2 . القصص: 40.

3. وأمّا الجملة الثالثة، أعني قوله: (
فاغفر لي فغفر له إنّه هو الغفور
الرحيم)، فليس طلب المغفرة دليلاً على صدور المعصية، لاَنّه بمعنى الستر،
والمراد منه إلغاء تبعة فعله وإنجاوَه من الغم وتخليصه من شر فرعون وملائه،
وقد عبر عنه سبحانه: (
وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً )
(2)، وقد
نجّاه سبحانه بإخبار رجل من آل فرعون عن الموَامرة عليه، فخرج من مصر
خائفاً يترقّب إلى أن وصل أرض مدين، فنزل دار شعيب، وقص عليه القصص،
وقال له شعيب: (
لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظالِمِين ) .
(3)

وبذلك غفر وستر عمله ونجاه سبحانه من أعين الفراعنة، ومكّن له
الورود إلى ماء مدين والنزول في دار أحد أنبيائه (عليهم السلام).

أضف إلى ذلك: أنّ قتل القبطي وإن لم يكن معصية ولكن كان المترقب
من موسى تركه وعدم اقترافه، فصدور مثله من موسى يناسب طلب المغفرة،
فإنّ حسنات الاَبرار سيئات المقربين، إذ ربّ عمل مباح لا يوَاخذ به الاِنسان
العادي ولكنّه يوَاخذ به الاِنسان العارف، فضلاً عن شخصية إلهية سوف تبعث
لمناضلة طاغية العصر ، فكان المناسب لساحتها هو الصبر والاستقامة في
حوادث الحياة، حلوها ومرّها، والفصل بين المتخاصمين بكلام ليّـن، وقد أمر به
عند ما بعث إلى فرعون فأمره سبحانه أن يقول له قولاً ليناً
(4)، وقد أوضحنا مفاد
هذه الكلمة عند البحث عن آدم وحواء إذ: (
قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ
____________

1 . لقمان: 13.

2 . طه: 40.

3 . القصص: 25.

4 . طه: 44.
( 160 )
لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ ) (1).

4. وأمّا قوله سبحانه: (
فعلتها إذاً وأنا من الضالين )، فالمراد من الضلال
هو الغفلة عمّا يترتب على العمل من العاقبة الوخيمة، ونسيانها، وليس ذلك أمراً
غريباً، فقد استعمل في هذين المعنيين في الذكر الحكيم، قال سبحانه: (
مِمَّن
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الا َُخْرَى )
(2)، فالمراد
نسيان أحد الشاهدين وغفلته عما شهد به، وقال سبحانه: (
ءَإِذَا ضَلَلْنَا فِي
الاََرْضِ ءَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ )
(3) أي إذا غبنا فيها.

قال في لسان العرب: الضلال: النسيان وفي التنزيل: (
مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاَُخْرَى )أي يغيب عن حفظها،
ومنه قوله تعالى: (
فعلتها إذاً وأنا من الضالين) وضللت الشيء: أنسيته. وأصل
الضلال: الغيبوبة يقال ضل الماء في اللبن إذا غاب، ومنه قوله تعالى: (
ءَإِذَا ضَلَلْنَا
فِي الاََرْضِ ءَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ )
(4).

وعلى الجملة: إنّ كليم الله يعترف بتلك الجملة عندما اعترض عليه
فرعون بقوله: (
وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) ويعتذر عنها
بقوله: (
فعلتها إذاً وأنا من الضالين )، والمناسب لمقام الاعتذار هو تفسير
الضلال بالغفلة عمّا يترتب على العمل من النتائج ونسيانها.
____________

1 . الاَعراف: 23.

2 . البقرة: 282.

3 . السجدة: 10.

4 . لسان العرب: 11|392ـ 393 ، مادة "ضل".
( 161 )
وحاصله: أنّه قد استولت عليّ الغفلة حين الاقتراف، وغاب عني ما
يترتب عليه من رد فعل ومر العاقبة، ففعلت ما فعلت.

ومن اللحن الواضح تفسير الضلالة بضد الهداية، كيف وانّ الله سبحانه
يصفه قبل أن يقترف القتل بقوله: (
آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ )
(1)، كما أنّ نفس موسى بعد ما طلب المغفرة واستشعر إجابة دعائه
قال: (
رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ )
(2)، أفيصح بعد هذا
تفسير الضلالة بالغواية ضد الهداية؟! كلا و لا.

