الرسالة من أنّه فيض متصل من
المرسل (بالكسر) وينتهي إلى المرسل إليه (بالفتح) والآية تصف طريق بلوغ
الغيب إلى الرسل وانّ الرسول محاط بالرصد والحارس من أمامه "ما بين يديه" و
"خلفه" وورائه، فلا يصيبه شيء يباين الوحي.

ومعنى الآية: انّ الله يجعل (يسلك) ما بين الرسول ومن أرسل إليه، وما
بين الرسول ومصدر الوحي مراقبين حارسين من الملائكة، وليس جعل الرصد
امام الرسول وخلفه إلاّ للتحفظ على الوحي من كل تخليط وتشويش بالزيادة
والنقص التي يقع فيها من ناحية الشياطين بلا واسطة أو معها.

ثم إنّه سبحانه علّل جعل الرصد بين يدي الرسول وخلفه بقوله: (
ليعلم ان
قد أبلغوا رسالات ربهم ).
( 49 )
والمراد من العلم هو العلم الفعلي بمعنى التحقق الخارجي على حد قوله:
(فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ ). (1)
أي ليتحـقّق إبلاغ رسالات ربهـم على ما هي عليه من غير تغـيير وتبدّل.

7. قوله: (
وأحاط بما لديهم) بمنزلة الجملة المتممة للحراسة المستفادة
من قوله: (
رصداً ).

وعلى الجملة فهذه العبارات الثلاث الواردة في الآية تفيد مدى عناية
الباري للحراسة والحفاظ على الوحي إلى أن يصل إلى المرسل إليهم بلا تغيير
وتبديل، وهذه الجمل عبارة عن:

أ. (
من بين يديه ).

ب. (
ومن خلفه ).

ج. (
وأحاط بما لديهم ).

فالجملة الاَُولى تشير إلى وجود رصد بين الرسول والناس.

كما أنّ الجملة الثانية تشير إلى وجود رصد محافظين بينه وبين مصدر
الوحي.

والجملة الثالثة تشير إلى وجود الحفظة في داخل كيانهم.

فتصير النتيجة أنّ الوحي في أمن وأمان من تطرق التحريف منذ أن يفاض
من مصدر الوحي ويقع في نفس الرسول إلى أن يصل إلى الناس والمرسل
إليهم.

8. قوله: (
وأحصى كل شيء عدداً) مسوق لاِفادة عموم علمه بكل شيء
سواء في ذلك الوحي الملقى إلى الرسول وغيره.
____________

1 . العنكبوت: 3.
( 50 )
يقول العلاّمة الطباطبائي: إنّ قوله سبحانه: (فإنّه يسلك من بين يديه
ومن خلفه) إلى آخر الآيتين يدل على أنّ الوحي الاِلهي محفوظ من لدن
صدوره من مصدر الوحي إلى بلوغه الناس، مصون في طريق نزوله إلى أن يصل
إلى من قصد نزوله إليه.

أمّا مصونيته من حين صدوره من مصدره إلى أن ينتهي إلى الرسول
فيكفي في الدلالة عليه قوله: (
من خلفه) وأمّا مصونيته حين أخذ الرسول إياه
وتلقيه من ملك الوحي بحيث يعرفه ولا يغلط في أخذه، ومصونيته في حفظه
بحيث يعيه كما أُوحي إليه من غير أن ينساه أو يغيره أو يبدله.

ومصونيته في تبليغه إلى الناس من تصرف الشيطان فيه فالدليل عليه
قوله: (
ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) حيث يدل على أنّ الغرض الاِلهي من
سلوك الرصد أن يعلم إبلاغهم رسالات ربهم أي أن يتحقّق في الخارج إبلاغ
الوحي إلى الناس، ولازمه بلوغه إيّاهم ولولا مصونية الرسول في الجهات
الثلاث المذكورة جميعاً لم يتم الغرض الاِلهي وهو ظاهر.

وحيث لم يذكر تعالى للحصول على هذا الغرض طريقاً غير سلوك
الرصد دل ذلك على أنّ الوحي محروس بالملائكة وهو عند الرسول، كما أنّه
محروس بهم في طريقه إلى الرسول حتى ينتهى إليه، ويوَكده قوله بعده:
(
وأحاط بما لديهم ).

وأمّا مصونيته في مسيره من الرسول حتى ينتهى إلى الناس فيكفي فيه
قوله:
(ومن بين يديه) على ما تقدم معناه.

