العِصمـة

بُحوثٌ لها صِلَةٌ بالعقِيدَةِ

 

السَّيِد عَلي أبو الحَسَن العاملي

/صفحة 1/

 

/صفحة 2/

العِصمـة

بُحوثٌ لها صِلَةٌ بالعقِيدَةِ

 

السَّيِد عَلي أبو الحَسَن العاملي

دار المحجة البيضاء

/صفحة 3/

 

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1423 هـ ـ 2003م

 

 

دار المحجة البيضاء ـ بيروت ـ لبنان

حارة حريك ـ شارع راغب حرب ـ قرب نادي السلطان

ص.ب:5479/14 ـ هاتف: 287179/03 ـ تلفاكس: 552847/01

E-mail: almahajja@terra.net.lb

/صفحة 4/

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم:

 

    الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

الحمدُ لله الذي اختصَّ الصفوة من خلْقِه برحمة خاصة منه سبحانه، وفضَّلهم على سائر البرايا، فكانوا وجهَه تعالى، ومظهَر أسمائه، ومحلَّ عنايته.

قد اصطفاهم بعلمه، وهداهم بنوره، وخصَّهم بكرامته، واجتباهم لسرِّه، وأيَّدهم بروحه، وارتضاهم لقُرْبِه.

وكان من آيات ذلك أنْ عصمهم من بدء أحوالهم، عن كل صغيرة وكبيرة، وطهَّرهم من كل عيب ونقيصة.

وقد كثرت عن سبب اختصاصهم بالعصمة التساؤلات، وكثرت في المقابل عن ذلك الإجابات، على أنَّ "... وكلٌّ إلى ذاك الجمال يشير".

لا أقول: إنَّ كلَّ واحد من المجيبين قد وقف على الحقيقة، أو وُفِّق للإجابة الصحيحة، غير أنَّ مجموع تلك الإجابات بما

/صفحة 5/

هو مجموع، يكاد يكون وافياً بالغرض والمطلوب، وناهضاً بالوقوف إلى حدِّ ما على الحق والحقيقة، كاشفاً النقاب عن كثير من أسرار الحِكَم الإلهيَّة، والألطاف الربانيَّة.

نعم حيث التزم خصوصُ أبناء الفرقة الناجية ـ إستناداً لِمَا ثبت عن أئمة الهدى (عليهم السلام) ـ بعصمة المعصوم من حين الولادة عن جميع المعاصي والعيوب، فقد استعصى الإشكالُ على مَنْ لم يستنر بنور كلام سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأبرار (عليهم السلام)، وحار أصحابُ الأهواء وتخبَّطوا، بل آل الحالُ ببعضهم إلى الالتزام بما لا يُمكن أنْ يلتزم به عاقلٌ، ظناً منه أنَّ ما التزم به، أقل محذوراً، وأهون خطباً.

أجل، لقد وقف بعضُهم من مسألة عصمة المعصوم (عليه السلام) مـن حين الولادة، موقفَ المتحيِّر المتردِّد، فإنَّ المعصومَ بحسب زعْمِهِ لم يسلك سبيل التجربةَ والاختيار، فكيف يُولَدُ معصوماً، وهو لم ينطلق في التجربة من ذي قبل؟

وحيث لم يهتدِ ذاك البعضُ إلى تفسير صحيح بما يتوافق مع أصول المذهب الحق، ومسلَّمات أهل التحقيق فيه ـ وكلُّ أهله أهلُ تحقيق ـ زعم أنَّ نظرية ولادة المعصوم معصوماً، لا

/صفحة 6/

يمكن أنْ تُفسَّر إلا على أساس نظرية جبريَّة العصمة.

وكان الأحرى به أنْ يتأمل قليلاً في ما ذكره أو التزم بـه قبل أنْ يتفوَّه به، إذ أنَّ أقلَّ المحاذير التي تلزمُ تلكَ النظرية، هو أنْ يكون المعصومُ (عليه السلام) مخلوقاً خاصاً، لا يملكُ فضْلاً ولا فضيلةً، فإنَّ كون الإنسانِ المعصوم معصوماً بغير اختياره، يعني إخراجَه عـن حقيقة كونه إنساناً متحرِّكاً فاعلاً بالإرادة والاختيار.

على أنَّ الالتزام بجبرية العصمة ـ فضلاً عن أنه تنادي ببطلانه وفساده الأوليَّاتُ الفطرية، والبديهيات العقليَّة ـ فإنَّ القرآنَ الكريم قد نصَّ في موارد كثيرة، ولعلها تفـوق العشرات، على ما يُبطِل ذاك الزعم الفاسد، ولا أدري هل أنَّ لذاك الملتزِم بجَبْريَّة العصمة، قرآناً غير قرآننا ؟!!