هذا كلّه حول المستمسك الاَوّل، أعني: قتل القبطي، فهلم معي ندرس
المستمسك الثاني للخصم من اتهام كليم الله الاَعظم، عليه وعلى جميع رسل
الله آلاف الثناء والتحية، بعدم العصمة.
ب. مشاجرته أخاه هارون (عليه السلام)

إنّ الله سبحانه واعد موسى ـ بعد أن أغرق فرعون ـ بأن يأتي جانب الطور
الاَيمن فيوفيه التوراة التي فيها بيان الشرائع والاَحكام وما يحتاج إليه، وكانت
المواعدة على أن يوافي الميعاد مع جماعة من وجوه قومه، فتعجّل موسى من
بينهم شوقاً إلى ربّه وسبقهم على أن يلحقوا به، ولمّا خاطبه سبحانه بقوله: (
وما
أعجلك عن قومك يا موسى) أجابه بأنّهم (
على أثري)وورائي يدركونني عن
قريب، وعند ذلك أخبره سبحانه بأنّه امتحن قومه بعد فراقه (
وأضلّهم
السامري) ، فرجع موسى من الميقات إلى بني إسرائيل حزيناً مغضباً، فرأى أنّ
____________

1 . القصص: 14.

2 . القصص: 17.
( 162 )
السامرى (أخرج لهم عجلاً) جسداً له صوت، وقال: إنّه إله بني إسرائيل عامة،
وتبعه السفلة والعوام، واستقبل موسى هارون فألقى الاَلواح وأخذ يعاتب هارون
ويناقشه، وهذا ما يحكيه سبحانه في سورتين ويقول: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى
قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى
الاََلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوْا
يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِىَ الاَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) . (1)
ويقول سبحانه: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفَاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ
يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ
مِن رَبِّكُمْ فَأَخَلَفْتُمْ مَوْعِدِي * ... قَالَ يَا هارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ
تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَوَُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ
تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (2). فهاهنا يطرح سوَالان:

1. لماذا ألقى الاَلواح؟

2. لماذا ناقش أخاه وقد قام بوظيفته؟

وإليك تحليل السوَالين بعد بيان مقدمة وهي:

إنّ موسى قد خلف هارون عندما ذهب إلى الميقات، وقد حكاه سبحانه
بقوله: (
وَقَالَ مُوسَى لاَِخِيهِ هَارُونَ اخُلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ
الْمُفْسِدِينَ )
(3). وقام هارون بوظيفته في قومه، فعند ما أضلّهم السامري
ناظرهم بقوله: (
يا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا
أَمْرِي)
(4) واكتفى في ذلك بالبيان واللوم ولم يقم في وجههم بالضرب والتأديب
وقد بيّنه لاَخيه بقوله: (
إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ
____________

1 . الاَعراف: 150.

2 . طه: 86، 92 ـ 94.

3 . الاَعراف: 142.

4 . طه: 90.
( 163 )
قَوْلِي ) .

هذا ما يخص هارون، وأمّا ما يرجع إلى موسى، فقد أخبره سبحانه عن
إضلال السامري قومه بقوله: (
فَإنَّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريُّ)
(1) ، ورجع إلى قومه غضبان أسفاً وخاطبهم بقوله: (
بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ
بَعْدِي أَعَجَلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكمْ )وقال أيضاً: (
أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ
عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ ) . وفي هذا الظرف العصيب أظهر كليم الله غضبه بإنجاز عملين:

1. إلقاء الاَلواح جانباً.

2. مناقشته أخاه بقوله: (
مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ
أَمْرِي ) ، فعند ذلك يطرح السوَالان نفسهما:

لماذا ألقى الاَلواح أوّلاً ؟ ولماذا ناقش أخاه وناظره وقد قام بوظيفته ثانياً؟
فنقول:

لا شك أنّ ما اقترفه بنو إسرائيل من عبادة العجل كان من أقبح الاَعمال
وأفظعها، كيف؟! وقد أهلك الله عدوهم وأورثهم أرضهم، فكان المترقب منهم
هو الثبات على طريق التوحيد ومكافحة ألوان الشرك ـ ومع الاَسف ـ فإنّهم
كفروا بعظيم النعمة، وتركوا عبادته سبحانه، وانخرطوا في سلك الثنوية مع
الجهل بقبح عملهم وفظاعة فعلهم.

إنّ أُمّة الكليم وإن كانت غافلة عن مدى قبح عملهم، لكن سيدهم
ورسولهم كان واقفاً على خطورة الموقف وتعدّي الاَُمّة، فاستشعر بأنّه لو لم
يكافحهم بالعنف والشدة ولم يقم في وجههم بالاستنكار مع إبراز التأسف
والغضب، فربّما تمادى القوم في غيّهم وضلالهم وحسبوا أنّهم لم يقترفوا إلاّ ذنباً
خفيفاً أو مخالفة صغيرة ولم يعلموا أنّهم حتى ولو رجعوا إلى الطريق المهيع،
____________

1 . طه: 85.
( 164 )
واتّبعوا جادة التوحيد ربّما بقيت رواسب الشرك في أغوار أذهانهم، فلأجل
إيقافهم على فظاعة العمل، قام في مجال الاِصلاح مثل المدير الذي يواجه
الفساد فجأة في مديريته ولا يعلم من أين تسرب إليها.

