وهذه هي النقطة الحساسة في فهم مفاد الآية، وبالتالي دحض زعم
المخطّئة في جعلها ذريعة لعقيدتهم، ولو تبيّنت صلة الجملتين لاتّضح عدم
دلالتها على ما تتبنّاه تلك الطائفة.
فنقول: كانت الوثنية هي الدين السائد في الجزيرة العربية، وكانت العرب
تقدّس أوثانها وتعبد أصنامها، وتطلب منهم الحوائج، وتتقرب بعبادتها إلى الله
سبحانه هذا من جانب، ومن جانب آخر: جاء النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) داعياً إلى
التوحيد في مجالي الخلق والاَمر، وإلى حصر التقديس والعبادة في الله ، وأنّه لا
( 225 )
معبود سواه ولا شفيع إلاّ بإذنه، فأخذ بتحطيم الوثنية ورفض عبادة الاَصنام، وأنّها
أجسام بلا أرواح لا يملكون شيئاً من الشفاعة والمغفرة، ولا يقدرون على الدفاع
عن أنفسهم فضلاً عن عبدتهم، فصارت دعوته ثقيلة على قريش وأذنابهم، حتى
ثارت ثائرتهم على النبي الاَكرم، فقابلوا براهين النبي بالبذاءة والشغب والسب
والنسب المفتعلة، فوصفوه بأنّه كاهن وساحر، ومفتر وكذّاب، وقد أعربوا عن
نواياهم السيئة عندما رفعوا الشكوى إلى سيّد الاَباطح وقالوا: إنّ ابن أخيك قد
سبَّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامَنا وضلل آباءَنا، فإمّا أن تكفّه عنا وإمّا أن
تخلّـي بيننا وبينه.
(1)

ولمّا وقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على كلام قومه عن طريق عمّه أظهر صموده وثباته
في طريق رسالته بقوله: "يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في
يساري على أن أترك هذا الاَمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته" قال: ثم
استعبر فبكى، ثم قام. فلمّا ولى ناداه أبو طالب فقال: اقبل يابن أخي، قال: فأقبل
عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله ما أُسلّمك
لشيء أبداً".
(2)

فلمّـا وقفت قريش على صمود الرسول شرعوا بالموَامرة والتخطيط عليه
حتى قصدوا اغتياله في عقر داره، فنجّاه الله من أيديهم.

ولمّا استقرَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في يثرب واعتز بنصرة الاَنصار ومن حولها من
القبائل جرت بينه وبين قومه حروب طاحنة أدّت إلى قتل صناديد قريش وإراقة
دمائهم على وجه الاَرض في "بدر" و "أحد" ووقعة "الاَحزاب".
____________

1 . تاريخ الطبري: 2|65.

2 . السيرة النبوية لابن هشام: 1|285 من الطبعة الحديثة.
( 226 )
فهذه الحوادث الدامية عند قريش، المرّة في أذواقهم بما أنّها جرّت إلى
ذهاب كيانهم، وحدوث التفرقة في صفوفهم، والفتك بصناديدهم على يد النبي
الاَكرم، صوّرته في مخيلتهم وخزانة أذهانهم صورة إنسان مجرم مذنب قام في
وجه سادات قومه، فسب آلهتهم وعاب طريقتهم بالكهانة والسحر والكذب
والافتراء، ولم يكتف بذلك حتى شن عليهم الغارة والعدوان فصارت أرض
يثرب وما حولها، مجازر لقريش، ومذابح لاَسيادهم، فأيّ جرم أعظم من هذا،
وأي ذنب أكبر منه عند هوَلاء الجهلة الغفلة، الذين لا يعرفون الخيّـر من الشرير ،
والصديق من العدو، والمنجي من المهلك؟

فإذن ما هو الاَمر الذي يمكن أن يبرئه من هذه الذنوب ويرسم له صورة
ملكوتية فيها ملامح الصدق والصفاء، وعلائم العطف والحنان حتى تقف قريش
على خطئها وجهلها.

