هو نفس العمل، فالله سبحانه صرف ببركة العصمة ـ نفس الهم ونفس الاقترافـ
كلا الاَمرين .

قال العلاّمة الطباطبائي: الاَنسب أنّ المراد بالسوء هو الهم بها والميل إليها ،
كما أنّ المراد بالفحشاء اقتراف الفاحشة وهي الزنا، ثم قال: ومن لطيف الاِشارة
ما في قوله: (
لِنَصرف عنه السوء والفحشاء) حيث جعل السوء والفحشاء
مصروفين عنه لا هو مصروفاً عنهما، لما في الثاني من الدلالة على أنّه كان فيه ما
يقتضي اقترافه لهما المحوج إلى صرفه عن ذلك، وهو ينافي شهادته تعالى بأنّه
من عباده المخلصين، وهم الذين أخلصهم الله لنفسه فلا يشاركهم فيه شيء،
ولا يطيعون غيره من تسويل شيطان أو تزيين نفس أو أىّ داع من دون الله
سبحانه.

ثم قال: وقوله: (
انّه من عبادنا المخلصين )في مقام التعليل لقوله:
(
كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء )، والمعنى عاملنا يوسف كذلك، لاَنّه
من عبادنا المخلصين، ويظهر من الآية انّ من شأن المخلصين أن يروا برهان
( 149 )
ربّهم وإنّ الله سبحانه يصرف كل سوء وفحشاء عنهم فلا يقترفون معصيته ولا
يهمون بها بما يريهم الله من برهانه، وهذه هي العصمة الاِلهية. (1)
السوَال الرابع

لو كان المراد من (
برهان ربّه )هو العصمة، فلماذا قال سبحانه: (
رأى
برهان ربّه )، فإنّ هذه الكلمة تناسب الاَشياء المحسوسة كالمعاجز والكرامات
لا العصمة التي هي علم قاهر لا يغلب ويصون صاحبه عن اقتراف المعاصي.
أقول: إنّ الروَية كما تستعمل في الروَية الحسية والروَية بالاَبار، تستعمل
أيضاً في الاِدراك القلبى والروَية بعين الفوَاد قال سبحانه: (
مَا كَذَبَ الْفُوََادُ مَا
رَأَى )
(2) ، وقوله سبحانه: (
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً )
(3) وقوله
سبحانه: (
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا
وَيَغْفِرْ لَنْا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ)
(4)، وهذه الآيات ونظائرها تشهد بوضوح
بأنّ الروَية تستعمل في الاِدراك القلبي والاستشعار الباطني.

وعلى ذلك فيوسف الصديق لمّا وقع مقابل ذلك المشهد المغري، الذي
يسلب اللب والعقل عن البشر، كان المتوقع بحكم كونه بشراً، الميل إلى
المخالطة معها والعزم على الاِتيان بالمعصية، ولكنّه لما أدرك بالعلم القاطع أثر
تلك المعصية صانه ذلك عن أي عزم وهمّ بالمخالطة.

هذا هو المعنى المختار في الآية، وبذلك تظهر نزاهة يوسف عن أي هم
____________

1 . الميزان: 11|142.

2 . النجم: 11.

3 . فاطر: 8.

4 . الاَعراف: 149.