لست أدري كيف يدَّعي ذاك أنه تعالى قد عصمهم وهو فعْلُه، وهم خلْقُه، وبما أنه الخالق المالك الحقيقي المطلق، فله أنْ يفعل ما يشاء، إذ {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}(1)!

وقد جهل أو تجاهل القائلُ بهذه النظرية، فسادَها عقلاً

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأنبياء الآية 23.

/صفحة 7/

وشرعاً، فضلاً عن استلزامها لمفاسد ومحاذير، ينادي كلُّ واحدٍ منها بصوت عربي مبين، يا أصحاب النظرية الجُزافيَّة، ما لكم لا تفقهون، أفلا تعقلون!

وقد تناسى أيضاً وتغافل ذاك القائلُ، عن إستلزام القول بجبريَّة العصمة لمحاذير، يكفي واحدٌ منها لكلِّ ذي فضْلٍ رادعاً ومُنبِّهاً، فكيف لم يكن مجموعُ تلك المحاذير رادعاً له؟!

وهب أنه كان قاصراً عن إدراك الوجه في كون العصمة ترجع إلى الاختيار، لكنه كيف يتجرَّأُ على أنْ يلتزم بجَبْريَّة العصمة، والمحاذير التي تلزمُ عن ذلك وتترتَّبُ، لَهِيَ أعظمُّ شناعةً، وأشدُّ إشكالاً، من تلك المحاذير التي تلزم عـن إنكار أصل العصمة من حين الولادة، بل عن إنكار العصمة من أساسها.

وهكذا الحال في بعض المسائل الأخري، كمسألة تفضيل آدم (عليه السلام) على الملائكة (عليهم السلام)، بل إنَّ ما قيل في الجواب عن ذلك يستبطِنُ إنكارَ ما لا يُعذر الجاهلُ بإنكاره، على ما ستطَّلع على تفصيله إنْ شاء الله تعالى.

هذا وقد عزمنا بحول الله تعالى على دراسة مسألة العصمة،

/صفحة 8/

مضافاً إلى مناقشة مسألة تفضيل آدم (عليه السلام) على الملائكة (عليهم السلام)، وقد نناقش بعض المسائل الأخري، مقتصرين في ذلك كله على المهم قدر المستطاع.

نعم كان لزاماً علينا أنْ نتعرض لكلام ذاك المجيب، حيث كان ما أجاب به مشتمِلاً على أكثر من شُبْهة لا يمكن غضُّ الطرْفِ عنها، ومن الطبيعي أنْ نعمد إلى مناقشة ما يجب مناقشته، فإنَّ ترْكَ المناقشة لا يخلو عن تأييد، فضلاً عن أنَّ دراسة أية فكرة تفرض على الدارس لها أنْ ينظر في ما قيل.

أسأله تعالى التوفيق لِمَا يحبُّ ويرضى، إنه حسبي عليه توكـلت، وإليه أنيب، وصلَّى الله على سيدنـا محمد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

 

 

 

الغازية ـ صيدا

علي بن حسين أبو الحسن

الموسوى العاملي

/صفحة 9/

 

/صفحة 10/

 العِصمة

/صفحة 11/

 

/صفحة 12/

حدود العصمة والأقوال في ذلك

 

    إعلم أنه قد وقع الكلام بين علماء الإسلام في حدود المساحة التي شغلتها القوةُ القُدسيَّة من العصمة، وفي زمن بلوغها حدّ الفعليَّة الأكيدة وقوعاً، أي متى يجب أنْ يكون المعصومُ معصوماً، فهل يكفي أنْ يكون حيـن فعليَّة نُبوَّته مثلاً، بمعنى أنه لا يضرُّ أنْ يكون ممَّن ارتكب المعصية قبل البعثة وإنْ كانت من المعاصي الكبيرة، أو أنه لا يضرُّهُ ارتكابُ خصوص الصغائر دون الكبائر قبل البلوغ، أو لا بل يجب أنْ يكون معصوماً عن خصوص الكبائر بعد البلوغ، وأما قبله فلا مانع من ارتكاب الكبائر، أو لا هذا ولا ذاك، بل هو معصوم من حين الولادة عن كلِّ ذنب، ومبرَّأ عن كلِّ عيْبٍ ونقْص؟

    فنقول: أجمع المسلمون على ثبوت العصمة في ما يتعلَّق بمقام التبليغ عن الخطأ فيه سهـواً ونسياناً فضلاً عن التعمُّد، فإنَّ الغرض الباعث على بعْثِ الرسول أو نصْبِ الوصي تتوقَّفُ تماميَّتُهُ على عصمته في مقام التبليغ، وهذا لا إشكال

/صفحة 13/

فيه بلا نزاع من أحد.