إنّ الاَمر الذي يمكن أن ينزّه ساحته من هذه الاَوهام والاَباطيل، ليست إلاّ
الواقعة التي تجلّت فيها عواطفه الكريمة، ونواياه الصالحة، حيث تصالح مع
قومه ـ الذين قصدوا الفتك به وقتله في داره، وأخرجوه من موطنه ومهاده ـ
بعطف ومرونة خاصة، حتى أثارت تعجب الحضّار من أصحابه ومخالفيه، حيث
تصالح معهم على أنّه "من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليّه ردَّه عليهم، ومن
جاء قريشاً ممّن مع محمد لم يردّوه عليه، وأنّه من أحب أن يدخل في عقد
محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل
فيه".
(1)

وهذا العطف الذي أبداه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه الواقعة مع كونه من القدرة
بمكان، وقريش في حالة الانحلال والضعف، صوّر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند قومه
____________

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2|317 ـ 318. ط2، 1375 هـ .
( 227 )
وأتباعه صورة إنسان مصلح يحب قومَه ويطلب صلاحهم ولا تروقه الحرب
والدمار والجدال فوقفوا على حقيقة الحال، وعضّوا الاَنامل على ما افتعلوا عليه
من النسب وندموا على ما فعلوا، فصاروا يميلون إلى الاِسلام زرافات ووحداناً،
فأسلم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، والتحقا بالنبي قبل أن يسيطر
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على مكة وحواليها.

إنّ هذه الواقعة التي لمس الكفار منها خلقه العظيم، رفع الستار الحديدي
الذي وضعه بعض أعدائه الاَلدّاء بينه وبين قومه، فعرفوا أنّ ما يرمى به نبيّ
العظمة ويوصف به بين أعدائه، كانت دعايات كاذبة وكان هو منزّهاً عنها، بل عن
الاَقل منها.

ولا تقصر عن هذه الواقعة، فتح مكة، فقد واجه قومه مرّة أُخرى ـ وهم في
هزيمة نكراء، ملتفون حوله في المسجد الحرام ـ فخاطبهم بقوله: "ماذا تقولون
وماذا تظنون؟!" فأجابوا: نقول خيراً ونظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم،
وقدرت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم
الراحمين" .
(1)

وهذا الفتح العظيم وقبله وقعة الحديبية أثبتا بوضوح أن النبي
الاَعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أكرم وأجل وأعظم من أن يكون كاهناً أو ساحراً، إذ الكاهن
والساحر أدون من أن يقوم بهذه الاَُمور الجليلة، كما أنّ لطفه العميم وخلقه
العظيم آية واضحة على أنّه رجل مثالي صدوق، لا يفتري ولا يكذب، وإنّ ما
جرى بينه وبين قومه من الحروب الدامية، كانت نتيجة شقاقهم وجدالهم
وموَامراتهم عليه، مرّة بعد أُخرى في موطنه ومهجره، فجعلوه في قفص الاتهام
____________

1 . المغازي للواقدي: 2|835؛ وبحار الاَنوار: 21|107 ـ 132.
( 228 )
أوّلاً، وواجهوا أنصاره وأعوانه بألوان التعذيب ثانياً، فقتل من قتل وأُوذي من
أُوذي، وضربوا عليه وعلى الموَمنين به، حصاراً اقتصادياً فمنعوهم من
ضروريات الحياة ثالثاً، وعمدوا إلى قتله في عقر داره رابعاً، ولولا جرائمهم
الفظيعة لما اخضرت الاَرض بدمائهم ولا لقي منهم بشيء يكرهه، فأصبحت
هذه الذنوب التي كانت تدّعيها قريش على النبي بعد وقعة الحديبية، أو فتح
مكة، أُسطورة خيالية قضت عليها سيرته في كل من الواقعتين من غير فرق بين
ما ألصقوا به قبل الهجرة أو بعدها، وعند ذلك يتضح مفاد الآيات كما يتضح
ارتباط الجملتين: الجزائية والشرطية، ولولا هذا الفتح كان النبي محبوساً في
قفص الاتهام، وقد كسرته هذه الواقعة، وعرّفته نزيهاً عن كل هذه التهم.