فأوّل ما يبادر إليه هو مواجهة القائم مقامه الذي خلفه في مكانه، وأدلى
إليه مفاتيح الاَُمور، فإذا ثبتت براءته ونزاهته وأنّه قام بوظيفته خير قيام حسب
تشخيصه ومدى طاقته، تركه حتى يقف على جذور الاَمر والاَسباب الواقعية
التي أدت إلى الفساد والانهيار .

وهكذا قام الكليم بمعالجة القضية، وعالج الواقعة المدهشة التي لو بقيت
على حالها، لانتهت إلى تسرب الشرك إلى عامة بني إسرائيل وذهب جهده طوال
السنين سدى، فأوّل رد فعل أبداه، أنّه واجه أخاه القائم مقامه في غيبته، بالشدة
والعنف حتى يقف الباقون على خطورة الموقف، فأخذ بلحيته ورأسه مهيمناً
عليه متسائلاً بأنّه لماذا تسرب الشرك إلى قومه مع كونه فيهم؟! ولمّا تبيّنت براءته
وأنّه أدّى وظيفته كما يحكيه عنه سبحانه بقوله: (
إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا
يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الاَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )اندفع إليه
بعطف وحنان ودعا له فقال: (
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلاَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )
(1). انّ طلب المغفرة لنفسه وأخيه لا يدل على صدور أي
خلاف منهما، فإنّ الاَنبياء والاَولياء لاستشعارهم بخطورة الموقف وعظمة
المسوَولية، ما زالوا يطلبون غفران الله ورحمته لعلو درجاتهم كما هو واضح
لمن تتبع أحوالهم، وسيوافيك بيانه عند البحث عن عصمة النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

وبعدما تبيّـن انّ السبب الواقعي لتسرب الشرك إلى قومه هو السامري
وتبعه السفلة والعوام، أخذ بتنبيههم بقوارع الخطاب وعواصف الكلام بما هو
____________

1 . الاَعراف: 151.
( 165 )
مذكور في سورتي الاَعراف وطه نكتفي ببعضها حيث خاطب عبدة العجل
بقوله:(إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ
الْدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) (1).

ولمّا واجه السامري خاطبه بقوله: (
فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِريُّ * قَالَ بَصُرْتُ
بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الْرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي
نَفْسِي* قَالَ فَاذْهَبْ فِإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ
تُخْلَفَهُ وَ انْظُرْ إِلَى إِلَـهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ
نَسْفَاً * إِنَّمَا إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً )
(2).

وبما ذكرنا يعلم أنّه لماذا ألقى الاَلواح وتركها جانباً؟ فلم يكن ذاك العمل
إلاّ كرد فعل على عملهم القبيح وفعلهم الفظيع إلى حد استولى الغضب على
موسى فألقى الاَلواح التي ظل أربعين يوماً في الميقات لتلقّيها حتى يحاسب
القوم حسابهم ويقفوا على أنّهم أتوا بأعظم الجرائم وأكبر المعاصي.
____________

1 . الاَعراف: 152.

2 . طه: 95 ـ 98.
( 166 )
6
عصمة داود (عليه السلام) وقضاوَه في النعجة

قد وصف سبحانه داود النبي (عليه السلام) بأسمى ما توصف به الشخصية المثالية،
قال سبحانه: (
واذكر عَبدنا داود ذا الاَيد انّه أوّاب ).

وقد ذكر ملكه وسلطنته على الجبال والطيور على وجه يمثل أقوى طاقة
نالها البشر طيلة استخلافه على الاَرض.

قال سبحانه: (
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِىِّ وَ الاِشْراقِ * وَ
الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ
الْخِطَابِ)
(1).

فقد أخبر في الآية الاَخيرة بأنّه أُوتي الحكمة وفصل الخطاب، الذي يعد
القضاء الصحيح بين المتخاصمين من فروعه وجزئياته.

ثم انّه سبحانه ينقل بعده قضاءه في "نبأ الخصم" ويقول:

(
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الِْمحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوْا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ
مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ
تُشْطِطْ وَ اهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ
نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُوََالِ
____________

1 . ص: 18 ـ 20.
( 167 )
نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَليلٌ مَاهُمْ وَظَّنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ
رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرَنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَي وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُدُ إنّا
جَعَلْناكَ خَلِيَفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ
عَنْ سَبيِلِ اللهِ ) (1).

لقد تمسكت المخطّئة لعصمة الاَنبياء بقوله تعالى: (
فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ
رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرَنَا لَهُ ذَلِكَ) حيث إنّ الاستغفار وغفرانه سبحانه له، آية
صدور الذنب .