    وأما في ما يتعلَّق بالأفعال والموضوعات الخارجيَّة، فقد أجمع محققوا أبناء الفرقة الناجية على عصمتهم، عن الجهل بها أو الخطأ فيها ولو سهواً أو نسياناً، ولم يُخالِف إلا محمد بن الحسن بن الوليد وتلميذه الشيخ الصدوق، حيث جوَّزا وقوع الخطأ من المعصوم (عليه السلام) من خصوص جانب الإسهاء، كما نُسِب إليهما، ولم يرتضِ جميعُ مَنْ جاء بعدهما ما ذهبا إليه، بل ردُّوا عليهما، وحجُّوهما بما لا مزيد عليه.

ومخالفتُهُما ـ لو ثبتت ـ لا تضرُّ بالإجماع، فضلاً عن أنَّ الأدلةَ العقليَّة والنقليَّة، ناهضةٌ ببطلان ما ذهبا إليه.

نعم، غالب الظن أنَّ ابن الوليد قد توهَّم استلـزام القول بعدم الإسهاء للغُلوِّ الباطل، فدعاه ذلك إلى القول بأنَّ نفيَ السهو عن الأنبياء هو أولُ درجات الغلو، مع أنه لا وجه لتوهُّمِه ذلك، فإنَّ السهو مرجعه إلى عدم رسوخ الصورة التي يقـع عنها السهو في الذهن، وإلى عدم التوجُّهِ الأكيد نحوها، لذا ترى التفاوتَ في نحوِ السهو ومقدارِهِ كبيراً بين أبناء البشر، تبعاً لاختلاف نحوِ ارتسام الصور الذهنيَّة عندهم للأشياء التي

/صفحة 14/

يقع منهم السهو عنها، وقد نعرف من الناس مَنْ لم يَسْهُ في جميع عباداته في مدة مديدة من الزمن، بل قد تحقَّقَ من بعض الناس عدمُ وقوع السهو منهم في صلاتهم مدة عمرهم.

    وبالجملة، فللسهو مناشىء وأسباب، وقد يستطيعُ الإنسانُ العادى تجنُّبَ ما مِن شأنه إحداثُ تشويشٍ للذهن يقضي بوقوع السهو، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى مزيدُ تفصيل في هذا.

هذا، وقد ذكر العلامة المجلسي في بحار الأنوار كلاماً في المقام ننقله بلفظه، فإنه كافٍ شافٍ إنْ شاء الله تعالى.

قال (قدِّس سرُّه): إعلم أنَّ الاختلاف الواقع في هذا الباب بين علماء الفريقين (الشيعة والسُّنة) يرجع إلى أقسام أربعة، أحدها: ما يقع في باب العقائد، وثانيها: ما يقع في التبليغ، وثالثها: ما يقع في الأحكام والفتيا، ورابعها: في أفعالهم وسيرهم (عليهم السلام).

وأما الكفر والضلال في الإعتقاد، فقد أجمعت الأمةُ على عصمتهم عنهما قبل النبوة وبعدها، غير أنَّ الأزارقة من الخوارج جوَّزوا عليهم الذنب، وكلُّ ذنب عندهم كفْرٌ، فلَزِمَهم تجويز الكفر عليهم، بل يُحكى عنهم أنهم قالوا: يجوز أنْ

/صفحة 15/

يبعث الله نبياً عَلِم أنه يكفر بعد نبوته.

وأما النوع الثاني: وهو ما يتعلَّق بالتبليغ، فقد اتَّفقت الأمَّةُ بـل جميعُ أرباب الملل والشرائع، على وجوب عصمتهم عن الكذب والتحريف فيما يتعلَّق بالتبليغ عمداً وسهواً.

وأما النوع الثالث: وهو ما يتعلَّق بالفتيا، فأجمعوا على أنه لا يجوز خطاؤهم فيه عمداً وسهواً، إلا شرذمة قليلة من العامة. 

وأما النوع الرابع: وهو الذي يقع في أفعالهم، فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال:

الأول: مذهب أصحابنا الإمامية، وهو أنه لا يصدر عنهم الذنب لا صغيرةً، ولا كبيرةً، ولا عمداً، ولا نسياناً، ولا لخطاء في التأويل، ولا للإسهاء من الله سبحانه، ولم يخالف فيه إلا الصدوق وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد رحمهما الله، فإنهما جوزا الإسهاء لا السهو الذي يكون من الشيطان، وكذا القول في الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).