وعلى ذلك فالمقصود من الذنب ما كانت قريش تصفه به، كما أنّ المراد
من المغفرة، إذهاب آثار تلك النسب في المجتمع.

وإلى ما ذكرنا يشير مولانا الاِمام الرضا (عليه السلام) عندما سأله المأمون عن مفاد
الآية فقال: "لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)،
لاَنّهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنماً، فلمّـا جاءهم بالدعوة
إلى كلمة الاِخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: (
أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ
هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَ انْطَلَقَ الْمَلاَ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ
هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمَلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ )
(1)،
فلمّـا فتح اللهُ عزّ وجلّ على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة، قال له: يا محمد: (
إنّا فتحنا
لك (مكة) فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) عند مشركي
أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله عزّ وجلّ فيما تقدّم، وما تأخّر ، لاَنّ مشركي
____________

1 . ص: 5 ـ 7.
( 229 )
مكة، أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار
التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره
عليهم.

فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن.
(1)

وقد أشرنا في صدر البحث إلى اختلاف الروايات في المراد من الفتح
الوارد في الآية وقلنا بأنّ هذا الاختلاف لا يوَثر فيما نرتئيه، فلاحظ.
الآية الخامسة: العصمة والتولّـي عن الاَعمى

استدلّ المخالف لعصمة النبي الاَعظم بالعتاب الوارد في الآيات التالية:
(
عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الاَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ
الذِّكْرى * أَمّا مَنِ اسْتَغْنَى * فأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن
جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى)
(2)

روى المفسرون أنّ عبد الله بن أُمّ مكتوم الاَعمى أتى رسول الله وهو
يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأُبيّاً وأُمية
ابني خلف، يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم؛ فقال عبد الله : اقرئني وعلّمني
ممّا علّمك الله ، فجعل ينادي ويكرّر النداء ولا يدري أنّه مشتغل مقبل على غيره
حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول
هوَلاء الصناديد إنّما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فعبس (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعرض عنه،
وأقبل على القوم الذين يكلّمهم، فنزلت الآيات، وكان رسول الله بعد ذلك
يكرمه، وإذا رآه يقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي.
(3)ويقول: هل لك من
____________

1 . بحار الاَنوار : 17|90 .

2 . عبس: 1 ـ 10.

3 . أسباب النزول للواحدي: 252.
( 230 )
حاجة، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين.
(1)

وهناك وجه آخر لسبب النزول روي عن أئمّة أهل البيت :، وحاصله
أنّ الآية نزلت في رجل من بنى أُميّة كان عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فجاء ابن أُمّ مكتوم،
فلمّـا رآه تقذّر منه، وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله
سبحانه ذلك وأنكره عليه .
(2)

والاعتماد على الرواية الاَُولى مشكل، لاَنّ ظاهر الآيات عتاب لمن يقدم
الاَغنياء والمترفين، على الضعفاء والمساكين من الموَمنين، ويرجح أهل الدنيا
ويضع أهل الآخرة، وهذا لا ينطبق على النبي الاَعظم من جهات:
الاَُولى: انّه سبحانه حسب هذه الرواية وصفه بأنّه يتصدى للاَغنياء
ويتلهّى عن الفقراء، وليس هذا ينطبق على أخلاق النبي الواسعة وتحنّنه على
قومه وتعطّفه عليهم، كيف؟ وقد قال سبحانه: (
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُوَْمِنينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)
(3).
الثانية: انّه سبحانه وصف نبيّه في سورة القلم، وهي ثانية السور التي نزلت
في مكة (وأُولاها سورة العلق) بقوله: (
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)
(4) ومع ذلك
كيف يصفه بعد زمن قليل بخلافه، فأين هذا الخلق العظيم ممّا ورد في هذه
السورة من العبوسة والتولّـي؟ وهذه السورة حسب ترتيب النزول وان كانت
متأخرة عن سورة القلم، لكنّها متقاربة معها حسب النزول، ولم تكن هناك فاصلة
____________

1 . مجمع البيان: 10|437 وغيره من التفاسير.

2 . مجمع البيان: 10|437؛ تفسير القمي: 2|405.

