3 . الكشاف: 2|487 ـ 488.
لاِلقاء الكتاب عليه وإن كان الاستثناء متصلاً، وهذا الوجه بعيد أيضاً لكون
المستثنى منه محذوفاً مفهوماً من الجملة على خلاف الظاهر ، وإنّما يصار إليه إذا
لم يصح إرجاعه إلى نفس الجملة الواردة في نفس الآية كما سيبيّـن في الوجه
الثالث.

3. أن يكون "إلاّ" استثناء من الجملة السابقة عليه، أعني قوله: (
وما كنت
ترجوا) ويكون معناه: ما كنت ترجوا إلقاء الكتاب عليك إلاّ أن يرحمك الله
برحمة فينعم عليك بذلك، فتكون النتيجة: ما كنت ترجو إلاّ على هذا
(1)
فيكون هنا رجاءٌ منفي ورجاءٌ مثبت أمّا الاَوّل: فهو رجاوَه بحادثة نزول الكتاب
على نسج رجائه بالحوادث العادية، فلم يكن ذاك الرجاء موجوداً، وأمّا رجاوَه به
عن طريق الرحمة الاِلهية فكان موجوداً، فنفي أحد الرجاءين لا يستلزم نفي
الآخر، بل المنفي هو الاَوّل، والثابت هو الثاني، وهذا الوجه هو الظاهر المتبادر
من الآية، وقد سبق منّا أنّ جملة (
ما كنت) وما أشبهه تستعمل في نفي الاِمكان
والشأن، وعلى ذلك يكون معنى الجملة: لم تكن راجياً لاَن يلقى إليك الكتاب
وتكون طرفاً للوحي والخطاب إلاّ من جهة خاصة، وهي أن تقع في مظلة
رحمته وموضع عنايته فيختارك طرفاً لوحيه، ومخاطباً لكلامه وخطابه، فالنبي
بما هو إنسان عادي لم يكن راجياً لاَن ينزل إليه الوحي ويلقى إليه الكتاب، وبما
أنّه صار مشمولاً لرحمته وعنايته وصار إنساناً مثالياً قابلاً لتحمل المسوَولية
وتربية الاَُمّة، كان راجياً به، وعلى ذلك فالنفي والاِثبات غير واردين على موضع
واحد.

فقد خرجنا بفضل هذا البحث الضافي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إنساناً موَمناً موحداً
عابداً لله ساجداً له قائماً بالفرائض العقلية والشرعية، مجتنباً عن المحرمات،
عالماً بالكتاب، وموَمناً به إجمالاً، وراجياً لنزوله إليه إلى أن بُعثَ لاِنقاذ البشرية
____________

1 . مفاتيح الغيب: 6|498.