أضف إلى ذلك دلالة قوله: (
ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) بما تقدم
من تقريب دلالته.

ويتفرع على هذا البيان: انّ الرسول موَيد بالعصمة في أخذ الوحى من ربّه
وفي حفظه وفي تبليغه إلى الناس، مصون من الخطأ في الجهات الثلاث جميعاً
( 51 )
لما مرّ من دلالة على أنّ ما نزّله الله من دينه على الناس من طريق الرسالة
بالوحي، مصون في جميع مراحله إلى أن ينتهي إلى الناس ومن مراحله مرحلة
أخذ الرسول للوحي وحفظه له وتبليغه إلى الناس.

والتبليغ يعم القول والفعل فإنّ في الفعل تبليغاً كما في القول، فالرسول
معصوم من المعصية باقتراف المحرمات وترك الواجبات الدينية، لاَنّ في ذلك
تبليغاً لما يناقض الدين فهو معصوم من فعل المعصية كما أنّه معصوم من الخطأ
في أخذ الوحى وحفظه وتبليغه قولاً.

وقد تقدمت الاِشارة إلى أنّ النبوة كالرسالة في دورانها مدار الوحى،
فالنبي كالرسول في خاصة العصمة، ويتحصل بذلك انّ أصحاب الوحى سواء
كانوا رسلاً أو أنبياء معصومون في أخذ الوحى وفي حفظ ما أُوحى إليهم وفي
تبليغه إلى الناس قولاً وفعلاً.
(1)
الآية الثانية

قوله سبحانه: (
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعثَ اللهُ النَّبِيّينَ مُبَشّرينَ
وَمُنْذِرينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا
اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ
الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ
مُسْتَقيمٍ ).
(2)

إنّ الآية تصرح بأنّ الهدف من بعث الاَنبياء هو القضاء بين الناس في ما
اختلفوا فيه، وليس المراد من القضاء إلاّ القضاء بالحق، وهو فرع وصول الحق
إلى القاضي بلا تغيير وتحريف.
____________

1 . الميزان: 20|133.

2 . البقرة: 213.
( 52 )
ثم إنّ نتيجة القضاء هي هداية من آمن من الناس إلى الحق بإذنه كما هو
صريح قوله: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ).

والهادي وإن كان هو الله سبحانه في الحقيقة لكن الهداية تتحقق عن
طريق النبي، وبواسطته، وتحقق الهداية منه فرع كونه واقفاً على الحق، بلا
تحريف.

وكل ذلك يسلتزم عصمة النبي في تلقى الوحى والحفاظ عليه، وإبلاغه
إلى الناس.

وبالجملة فالآية تدل على أنّ النبي يقضى بالحق بين الناس ويهدي
الموَمنين إليه، وكل ذلك (أي القضاء بالحق أوّلاً، وهداية الموَمنين إليه ثانياً)
يستلزم كونه واقفاً على الحق على ما هو عليه وليس المراد من الحق إلاّ ما يوحى
إليه.
الآية الثالثة

قوله سبحانه: (
وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى ).
(1)

فالآية تصرح بأنّ النبي لا ينطق عن الهوى، أي لا يتكلم بداعى الهوى.
فالمراد إمّا جميع ما يصدر عنه من القول في مجال الحياة كما هو مقتضى إطلاقه
أو خصوص ما يحكيه من الله سبحانه، فعلى كل تقدير فهو يدل على صيانته
وعصمته في المراحل الثلاث المتقدم ذكرها في مجال إبلاغ الرسالة.

وبما أنّ عصمة الاَنبياء في تلك المرحلة تكون من المسلمات عند
المحققين من أصحاب المذاهب والملل، فلنعطف عنان البحث إلى ما تضاربت
فيه آراء المتكلمين، وإن كان للشيعة فيه قول واحد، وهو عصمتهم عن العصيان
والمخالفة لاَوامره ونواهيه.
____________

1 . النجم: 3 ـ 4.
( 53 )
المرحلة الثانية:عصمة الاَنبياء عن المعصية

لقد وقفت على دلائل عصمة الاَنبياء في تلقى الوحى وحان الحين
للبحث عن عصمتهم عن المعصية. ونبحث في ذلك عن وجهتين: العقلية
والقرآنية:
العقل وعصمة الاَنبياء

إنّ القرآن الكريم يصرح بأنّ الهدف من بعث الاَنبياء هو تزكية نفوس
الناس وتصفيتهم من الرذائل وغرس الفضائل فيها قال سبحانه حاكياً عن لسان
إبراهيم: (
رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الكِتابَ
وَالحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (1)وقال سبحانه: (
لَقَدْ مَنَّ اللّهُ
عَلَى الْمُوَْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكّيهِمْ
وَيُعَلّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ).
(2)

والمراد من التزكية هو تطهير القلوب من الرذائل وإنماء الفضائل، وهذا
هو ما يسمى في علم الاَخلاق بـ "التريبة".