3 . التوبة: 128.

4 . القلم: 4.
( 231 )
زمنية طويلة الاَمد.
(1)
الثالثة: انّه سبحانه يأمر نبيه بقوله: (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ * وَ اخْفِضْ
جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُوَْمِنِينَ )
(2)،كما يأمره أيضاً بقوله: (
وَ اخْفِضْ
جَنَاحَكَ لِلْمُوَْمِنينَ )
(3)، (
فَاصْدَعْ بِمَا تُوَْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)
(4).

إنّ سورتي الشعراء والحجر، وإن نزلتا بعد سورة "عبس" ، لكن تضافرت
الروايات على أنّ الآيات المذكورة في السورتين نزلت في بدء الدعوة، أي العام
الثالث من البعثة عندما أمره سبحانه بالجهر بالدعوة والاِصحار بالحقيقة، وعلى
ذلك فهي متقدمة حسب النزول على سورة "عبس" أويصح بعد هذه الخطابات،
أن يخالف النبي هذه الخطابات بالتولّـى عن الموَمن؟! كلاّ ثم كلاّ .
الرابعة: إنّ الرواية تشتمل على ما خطر في نفس النبي عند ورود ابن أُمّ
مكتوم من أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال في نفسه: "يقول هوَلاء الصناديد: إنّما أتباعه العميان
والسفلة والعبيد، فأعرض عنه وأقبل على القوم" وعندئذ يسأل عن كيفية وقوف
الراوي على ما خطر في نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فهل أخبر به النبي ؟ أو أنّه وقف عليه
من طريق آخر ؟!

والاَوّل بعيد جداً، والثاني مجهول.
الخامسة: أنّ الرواية تدلّ على أنّ النبي كان يناجي جماعة من المشركين،
وعند ذلك أتى عبد الله ابن أُمّ مكتوم وقال: يا رسول الله أقرئني، فهل كان
____________

1 . تاريخ القرآن للعلاّمة الزنجاني: 36 ـ 37، وقد نقل ترتيب نزول القرآن في مكة والمدينة معتمداً
على رواية محمد بن نعمان بن بشير التي نقلها ابن النديم في فهرسته ص 7 طبع مصر .

2 . الشعراء: 214 ـ 215.

3 . الحجر: 88.

4 . الحجر: 94.
( 232 )
إسكات ابن أُم مكتوم متوقفاً على العبوسة والتولّـي عنه، أو كان أمره بالسكوت
والاستمهال منه حتى يتم كلامه مع القوم، أمراً غير شاق على النبي، فلماذا ترك
هذا الطريق السهل؟

وهذه الوجوه الخمسة وإن أمكن الاعتذار عن بعضها بأنّ العبوسة
والتولّـي مرّة واحدة لا ينافي ما وصف به النبي في القرآن من الخلق العظيم
وغيره، لكن محصل هذه الوجوه يورث الشك في صحة الرواية ويسلب
الاعتماد عليها.

هذا كلّه حول الرواية الاَُولى.
وأمّا الرواية الثانية:

فهي لا تنطبق على ظاهر الآيات، لاَنّ محصلها أنّ رجلاً من بني أُمية كان
عند النبي فجاء ابن أُمّ مكتوم، فلمّـا رآه ذلك الرجل تقذّر منه وجمع نفسه،
وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه.

ولكن هذا المقدار المنقول في سبب النزول لا يكفي في توضيح الآيات،
ولا يرفع إبهامها، لاَنّ الظاهر أنّ العابس والمتولّـي، هو المخاطب بقول سبحانه:
(
وما يدريك لعله يزّكى) إلى قوله: (
فأنت عنه تلهّى )، فلو كان المتعبس
والمتولّـي، هو الفرد الاَموي، فيجب أن يكون هو المخاطب بالخطابات الستة لا
غيره، مع أنّ الرواية لا تدل على ذلك، بل غاية ما تدل عليه أنّ فرداً من الاَمويين
عبس وتولّـى عندما جاءه الاَعمى فقط، ولا تلقي الضوء على الخطابات الآتية
بعد الآيتين الاَُوليين وإنّـها إلى من تهدف، فهل تقصد ذاك الرجل الاَموي وهو
بعيد، أو النبي الاَكرم ؟

هذا هو القضاء بين السببين المرويين للنزول، وقد عرفت الاَسئلة
( 233 )
الموجهة إليهما.