والاِجابة عن هذا الاستدلال تحتاج إلى بيان مفردات الآية وإيضاح القصة
فنقول:

إنّ تفسير الآية يتم ببيان عدة أُمور :

1. توضيح مفرداتها.

2. إيضاح القصة .

3. هل الخصمان كانا من جنس البشر ؟

4. لماذا استغفر داود، وهل كان استغفاره للذنب أو لاَجل ترك الاَولى؟

وإليك بيان هذه الاَُمور:
1. توضيح المفردات

"الخصم": مصدر "الخصومة"، أُريد به الشخصان.
____________

1 . ص: 21 ـ 26.
( 168 )
"التسوّر": الارتقاء إلى أعلى السور ، وهو ما كان حائطاً، "كالتسنم" بمعنى
الارتقاء إلى أسنام البعير، و "التذري" بمعنى الارتقاء إلى ذروة الجبال، والمراد
من المحراب في الآية الغرفة.

"الفزع": انقباض ونفار يعتري الاِنسان من الشيء المخيف، وهو من
جنس الجزع.

"الشطط": الجور .

"النعجة": الاَُنثى من الضأن.

والمراد من قوله: "اكفلنيها": اجعلها في كفالتي وتحت سلطتي، ومن قوله
"عزني في الخطاب": انّه غلبني فيه.

هذا كله راجع إلى توضيح مفردات الآية.
2. إيضاح القصة

كان داود (عليه السلام) جالساً في غرفته إذ دخل عليه شخصان بغير إذنه، وكانا
أخوين يملك أحدهما تسعاً وتسعين نعجة ويملك الآخر نعجة واحدة، وطلب
الاَوّل من أخيه أن يعطيه النعجة التي تحت يده، مدعياً كونه محقاً فيما يقترحه
على أخيه، وقد ألقى صاحب النعجة الواحدة كلامه على وجه هيّج رحمة النبي
داود وعطفه.

فقضى (عليه السلام) طبقاً لكلام المدعي من دون الاستماع إلى كلام المدعى عليه،
وقال: (
لقد ظلمك بسوَال نعجتك إلى نعاجه ).

ولما تنبّه أنّ ما صدر منه كان غير لائق بساحته، وانّ رفع الشكوى إليه كان
فتنة وامتحاناً منه سبحانه بالنسبة إليه (
فاستغفر ربّه وخر راكعاً وأناب ).
( 169 )
3. هل الخصمان كانا من جنس البشر ؟

إنّ القرائن الحافة بالآية تشعر بأنّ الخصمين لم يكونا من جنس البشر ،
وهذه القرائن عبارة عن:

1. تسوّرهم المحراب ودخولهم عليه دخولاً غير عادي مع أنّ طبع الحال
يقتضي أن يكون محرابه محفوفاً بالحرس ولا أقل بمن يطلعه على الاَمر ، فلو
كان الدخول بإذنهم كان داود (عليه السلام)مطّلعاً عليه ولم يكن هناك أيّ فزع.

2. خطاب الخصمين لداود (عليه السلام) بقولهم: (
لا تخف)مع أنّ هذا الخطاب لا
يصح أن تخاطب به الرعية الراعي، وطبيعة الحال تقتضي أن يخاطب به الراعي
الرعية.

3. انّ خطابهما لداود بما جاء في الآية، أشبه بخطاب ضيف إبراهيم له(عليه السلام) ،
يقول سبحانه: (
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ إِنَّا
مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ )
(1)، ويقول سبحانه:
(
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ) .
(2)

4. تنبهه (عليه السلام) بأنّه كان فتنة من الله له وامتحاناً منه، وهي تشعر بأنّ الواقعة لم
تكن عادية، وهذا يناسب كون الدعوى مطروحة من جانبه سبحانه عن طريق
الملائكة.

5. انّ الهدف من طرح تلك الواقعة كان لغاية تسديده في خلافته وحكمه
بين الناس حتى يمارس القضاء بالنحو اللائق بساحته ولا يغفل عن التثبت
____________

1 . الحجر: 51 ـ 53.

2 . الذاريات: 28.
( 170 )
ولاَجل ذلك خاطبه سبحانه بعد قضائه في ذلك المورد بقوله: (يا داود إنّا
جعلناك خليفة في الاَرْضِ فاحكم بين الناس بالحق) كل ذلك يوَيد كون
الخصمين من الملائكة تمثّلوا له بصورة رجلين من الاِنس.