ولا شك أنّ تأثير التربية في النفوس يتوقف على إذعان من يراد تربيته
بصدق المربي وإيمانه بتعاليمه، وهذا يعرف من خلال عمل المربي بما يقوله
ويعلمه وإلاّ فلو كان هناك انفكاك بين القول والعمل، لزال الوثوق بصدق قوله
وبالتالي تفقد التربية أثرها، ولا تتحقق حينئذ الغاية من البعث.

وإن شئت قلت: إنّ التطابق بين مرحلتي القول والفعل، هو العامل الوحيد
لكسب ثقة الآخرين بتعاليم المصلح والمربي، ولو كان هناك انفكاك بينهما
____________

1 . البقرة: 129.

2 . آل عمران: 164.
( 54 )
لانفض الناس من حوله قائلين بأنّه لو كان مذعناً بصحة دعوته لما خالف قوله
في مقام العمل.
سوَال وجواب

نعم يمكن أن يقال: يكفي في الاعتماد على النبي مصونيته عن معصية
واحدة وهي الكذب فالبرهان المذكور على تماميته لا يثبت إلاّ مصونيته عن
خصوص الكذب لا مطلقاً.
أقول: الاِجابة عن هذا السوَال سهلة، لاَنّ التفكيك بين المعاصي فرضية
محضة لا يصح أن تقع أساساً للتربية العامة لما فيها من الاِشكالات.
أمّا أوّلاً: فانّ المصونية عن المعاصي نتيجة إحدى العوامل التي أوعزنا إليها
عند البحث عن حقيقة العصمة فإن تم وجودها أو وجود بعضها تحصل
المصونية المطلقة للاِنسان، وإلاّ فلا يمكن التفكيك بين الكذب وسائر
المعاصي بأن يجتنب الاِنسان عن الكذب طيلة عمره ويرتكب سائر المعاصي،
فإنّ العوامل التي تسوق الاِنسان إلى ارتكابها تسوقه أيضاً إلى اقتراف الكذب
واجتياح التهمة .

وأمّا ثانياً: فلو صح التفكيك بينهما في عالم الثبوت لا يمكن إثباته (الداعى
لا يكذب أبداً وان كان يركب سائر المعاصي) في حق الداعي ومدعي النبوة، إذ
كيف يمكن الاِنسان أن يقف على أنّ مدّعي النبوة مع ركوبه المعاصي واقترافه
للمآثم، لا يكذب أصلاً عندما اضطر إليه حتى ولو صرح الداعي إلى الاِصلاح
بنفس هذا التفكيك، لسرى الريب إلى نفس هذا الكلام أيضاً.

وعلى الجملة: انّ الهدف من بعث الرسل وإنزال الكتب هو دعوة الناس
إلى الهداية الاِلهية التي يقوم بأعبائها الاَنبياء والرسل، ولا يتحقق ذلك الهدف إلاّ
( 55 )
بعد اعتماد الناس على حامل الدعوة والقائم بالهداية، فاقتراف المعاصي
ومخالفة ما يدعو إليه من القيم والخلق، يزيل من النفوس الثقة به والاعتماد عليه.

وبهذا البيان تظهر الاِجابة عن سوَال لا يقصر في الضآلة عن السوَال
الماضي. وهو ما ربما يقال: إنّ أقصى ما يثبته هذا البرهان هو لزوم نزاهة النبي
عن اقتراف المعاصي في المجتمع، وهذا لا يخالف أن يكون عاصياً ومقترفاً
للذنوب في الخلوات، وهذا القدر من النزاهة كافٍ في جلب الثقة.

والجواب عن هذا السوَال واضح تمام الوضوح، فإنّ مثل هذا التصور عن
النبي والقول بأنّه يرتكب المعاصي في السر دون العلن يهدم الثقة به، إذ ما الذي
يمنعه ـ عندئذ ـ من أن يكذب ويتستر على كذبه، وبذلك تزول الثقة بكل ما
يقول ويعمل.