وعلى فرض صحة الرواية الاَُولى لابدّ أن يقال:

إنّ الرواية إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان موضع
عنايته سبحانه ورعايته، فلم يكن مسوَولاً عن أفعاله وحركاته وسكناته فقط، بل
كان مسوَولاً حتى عن نظراته وانقباض ملامح وجهه، وانبساطها، فكانت
المسوَولية الملقاة على عاتقه من أشد المسوَوليات، وأثقلها صدق الله العلي
العظيم حيث يقول: (
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً )
(1).

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يناجي صناديد قومه وروَساءهم لينجيهم من الوثنية
ويهديهم إلى عبادة التوحيد، وكان لاِسلامهم يوم ذاك تأثير عميق في إيمان
غيرهم، إذ الناس على دين روَسائهم وأوليائهم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه
الظروف يناجي روَساء قومه إذ جاءه ابن أُم مكتوم غافلاً عمّـا عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
من الاَمر المهم، فلم يلتفت إليه النبي، وجرى على ما كان عليه من المذاكرة مع
أكابر قومه.

وما سلكه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن أمراً مذموماً عند العقلاء، ولا خروجاً على
طاعة الله ، ولكن الاِسلام دعاه وأرشده إلى خلق مثالي أعلى ممّـا سلكه، وهو أنّ
التصدي لهداية قوم يتصورون أنفسهم أغنياء عن الهداية، يجب أن لا يكون سبباً
للتولّـي عمّـن يسعى ويخشى، فهداية الرجل الساعي في طريق الحق، الخائف
من عذاب الله ، أولى من التصدي لقوم يتظاهرون بالاستغناء عن الهداية وعمّـا
أنزل إليك من الوحي، وما عليك بشيء إذا لم يزكّوا أنفسهم، لاَنّ القرآن تذكرة
فمن شاء ذكره (
فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)
(2).
____________

1 . المزمل: 5.

2 . الغاشية: 21 ـ 22.
( 234 )

فعظم المسوَولية اقتضى أن يعاتب الله سبحانه نبيّه لترك ما هو الاَولى
بحاله حتى يرشده إلى ما يعد من أفاضل ومحاسن الاَخلاق، وينبهه على عظم
حال الموَمن المسترشد، وأن تأليف الموَمن ليقيم على إيمانه، أولى من تأليف
المشرك طمعاً في إيمانه، ومن هذا حاله لا يعد عاصياً لاَمر الله ومخالفاً لطاعته.

وأمّا الرواية الثانية: فالظاهر أنّ الرواية نقلت غير كاملة، وكان لها ذيل
يصحح انطباق الخطابات الواردة في الآيات حقيقة على الشخص الذي عبس
وتولّـى، وعلى فرض كونها تامّة فالضمير الغائب في "عبس" و "تولّـى" و
"جاءه" يرجع إلى ذلك الفرد، وأمّا الخطابات فهي متوجهة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن
من وجه إليه الخطاب غير من قصد منه، فهو من مقولة: "إياك أعني واسمعي يا
جارة" ومثل هذا يعد من أساليب البلاغة، وفنون الكلام.
( 235 )
دين النبي الاَكرم قبل البعثة

دلّت الاَدلة العقلية والنقلية على عصمة الاَنبياء عامّة والنبي الاَكرم خاصة
إلاّ أنّ الحكم بعصمته قبل التشرف بالنبوة، يتوقف على إحراز تدينه بدين قبل أن
يبعث، وهذا ما نتلوه عليك في هذا البحث تكميلاً لعصمته (صلى الله عليه وآله وسلم).

