2 . قال سبحانه في سورة هود: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلاّ من سبق عليه القول).

وقال سبحانه في سورة الموَمنون: (فَاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوجَينِ اثنينِ وأهْلَكَ إلاّ مَن سَبقَ عَليهِ
القولُ مِنهمْ ولا تُخاطِبْني في الذينَ ظَلَموا إنّهم مُغرَقون ).
( 116 )
منهم) هو زوجته فقط، ولما رأى نوح أنّ الولد أدركه الغرق تخالج في قلبه أنّه
كيف يجتمع وعده سبحانه بإنجاء جميع الاَهل مع هلاك ولده؟ وعند ذلك
اعتراه الحزن ورفع صوته بالدعاء منادياً: (انّ ابني من أهلي )من دون أن يسأل
منه شيئاً بل أظهر ما اختلج في قلبه من الصراع والتضاد بين الاَمرين: الاِيمان
بصدق وعده، كما يفصح عنه قوله: (انّ وعدك الحق وأنت أحكم
الحاكمين)وغرق ولده وهلاكه.

وعلى هذا الفرض لم يكذب نوح (عليه السلام )حتى بكلمة واحدة، بل لما فهم من
قوله (
وأهلك )نجاة مطلق المنتمين إليه بالوشيجة الرحمية أو السببية، أبرز ما
فهم وقال: (
انّ ابني من أهلي )، فلا يعد الاِنسان كاذباً عند نفسه إذا أبرز ما
اعتقده وأفرغه في قالب القول وان كان المضمون خلاف الواقع في حد نفسه،
وحينئذ أجابه سبحانه بأنّ الموعود بإنجائهم هم الصالحون من أهلك لا مطلق
المنتمين إليك بالوشائج الرحمية أو السببية.

وبعبارة أُخرى: انّ ولدك وإن كان من أهلك حسب الوشيجة الرحمية،
لكنّه ليس من الاَهل الذين وعدت بنجاتهم وخلاصهم.

وبعبارة ثالثة: (
انّ ابنك )داخل في المستثنى، أعنى قوله: (
إلاّ من سبق
عليه القول منهم )كما أنّ زوجتك داخلة فيه أيضاً.

وهذا الجواب على صحة الفرض تام لا غبار عليه، لكن أصل الفرض وهو
كون ابن نوح متظاهراً بالكفر وكان الاَب واقفاً عليه غير تام لما فيه:
أوّلاً: انّ من البعيد عن ساحة نوح (عليه السلام ) أن يطلب من الله سبحانه أن لا يذر
على الاَرض من الكافرين ديّاراً، كما يعرب عنه قوله سبحانه حاكياً عنه (عليه السلام ):
(
وَقَالَ نُوحٌ رَبّ لا تَذَرْ عَلَى الا ََرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ
يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إلاّ فَاجِراً كَفَّاراً )
(1)، ويتبادر إلى ذهنه من قوله
____________

1 . نوح: 26 ـ 27.
( 117 )
سبحانه: (وأهلك )مطلق المنتمين إليه موَمناً كان أم كافراً. بل يعد دعاوَه هذا
قرينة على أنّ الناجين من أهله هم الموَمنون فقط لا الكافرون، وانّ المراد من
(من سبق عليه القول) مطلق الكافرين سواء كانوا منتمين إليه أو لا.
ثانياً: انّه لا دليل على أنّه فهم من قوله: (
إلاّ من سبق عليه القول منهم)
خصوص زوجته، بل الظاهر أنّه فهم أنّ المراد من المستثنى كل من عاند الله
وحاد رسوله من غير فرق في ذلك بين الزوجة وغيرها.
وثالثاً: انّه سبحانه بعدما أمر نوحاً (عليه السلام ) بصنع الفلك أوحى إليه بقوله: (
وَلاَ
تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ )
(1)، والظاهر من قوله: (
الذين
ظلموا) مطلق المشركين حميماً كان أو غريباً، فإذا قال بعد ذلك: (
وأهلك إلاّ من
سبق عليه القول) يكون إطلاق الجملة الاَُولى قرينة على أنّ المراد من الاَهل هو
خصوص الموَمن لا الظالم منهم، إذ الظالم منهم داخل في قوله: (
ولا تخاطبني
في الذين ظلموا ).

وإن شئت قلت: إنّ صراحة الجملة الاَُولى قرينة على أنّ المراد من قوله:
(
إلاّ من سبق عليه القول) مطلق الظالم والكافر زوجة كانت أم غيرها، رحماً
كان أم غيره، وهذه الصراحة قرينة على أنّ المراد من (
أهلك) هو خصوص
الموَمن لا الاَعم منه.