أضف إلى ذلك أنّه يمكن خداع الناس بتزيين الظاهر مدة قليلة لا مدة
طويلة ولا ينقضي زمان إلاّ وقد تظهر البواطن ويرتفع الستار عن حقيقته
فتكشف سوأته، ويظهر عيبه.

إلى هنا ظهر أنّ ثقة الناس بالاَنبياء إنّما هي في ضوء الاعتقاد بصحة مقالهم
وسلامة أفعالهم، وهو فرع كونهم مصونين عن الخلاف والعصيان في الملأ
والخلاَ والسر والعلن من غير فرق بين معصية دون أُخرى.
تقرير المرتضى لهذا البرهان

إنّ السيد المرتضى قد قرر هذا البرهان ببيان آخر نأتي به.

قال ما هذا حاصله: إنّ تجويز الكبائر يقدح في ما هو الغرض من بعث
الرسل، وهو قبول قولهم وامتثال أوامرهم ولا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله
أو استماع وعظه كسكونها إلى من لا نجوز عليه شيئاً من ذلك، وهذا هو معنى
( 56 )
قولنا: إنّ وقوع الكبائر ينفّر عن القبول والمرجع فيما ينفر ومالا ينفر إلى العادات
واعتبار ما تقتضيه، وليس ذلك مما يستخرج بالاَدلة والمقاييس، ومن رجع إلى
العادة علم ما ذكرناه، وانّه من أقوى ما ينفر عن قبول القول، فإنّ حظ الكبائر في
هذا الباب إن لم يزد على حظ السخف والمجون والخلاعة لم ينقص عنه.
فإن قيل: أليس قد جوّز كثير من الناس على الاَنبياء : الكبائر مع أنّهم لم
ينفروا عن قبول أقوالهم والعمل بما شرعوه من الشرائع، وهذا ينقض قولكم: إنّ
الكبائر منفّرة.
قلنا: هذا سوَال من لم يفهم ما أوردناه، لاَنّا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق
وأن لا يقع امتثال الاَمر جملة، وانّما أردنا ما فسرناه من أنّ سكون النفس إلى
قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا يجوز ذلك
عليه وانّا مع تجويز الكبائر نكون أبعد عن قبول القول، كما أنّا مع الاَمان من
الكبائر نكون أقرب إلى القبول، وقد يقرب من الشيء ما لا يحصل الشيء عنده،
كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده.

ألا ترى أنّ عبوس الداعي للناس إلى طعامه وتضجّره وتبرّمه منفّر في
العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يقع ما ذكرناه الحضور والتناول ولا
يخرجه من أن يكون منفراً، وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسمه يقرب من
حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه، ولا يخرجه من
أن يكون مقرباً، فدل على أنّ المعتبر في باب المنفر والمقرب ما ذكرناه دون
وقوع الفعل المنفر عنه أو ارتفاعه.
فإن قيل: فهذا يقتضي أنّ الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة، فمن أين
يُعلم أنّها لا تقع منهم قبل النبوة، وقد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب والذم،
ولم يبق وجه يقتضي التنفير ؟
( 57 )
قلنا: الطريقة في الاَمرين واحدة، لاَنّا نعلم أنّ من نجوّز عليه الكفر
والكبائر في حال من الاَحوال وإن تاب منهما وخرج من استحقاق العقاب به لا
نسكن إلى قبول قوله مثل سكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من
الاَحوال ولا على وجه من الوجوه، ولهذا لا يكون حال الواعظ لنا، الداعي إلى
الله تعالى ونحن نعرفه مقارناً للكبائر مرتكباً لعظيم الذنوب وان كان قد فارق
جميع ذلك وتاب منه عندنا وفي نفوسنا، كحال من لم نعهد منه إلاّ النزاهة
والطهارة، ومعلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون
والنفور، ولهذا كثيراً ما يعيّر الناس من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها وان
وقعت التوبة منها ويجعلون ذلك عيباً ونقصاً وقادحاً وموَثراً، وليس إذا كان
تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضاً عن تجويزها في حال النبوة وناقصاً عن رتبته
في باب التنفير (ولاَجل ذلك) وجب أن لا يكون فيه شىء من التنفير، لاَنّ
الشيئين قد يشتركان في التنفير وإن كان أحدهما أقوى من صاحبه، ألا ترى أنّ
كثرة السخف والمجون والاستمرار عليه والانهماك فيها منفر لا محالة، وإنّ
القليل من السخف الذي لا يقع إلاّ في الاَحيان والاَوقات المتباعدة منفر أيضاً،
وان فارق الاَوّل في قوة التنفير ولم يخرجه نقصانه في هذا الباب عن الاَوّل من
أن يكون منفراً في نفسه.
فإن قيل: فمن أين قلتم إنّ الصغائر لا تجوز على الاَنبياء : في حال
النبوة وقبلها؟
قلنا: الطريقة في نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في
الحالتين عند التأمّل، لاَنّا كما نعلم أنّ من يجوز كونه فاعلاً لكبيرة متقدمة قد تاب
منها وأقلع عنها ولم يبق معه شيء من استحقاق عقابها وذمها، لا يكون سكوننا
إليه كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه، فكذلك نعلم انّ من نجوّز عليه الصغائر
من الاَنبياء : أن يكون مقدماً على القبائح مرتكباً للمعاصي في حال نبوته أو
( 58 )
قبلها وان وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن منه كل
القبائح ولا نجوّز عليه فعل شيء منها. (1)
إجابة عن سوَال آخر