نعم كانت القصة وطرح الشكوى عنده أمراً حقيقياً كقصة ضيف إبراهيم
عليه الصلاة والسلام لا بصورة الروَيا وما أشبهها.
4 . كون الاستغفار لاَجل ترك الاَولى

استدلت المخطّئة باستغفاره وإنابته إلى الله ، على صدور ذنب منه ولكنّه
لا يدل على ذلك:
أمّا أوّلاً: انّ قضاءه لم يكن قضاء باتاً خاتماً للشكوى، بل كان قضاء على
فرض السوَال، وإنّ من يملك تسعاً وتسعين نعجة ولا يقتنع بها ويريد ضم
نعجة أخيه إليها، ظالم لاَخيه، وكان المجال بعد ذلك بالنسبة إلى المعترض
مفتوحاً وإن كان الاَولى والاَليق بساحته هو أنّه إذا سمع الدعوى من أحد
الخصمين، أن يسأل الآخر عمّا عنده فيها ولا يتسرع في القضاء ولو بالنحو
التقديري.

وإنّما بادر إليه لاَنّه (عليه السلام) فوجىَ بالقضية ودخل عليه المتخاصمان بصورة
غير عادية فلم يظهر منه التثبت اللائق به.

ولمّا تنبّه إلى ذلك وعرف أنّ ما وقع، كان فتنة وامتحاناً من الله بالنسبة إليه
(
استغفر ربّه وخر راكعاً وأناب)تداركاً لما صدر منه ممّا كان الاَولى تركه، أوّلاً،
وشكراً وتعظيماً لنعمة التنبّه الذي نال به فوراً بعد الزلّة، ثانياً.
وثانياً: انّ من الممكن أن يكون قضاوَه قبل سماع كلام المدّعى عليه،
لاَجل انكشاف الواقع له بطريق من الطرق وانّ الحق مع المدّعي، فقضى بلا
( 171 )
استماع لكلام المدّعى عليه، نعم الاَولى له حتى في هذه الصورة ترك التسرع في
إصدار الحكم، والقضاء بعد الاستماع، ولمّا ترك ما هو الاَولى بحاله استغفر
لذلك، وقد تكرر منا أنّ ترك الاَولى من الاَنبياء ذنب نسبي وإن لم يكن ذنباً على
وجه الاِطلاق.
وثالثاً: لما كانت الشكوى مرفوعة إليه من قبل الملائكة، ولم يكن ذلك
الظرف ظرف التكليف، كانت خطيئة داود في ظرف لا تكليف هناك، كما أنّ
خطيئة آدم (عليه السلام) كانت في الجنة ولم تكن الجنّة دار تكليف، ومع ذلك كلّه لمّا كان
التسرع في القضاء بهذا الوجه أمراً مرغوباً عنه، استغفر داود وأناب إلى الله
استشعاراً بخطر المسوَولية بحيث يعد ترك الاَولى منه ذنباً يحتاج إلى الاستغفار.

نعم قد وردت في التفاسير أحاديث في تفسير الآية لا يشك ذو مسكة من
العقل أنّها إسرائيليات تسربت إلى الاَُمّة الاِسلامية عن طريق أحبار اليهود
ورهبان المسيحية، فالاَولى الضرب عنها صفحاً، وسياق الآيات يكشف عن أنّ
زلته لم تكن إلاّ في أمر القضاء فقط لا ما تدّعيه جهلة الاَحبار من ابتلائه بما
يخجل القلم عن ذكره، ولاَجله يقول الاِمام علي (عليه السلام) في حق من وضع هذه
الترهات أو نسبها إلى النبي داود (عليه السلام) : "لا أُوتى برجل يزعم أنّ داود تزوج امرأة
"أُوريا" إلاّ جلدته حدّين: حدّاً للنبوة وحدّاً للاِسلام" .
(1)
____________

1 . مجمع البيان: 4|472. ط. المكتبة العلمية الاِسلامية ـ طهران.
( 172 )
7
عصمة سليمان (عليه السلام)
ومسألة عرض الصافنات الجياد وطلب الملك

إنّ سليمان النبي (عليه السلام) أحد الاَنبياء وقد ملك من القدرة أروعها ومن
السيطرة والسطوة أطولها، وآتاه الله الحكم والحلم والعلم، قال سبحانه: (
وَلَقَدْ
آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً )
(1)، وقال عز من قائل: (
وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمَاً
وَعِلْمَاً)
(2)، وعلّمه منطق الطير قال سبحانه: (
يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ
الطَّيْرِ)
(3)، ووصف الله قدرته بقوله: (
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ
الاَنْسِ وَ الطَّيْرِ)
(4)، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في توصيف قدرته وسعة
علمه وعلو درجاته.

روى أصحاب السير: كان سليمان صلى الصلاة الاَُولى، وقعد على كرسيه
والخيل تعرض عليه حتى غابت الشمس. فقال: "آثرت حبَّ الخيل على ذكر
ربّي، وأنّ هذه الخيل شغلتني عن صلاة العصر" فأمر برد الخيل فأخذ يضرب
سوقها وأعناقها، لاَنّها كانت سبب فوت صلاته.
(5)
____________

1 . النمل: 15.