من الموضوعات المهمة التي شغلت بال المحققين من أهل السير
والتاريخ موضوع دين النبي الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد اتفق جمهور المسلمين على
أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان على خط التوحيد منذ نعومة أظفاره إلى أن بُعث لهداية أُمّته، فلم
يسجد لصنم ولا وثن، وكان بعيداً عن الاَخلاق والعادات الجاهلية التي تستقي
جذورها من الوثنية، وإن اختلفوا في أنّه هل كان متعبداً بشريعة أحد من الاَنبياء
أو بشريعة نفسه، أو بما يلهم من الوظائف والتكاليف؟ وعلى ذلك فنركّز البحث
على نقطتين:
1. إيمانه وتوحيده قبل البعثة.

2. الشريعة التي كان يعمل بها في حياته الفردية والاجتماعية.

أمّا بالنسبة إلى النقطة الاَُولى: فقد كان النبي الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) على الدين
الحنيف لم يعدل عنه إلى غيره طرفة عين، وتظهر هذه الحقيقة بالتعرّف على
( 236 )
ملامح البيت الذي ولد فيه، وتربّى في أحضان رجاله فنقول:

كان النبي كريم المولد، شريف المحتد، ولد من أبوين كريمين موَمنين
بالله سبحانه وموحدين، وتربى في حضن جده عبد المطلب، وبعده في حجر
عمّه أبي طالب 8، وقد كان الدين السائد في ذلك البيت الرفيع، دين التوحيد،
ورفض عبادة غير الله تعالى والعمل بالمناسك والرسوم الواصلة إليه عن
إبراهيم(عليه السلام) .

لا أقول إنّ جميع من كان ينتمي إلى البيت الهاشمي كان على خط التوحيد
وعلى الشريعة الاِبراهيمية، إذ لا شك أنّ بعضهم كان يعبد الاَصنام، ويدافع عنها
كأبي لهب، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

بل أقول: الديانة السائدة في ذلك البيت هي عبادة الرحمن ورفض
الاَصنام والاَوثان.

ويتضح وضع هذا البيت ببيان ديانة أشياخه وأسياده وأخص بالذكر منهم
سيده الكبير "عبد المطلب" وشيخ الاَباطح "أبو طالب" ، وإليك الكلام في
ديانتهما:
1 . عبد المطلب وإيمانه

عبد المطلب هو الرجل الاَوّل في هذا البيت، وكفى في صفائه وإيمانه ما
ذكره الموَرّخون في حقه، وإليك بعضه:

1. يقول اليعقوبي في الحديث عنه: ... ورفض عبد المطلب عبادة الاَوثان
والاَصنام، ووحَّد الله عزّ وجلّ، ووفي بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن بأكثرها،
وجاءت السنّة الشريفة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بها، وهي الوفاء بالنذر ، ومائة من
( 237 )
الاِبل في الدية، وأن لا تنكح ذات محرم، ولا توَتى البيوت من ظهورها، وقطع يد
السارق، والنهي عن قتل الموَودة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحد عليه،
والقرعة، وأنّ لا يطوف أحد بالبيت عرياناً، وإضافة الضيف، وأن لا ينفقوا إذا
حجّوا إلاّ من طيب أموالهم، وتعظيم الاَشهر الحرم، ونفي ذوات الرايات.
(1)

2. إذا اطّلعنا على موقف عبد المطّلب من جيش إبرهة، وتوكّله على الله
تعالى، وأخذه بحلقة باب الكعبة، نعلم بأنّه كان الرجل الموحد الذي لا يلتجىَ
في المصائب والمكاره إلى غير كهف الله ، ولا يعرف إلاّ باب الله ، على عكس ما
كانت الوثنية عليه فإنّهم كانوا يستغيثون بالاَصنام المنصوبة حول الكعبة، وإليك
إجمال القضية:

قدم عبد المطلب إلى معسكر إبرهة، فلمّـا رآه إبرهة أجلّه وأكرمه، وبعدما
وقف الملك على أنّه جاء ليردّ عليه إبله التي استولى عليها عسكره، قال له إبرهة:
أتكلّمني في إبلك وتترك بيتاً، هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه؟! قال له
عبد المطلب: أنا ربُّ الاِبل، وللبيت ربّ يمنعه، قال إبرهة: ما كان يمنعه مني
وأمر برد إبله، فلمّـا أخذها قلّدها وجعلها هدياً وبثّها في الحرم كى يصاب منها
شيء فيغضب الله عزّ وجلّ، وانصرف عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم الخبر،
ثم قام فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه
على إبرهة وجنده، فقال عبد المطلب:
____________