ربما يقال: إنّ العقلاء يكتفون في تبليغ برامجهم التعليمية والتربوية بما
يغلب صدقه على كذبه، ويكفي في ذلك كون الرسول رجلاً صدوقاً عدلاً، ومن
المعلوم انّ الصدوق العادل ليس بمعصوم وليس صادقاً مائة بالمائة، وفي نهاية
الكمال، ولاَجل ذلك لا مانع من أن يكتفي سبحانه في تبليغ شرائع الاَنبياء بأفراد
صالحين يغلب حسنهم على قبحهم وثباتهم على زللهم.

هذا هو السوَال، وأمّا الجواب: فإنّ اكتفاء العقلاء بهذه الدرجة من الصلاح
والاستقامة، لاَجل وجهين:

إمّا لعدم تمكنهم من أفراد كاملين، وإمّا لاكتفائهم في تحقق أهدافهم على
الحد الخاص من الواقعية وكلا الاَمرين لا يناسب ساحته سبحانه، إذ في وسع
المولى سبحانه بعث رجال معصومين، وتحقيق أهدافه على الوجه الاَكمل.

يقول العلاّمة الطباطبائي في هذا الصدد: إنّ الناس يتسبّبون في أنواع
تبليغاتهم وأغراضهم الاجتماعية بالتبليغ بمن لا يخلو من قصور وتقصير في
التبليغ لكن ذلك منهم لاَحد أمرين لا يجوز في ما نحن فيه، لمكان المسامحة
منهم في الوصول إلى الاَهداف، فإنّ مقصودهم هو البلوغ إلى ما تيسر من
المطلوب والحصول على اليسير والغض عن الكثير، وهذا لا يليق بساحته
تعالى.
(2)ًّ
____________

1 . تنزيه الاَنبياء: 4 ـ 6.

2 . الميزان: 2|141.
( 59 )
ولاَجل هذه الوجوه العقلية نرى القرآن يصرح بعصمة الاَنبياء تارة،
ويشير إليها أحياناً حيث يصفهم بأنّهم مهديون لا يضلون أبداً، وإليك هذه الآيات
التي تعد من أجلى الشواهد القرآنية على عصمة الاَنبياء.
القرآن وعصمة الاَنبياء من المعصية

إنّه سبحانه يطرح في كتابه العزيز عصمة الاَنبياء ويصفهم بهذا الوصف،
ويشهد بذلك لفيف من الآيات:
الآية الاَُولى

قال سبحانه: (
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ
قَبْلُ وَمِنْ ذُرّيَّـتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلّ مِنَ الصّالِحينَ*
وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاً فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمينَ* وَمِنْ آبائِهِمْ
وَذُرّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَ اجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ ).
(1)

ثم إنّه يصف هذه الصفوة من عباده بقوله: (
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمينَ).
(2)

والآية الاَخيرة تصف الاَنبياء بأنّهم مهديون بهداية الله سبحانه على وجه
يجعلهم القدوة والاسوة.

هذا من جانب ومن جانب آخر نرى أنّه سبحانه يصرح بأنّ من شملته
الهداية الاِلهية لا مضل له ويقول: (
وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ* وَمَنْ يَهْدِ
____________

1 . الاَنعام: 84 ـ 88.

2 . الاَنعام:89- 90.