2 . الاَنبياء: 79.

3 . النمل: 16.

4 . النمل: 17.

5 . تفسير الطبري: 23|99 ـ 100؛ الدر المنثور : 5|309.
( 173 )
وفي بعض التفاسير أنّ المراد من "ردّوها" هو طلب رد الشمس عليه،
فردّت فصلّـى العصر.(1)
ويدّعي بعض هوَلاء أنّ ما ساقوه من القصة تدل عليه الآيات التالية، أعني
قوله سبحانه: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدِ إِنَّهُ أوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ
بِالْعَشِىِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبّي حَتَّى
تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحَاً بِالسُّوقِ وَالاَعْنَاقِ ) (2).

فهل لما ذكروه مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، أو أنّ الآيات تهدف
إلى أمرٍ آخر خفي على هوَلاء، وأنّهم أخذوا ما ذكروه من علماء أهل الكتاب، كما
سيوافيك بيانه؟

ونقد هذه القصة المزعومة يتوقف على توضيح مفاد الآيات حتى يقف
القارىَ على أنّـها من قبيل التفسير بالرأي، الممنوع، ومن تلفيقات علماء أهل
الكتاب التي حمّلت على القرآن وهو بريء منها.
أقول:

1. (
الصافنات ): جمع "الصافنة"، وهي الخيل الواقفة على ثلاث قوائم،
الواضعة طرف السنبك الرابع على الاَرض حتى يكون على طرف الحافر.

2. (
الجياد ): جمع "الجواد" ،وهي السراع من الخيل، كأنّها تجود
بالركض.

3. (
الخير ): ضد "الشر"، وقد يطلق على المال كما في قوله سبحانه: (
إنْ
تَرَكَ خَيراً )
(3)، والمراد منه هنا هي "الخيل"، والعرب تسمّي الخيل خيراً،
____________

1 . مجمع البيان ناسباً إلى "القيل": 4|475.

2 . ص: 30 ـ 33.

3 . البقرة: 180.
( 174 )
وسمّى النبيُّ زيد الخيل بـ "زيد الخير" وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "الخير معقود بنواصىى
الخيل إلى يوم القيامة" وكيف لا يكون خيراً، وهو لم يزل يعد وسيلة الحياة في
عامة الحضارات.

4.
"الحب": ضد البغض، قال في اللسان: أحببته وحببته بمعنى واحد.

5. (
حب الخير ): بدل عن المفعول المحذوف، وتقديره إنّي أحببت
الخيل حبَّ الخير ، ويريد أنّ حبي للخيل نفس الحب للخير، لاَنّ الخيل كما
عرفت وسيلة نجاح الاِنسان في حياته الفردية والاجتماعية، خصوصاً عند
الجهاد مع العدو والهجوم عليه، ويحتمل أن يكون (
حب الخير) مفعولاً لا بدلاً
عن المفعول.

6. (
عن ذكر ربّي ): بيان لمنشأ حبّه للخير وسببه، وأنّ حبه له ناش عن
ذكر ربّه.

وتقدير الجملة: أحببت الخير حبّاً ناشئاً عن ذكر الله سبحانه وأمره، حيث
أمر عباده المخلصين بالاِعداد للجهاد ومكافحة الشرك وقلع الفساد بالسيف
والخيل، ولاَجل ذلك قمت بعرض الخيل، كل ذلك امتثالاً لاَمره سبحانه لا إجابة
لدعوة الغرائز التي لا يخلو منها إنسان كما أشار إليه سبحانه بقوله: (
زُيّنَ للِنَّاسِ
حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ و الْبَنِينَ وَ الْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ
وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالاَنْعَامِ والْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ
المَآبِ )
(1).
____________

1 . آل عمران: 14.
( 175 )
ويجد نظير تلك الدعوة في الذكر الحكيم، قال سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا
اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَِمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ) (1).

7. فاعل الفعل في قوله: (
حتى توارت بالحجاب)أي الصافنات الجياد
والمقصود: إنّ الخيل أخذت بالركض حتى غابت عن بصره.

8. انّ الضمير في قوله: (
ردّوها )يرجع إلى الخيل التي تدل عليها
الصافنات الجياد، والمقصود أنّه أمر بردّها عليه بعدما غابت عن بصره.

9. وعند ذلك يطرح السوَال، وهو: أنّه لماذا أمر بالرد، وما كان الهدف منه؟
فبيّنه بقوله: (
فطفق مسحاً بالسوق والاَعناق )أي شرع بمسح أعراف خيله
وعراقيبها بيده تقديراً لركابها ومربيها الذين قاموا بواجبهم بإعداد وسائل الجهاد.