وبالجملة: فلو صحت النظرية صح الجواب، لكنها باطلة لاَجل الاَُمور
الثلاثة التي ألمعنا إليها.

وأمّا الفرض الثاني، فالظاهر أنّه الحق، وحاصله: أنّ الابن كان متظاهراً
بالاِيمان مبطناً للكفر ، ويدل على ذلك قول نوح لابنه عندما امتنع أن يواكب أباه
____________

1 . هود: 37.
( 118 )
في ركوبه السفينة: (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَعَنَا وَلاَ تَكُن مَعَ الْكَافِرينَ ) (1)، أي لا تكن
معهم حتى تشاركهم في البلاء، ولو كان عارفاً بكفره لكان عليه أن يقول: "ولا
تكن من الكافرين" وبما انّه كان معتقداً بإيمان ولده كان مذعناً بدخوله في قوله:
(وأهلك) ولما أدركه الغرق أدركته الحيرة في أنّه كيف غرق مع أنّ وعده سبحانه
حق لا يشوبه ريب، وعندئذ أظهر ما في قلبه وقال: (انّ ابني من أهلي)، وأجابه
سبحانه بأنّه ما أدركه الغرق إلاّ لاَجل كفره، فهو كان داخلاً في قوله: (ولا
تخاطبني في الذين ظلموا إنّهم مغرقون ) (2)أوّلاً، وثانياً في المستثنى أي قوله:
(إلاّ من سبق عليه القول )لا المستثنى منه أي (أهلك ).

وعندئذ يقع السوَال والجواب في موقعهما ولا يكون نوح (عليه السلام ) في حكمه
كاذباً، لاَنّه كان يتصور أنّ ولده موَمن فنبّهه سبحانه على أنّه كافر، فأين الكذب
في هذين الحكمين؟ وفي قوله سبحانه: (
انّه عمل غير صالح )إعلام بأنّ قرابة
الدين غامرة لقرابة النسب، وانّ نسيبك في دينك ومعتقدك من الاَباعد وان كان
حبشياً وكنت قرشياً، لصيقك وخصيصك، ومن لم يكن على دينك وان كان
أمس أقاربك رحماً فهو بعيد عنك إيماناً وعقيدة وروحاً.

ثم إنّ الاِخبار عن ابن نوح بأنّه عمل غير صالح مكان كونه عاملاً غير
صالح، لاَجل المبالغة في ذمه مثل قوله "فإنما هي إقبال وإدبار".
(3)

وهاهنا نكتة يجب التنبيه عليها، وهي أنّ العنصر المقوّم لصدق عنوان
الاَهل عند أصحاب اللغة والعرف هو انتساب الاِنسان إلى شخص بوشيجة من
____________

1 . هود: 42.

2 . هود: 37.

3 . الكشاف: 2|101.
( 119 )
الوشائج النسبية أو السببية، وان لم يكن بينهما تشابه ووحدة من حيث المسلك
والمنهج.

غير أنّ التشريع الاِلهي أدخل فيه عنصراً آخر وراء الوشيجة المادية وهو
صلة الشخص بالاِنسان من جهة الاِيمان، ووحدة المسلك، إلى حد لو فقد هذا
العنصر لما صدق عليه ذلك العنوان، بل صار ذلك العنصر إلى حد ربّما يكتفي به
في صدق الاَهل على الاَفراد سواء أكانت فيه وشيجة نسبية أم لا ، ولاَجل ذلك
نجد أنّه سبحانه يكتفي بلفظ الاَهل في التعبير عن كل الموَمنين، فيقول في قصة
"لوط": (
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرينَ )
(1)، وقال أيضاً: (
إنَّا
مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)
(2)، وقال أيضاً: (
وَإِنَّ لُوطاً
لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عَجُوزاً في الغَابِرينَ)
(3) ترى
أنّه سبحانه اكتفى بلفظ الاَهل من دون أن يعطف عليه لفظ "الموَمنين" أو "من
آمن به" مع عدم اختصاص النجاة بخصوص أهله وعمومها للموَمنين، معرباً عن
أنّ الاِيمان يجعل البعيد أهلاً ، والكفر يجعل القريب بعيداً.

ولاَجل ذلك اكتفى في قصة نوح بلفظ الاَهل فقال: (
وَنُوحاً إِذ نَادَى مِنْ
قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ العَظِيم)
(4)، وقال أيضاً: (
وَلَقَدْ
نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الُمجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ الْعَظِيم)
(5) ومن
المعلوم عدم اختص