1 . تاريخ اليعقوبي: 2|9، طبعة النجف. أقول: في عدّ بعض ما ذكر ذلك الموَرخ من سنن عبد المطلب
نظر: فإنّ لبعضها كالوفاء بالنذر، والنهي عن قتل المووَدة، والقرعة، سابقة تاريخية ترجع إلى
فترات قبله.
( 238 )
يا ربّ لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا
إنَّ عدوّ البيـت من عاداكا * امنعهــم أن يخربـوا فناكا

وقال أيضاً:
لا هُمَّ إنّ العبدَ يَمنع * رَحْلَه فامنع حِلالَكْ
لا يَغلِبَنَّ صَلِيبهم * ومِحالُهم غَدْوا مِحالَكْ (1)

3. وليست هذه الواقعة وحيدة من نوعها بل لسيد قريش مواقف أُخرى
تشبه هذه الواقعة حيث توسل لكشف غمته فيها بالله سبحانه وتعالى، وإليك
مثالين:
ألف. تتابعت على قريش سنون جدب، ذهبت بالاَموال، وأشرفت على
الاَنفس، واجتمعت قريش لعبد المطلب وعلوا جبل أبي قبيس ومعهم النبي
محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غلام، فتقدّم عبد المطلب وقال:

"لاهم
(2) هوَلاء عبيدك وإماوَك وبنو إمائك، وقد نزل بنا ما ترى ، وتتابعت علينا هذه السنون، فذهبت بالظلف والخف والحافر، فأشرفت على الاَنفس،
فأذهب عنّا الجدب، وائتنا بالحياء والخصب"، فما برحوا حتى سالت الاَودية،
وفي هذه الحالة تقول رقيقة:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا * وقد عدمنا الحيا واجلوذ المطر

إلى أن تقول:
____________

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1|50؛ الكامل لابن الاَثير: 1|12، وغيرهما.

2 . مخفّف "اللّهم".
( 239 )
مبارك الاسم يستسقى الغمام به * ما في الاَنام له عدل ولا خطر (1)

وقد نقل هذه الواقعة الشهرستاني في الملل والنحل قال: وممّا يدل على
معرفته (عبد المطلب) بحال الرسالة وشرف النبوّة أنّ أهل مكة لمّا أصابهم ذلك
الجدب العظيم وأمسك السحاب عنهم سنتين، أمر أبا طالب ابنه أن يحضر
المصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فأحضره وهو رضيع في قماط، فوضعه على يديه
واستقبل الكعبة ورماه إلى السماء، وقال يا ربّ بحق هذا الغلام ورماه ثانياً وثالثاً.
وكان يقول: بحق هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هطلا، فلم يلبث ساعة أن طبق
السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد.

وقال أيضاً: وببركة ذلك النور كان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم
والبغي، ويحثهم على مكارم الاَخلاق وينهاهم عن دنيّات الاَُمور، وان يقول في
وصاياه: إنّه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه وتصيبه عقوبة، إلى أن
هلك رجل ظلوم حتف أنفه لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب في ذلك، ففكر
وقال: والله انّ وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب
المسيء بإساءته.
(2)

إنّ توسّله بالله سبحانه وتوليه عن الاَصنام والاَوثان والتجاءه إلى ربّ
الاَرباب آية توحيده الخالص، وإيمانه بالله وعرفانه بالرسالة الخاتمة، وقداسة
صاحبها، فلو لم يكن له إلاّ هذه الوقائع لكفت في البرهنة على إيمانه بالله
وتوحيده له.
____________

1 . السيرة الحلبية: 1|131 ـ 133.

2 . الملل والنحل للشهرستاني: القسم الثاني: 248 و 249 من الطبعة الثانية، تخريج محمد بن فتح الله
بدران القاهرة.