إلى هنا اتضح مفاد مفردات الآية وجملها، وعلى هذا تكون الآيات هادفة
إلى تصوير عرض عسكري قام به أحد الاَنبياء ذوي السلطة والقدرة في أيّام
ملكه وقدرته.

وحاصله: انّ سليمان النبي (الذي أشار القرآن إلى ملكه وقدرته وسطوته
وسيطرته على جنوده من الاِنس والجن وتعرّفه على منطق الطير، إلى غير ذلك
من صنوف قدرته وعظمته التي خصصها به بين الاَنبياء) قام في عشية يوم
بعرض عسكري، وقد ركب جنوده من الخيل السراع، فأخذت تركض من بين
يديه إلى أنْ غابت عن بصره، فأمر أصحابه بردّها عليه، حتّى إذا ما وصلت إليه
قام تقديراً لجهودهم بمسح أعناق الخيل وعراقيبها.
____________

1 . الاَنفال: 60.
( 176 )
ولم يكن قيامه بهذا العمل صادراً عنه لجهة إظهار القدرة والسطوة أو
للبطر والشهوة، بل إطاعة لاَمره سبحانه وذكره حتى يقف الموحدون على
وظائفهم، ويستعدوا للكفاح والنضال ما تمكنوا، ويهيّئوا الاَدوات اللازمة في
هذا المجال.(1)

وهذا هو الذي تهدف إليه الآيات وينطبق عليها انطباقاً واضحاً، فهلّم معي
ندرس المعنى الذي فرض على الآيات، وهي بعيدة عن تحمّله وبريئة منه.
نقد التفسير المفروض على القرآن

إنّ في نفس الآيات قرائن وشواهد تدل على بطلان القصة التي اتخذت
تفسيراً للآيات، وإليك بيانها:

1. انّ الذكر الحكيم يذكر القصة بالثناء على سليمان ويقول: (
وَوَهَبْنَا
لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدِ إِنَّهُ أوَّابٌ)فاسلوب البلاغة يقتضي أن لا يذكر بعده ما
يناقضه ويضادّه، فأين وصفه بحسن العبودية والرجوع إلى الله في أُمور دينه
ودنياه، من انشغاله بعرض الخيل وغفلته عن الصلاة المفروضة عليه؟!

ولو فرضت صحة الواقعة، فلازم البلاغة ذكرها في محل آخر، لا ذكرها
بعد المدح والثناء المذكورين في الآية.

2. انّما يصح حمل قوله: (
أحببت حب الخير عن ذكر ربّي) على ما جاء
في القصة إذا تضمن الفعل (
أحببت)معنى الترجيح والاختيار ، والتقدير أي
أحببت حب الخير مقدّماً إيّاه على ذكر ربّي ومختاراً إيّاه عليه، وهو يحتاج إلى
____________

1 . وقد اختار هذا التفسير السيد المرتضى في تنزيه الاَنبياء: 95 ـ 97، والرازي في مفاتيح الغيب:
7|136، والمجلسي في البحار: 14|103 ـ 104 من الطبعة الحديثة.
( 177 )
الدليل.

3. ولو قلنا بالتضمين، فيجب أن يقال مكان (
عن ذكر ربّي) "على ذكر
ربي"، أي أحببت حب الخير واخترته على ذكر الله ، كما في قوله سبحانه:
(
فَاسْتَحَبُّوا العَمَى على الهُدَى )
(1)، وقوله تعالى: (
إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى
الاِيمان )
(2).

4. انّ ضمير الفعل في قوله تعالى: (
توارت) يرجع إلى الصافنات
المذكورة في الآية، وعلى التفسير المفروض يرجع إلى الشمس، وليست
مذكورة في الآية، ودلالة لفظ (
بالعشي) عليها ضعيفة جداً.

5. الضمير في قوله: (
ردّوها )_ على المختار ـ يرجع إلى الصافنات، وعلى
التفسير المفروض يرجع إلى الشمس، وهي غير مذكورة.

6. انّ الخطاب في قوله: (
ردّوها) على المختار متوجه إلى روَساء الجنود
وهو واقع موقعه، وعلى التفسير المنقول عن بعضهم
(3)يكون متوجهاً إلى
الملائكة، وهو لا يناسب، إلاّ كونه منه سبحانه لعلوّه واستعلائه، لا من مثل
سليمان بالنسبة إليهم.

7. لا شك أنّ للصفوة من عباده سبحانه ولاية تكوينية ومقدرة موهوبة
على التصرّف في الكون بإذنه سبحانه، لغايات مقدّسة لاِثبات نبوّتهم وكونهم
مبعوثين من الله سبحانه لهداية عباده، وتدلّ عليها آيات كثيرة تعرضنا لبعضها
في كتابنا مفاهيم القرآن
(4). ولم يكن المقام هنا مناسباً للتحدّي حتى يتوصل إلى
____________

1 . فصلت: 17.

2 . التوبة: 23.

3 . نسبه الطبرسي إلى "القيل" كما مرَّ .

4 . لاحظ الجزء الاَول: 444 ـ 446.
( 178 )
الاِعجاز والتصرّف في الكون بالاَمر برد الشمس، فإنّ الصلاة الفائتة لو كانت
مفروضة فجبرانها بقضائها، ولو كانت مسنونة فلا إشكال في فوتها، فلم يكن
هناك لزوم للتصرّف في الكون وأمر ملائكة الله بردّها حتى يأتى بالصلاة
المسنونة.

8. لو كان المراد من (
ردّوها) طلب رد الشمس من ملائكته سبحانه،
فاللازم أن يذكر الغاية من ردّها بأن يقول: حتى أتوضّأ وأُصلي، وليس لهذا ذكر
في الآية، بل المذكور قوله: (
فطفق مسحاً بالسوق والاَعناق )، وهذا يعرب عن
أنّ الغاية المترتبة على الرد هي مسح السوق والاَعناق، لا التوضّوَ والصلاة.

9. انّ تفسير المسح بالقطع، تفسير بلا دليل، إذ المتبادر من المسح هو
إمرار اليد عليها لا قطعها واجتثاثها، ولو كان هذا هو المراد ممّا ورد في القصة
فالاَنسب أن يقول: فطفق ضرباً بالسوق، لا مسحاً.

10. انّ التفسير المذكور ينتهي إلى كذّاب الاَحبار، وهو كعب الذي لم يزل
يدسّ في القصص والاَخبار بنزعاته اليهودية، ومن أراد أن يقف على دوره في
الوضع والكذب وغير ذلك في هذا المجال فعليه أن يرجع إلى أبحاثنا في الملل
والنحل.

11. انّ بعض المفسرين قاموا بتفسير قوله: (
فطفق مسحاً بالسوق
والاَعناق) بمسحها بالماء كناية عن الوضوء. وهو في ضعفه كما ترى، إذ لو كان
المراد ما ذكره ذلك البعض، فلماذا بدل الغسل بالمسح، والساقين بالسوق
والعنق بالاَعناق، مع أنّه لم يكن لسليمان إلاّ ساقان وعنق واحد؟

12. إنّ قتل الخيل التي عبّر عنها نفس سليمان (
بالخير) بحجة أنّ
الاشتغال بعرضها صار سبباً لفوت الصلاة أشبه بعمل إنسان لا يملك من العقل
شيئاً، وحاشا سليمان الذي آتاه الله الحكم والعلم وسلّطه على الاَرض من
( 179 )
الاِنس والجن والسماء، من هذا العمل الذي لا يقترفه السفلة من الناس إلاّ
المجانين منهم، ولا العاديّون من السوقة، فضلاً عن أنبياء الله وأوليائه المنزّهين.

وفي الختام نلفت نظر القارىَ إلى ما ذكره "سيد قطب" في تفسير هذه
الآيات في تفسيره قال:

أمّا قصة الخيل: انّ سليمان (عليه السلام) استعرض خيلاً له بالعشي، ففاتته صلاة كان
يصليها قبل الغروب، فقال: ردّوها عليّ، فردّوها عليه، فجعل يضرب أعناقها
وسيقانها جزاء ما شغلته عن ذكر ربّه.

وفي رواية: روي أنّه جعل يمسح سوقها وأعناقها إكراماً لها، لاَنّها كانت
خيلاً في سبيل الله .

ثم قال: وكلتا الروايتين لا دليل عليها، ويصعب الجزم بشيء منها.
(1)

والعجب من السيد أنّه أعطى الروايتين مكانة واحدة مع أنّ الاَُولى تضاد
حكم العقل، وسيرة الاَنبياء والعلماء، لذلك يسهل الجزم ببطلانها، وأمّا الثانية
فهي تنطبق على ظاهر الآيات كمال الانطباق، وهو المروي عن حبر الاَُمّة ابن
عباس.

وقد نقل الرواية الاَُولى عن أُناس كانوا لا يتحرّزون من الاَخذ عن الاَحبار
المستسلمين، فنقلها الطبري في تفسيره، عن السدي وقتادة، حتى أنّ الطبري مع
نقله أُولى الروايتين اختار قول ابن عباس واستوجهه، وقال: إنّ نبي الله لم يكن
ليعذب حيواناً بالعرقبة، ويهلك مالاً من ماله بغير سبب سوى أنّه اشتغل عن
صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها.
(2)
____________

1 . في ظلال القرآن الكريم: 23|100.

2 . تفسير الطبري: 3|100.