إلى أن قال (قدِّس سرُّه): ثم اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: الأول: أنه من وقت ولادتهم إلى أنْ يلقوا الله سبحانه، وهو مذهب أصحابنا الإمامية... حتى صار ذلك من قبيل

/صفحة 16/

الضروريَّات في مذهب الإماميَّة، وقد استدل عليه أصحابُنا بالدلائل العقليَّة، وقد أوردنا بعضَها في شرح كتاب الحُجَّة(1).

أقول: وهذا المقدار من الكلام الذي نقلناه عن العلامة المجلسي، يحدو بك إلى التعرُّفِ على مذهب أهلِ الحق في حدود العصمة ومقدارها، وما ذكره (قدِّس سرُّه) يكفي للمقام.

وما التزم به أبناءُ الفرقة الناجية لا يحتاجُ التصديقُ به إلى إقامة الأدلة والشواهد الكثيرة، بل يكفي أنْ يتنبَّه الإنسانُ إلى أنَّ مثل سيِّدنا محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) قد جعلهم الله تعالى خزنَةَ علْمِه، وأذهب عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، فإنَّ بملاحظة انضمام ذلك إلى عدم تعلُّقِ إرادتهم إلا بما هو حقٌّ، فلا محالة لا يُحتَمَلُ أنْ يقع منهم (عليهم السلام) ما هو باطلٌ في أيِّ شأن من الشؤون، بل لا يُحتمل أنْ يتلبَّس أحدٌ منهم (عليهم السلام) بغير ما هو حقٌّ، ولا غرو في أنْ لا يلهو ولا يلعب مَنْ لا يوجد عنده إلا التوجُّهُ إلى الحقِّ تعالى، ولا غرو أنْ لا يسهو مَنْ يعلم عمَّا يعلم به، ما دام لا يوجد أيةُ ثغرةٍ تصلح قناةً لعروض منشأ الشك، أو السهو والغفلة إليه

ـــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار ج 11 ص 8991.

/صفحة 17/

هذا وإنَّ مناقشة مذاهب أهل العمى من أتباع غاصبي الحق، وتزييف آرائهم الفاسدة وإنْ كان لا يخلو عن فائدة، بل وفوائد مهمة، غير أنَّ المقام لم نُعدُّه لذلك، على أنَّ ما سيوافيك إنْ شاء الله تعالى يفي بنهوضه بياناً لبطلان وفساد مذاهبهم، وكل مذاهبهم فاسدة.

/صفحة 18/

العصمة في اللغة

 

    العصمةُ لغةً: هي المنْع والحفْظ، قال الجوهرىُّ في كتابه الصحاح، وغيرُهُ في غيرِهِ، العصمة: المنع، يقال: عصمه الطعام، أي منعه من الجوع. والعصمة: الحفظ، يقال: عصمته فانعصم، واعتصمتُ بالله، إذا امتنعتُ بلطفه من المعصية(1).

والمعنى اللغوى ناهضٌ بالدلالة على رجوع العصمة إلى أمْرٍ خارجٍ عن ذات الإنسان، بمعنى أنه ليس الإنسانُ بذاته معصوماً ممتنِعاً محفوظاً، وإنما الحفْظُ جاء بتوسُّطِ سبب معيَّن، قضى وأوجب الحفْظَ عن ما كان معصوماً منه وعنه.

هذا، ولمَّا أنْ كان الإنسانُ قابلاً للوقوع في الخطأ والإشتباه وما شاكل ذلك، بل ويُدرِك كلُّ إنسان من نفسه أنه يقع لولا الإحتراز الشديد، والحذر الأكيد، فاحتاج كي ما يتحقَّق منه الامتناعُ الفعلي عن كلِّ ما لا يرضاه الحقُّ تعالى، إلى سبب

ـــــــــــــــ

(1) الصحاح ج 5 ص 1986 ؛ لسان العرب ج 12 ص 403 ـ 404 ؛ القاموس المحيط ج 4 ص 151 ؛ مجمع البحرين ج 3 ص 193 ـ 194.

/صفحة 19/

قاضٍ بتحقيق الحفظ الفعلي عن الوقوع فيما لا يُرادُ له ولا منه الوقوعُ فيه، لذا كان ثبوتُ العصمة فـي الإنسان على خلاف العادة، وممَّا لا يفرضُهُ واقِعُهُ كإنسان، بغضِّ النظر عن كونه نبياً، فإنَّ كونه نبياً مثلاً يفرض ثبوت عصمته.

ولكنَّ عصمته لا بُدَّ من رجوعها إلى سبب ما، وهذا ما دعا أهل المعرفة إلى البحث في مقتضيات وموجِبات تحقُّقِ السبب في بعض الناس دون البعض الآخر، ومع ذلك فقد تعدَّي بعضُ مَنْ لا خبرة له، فتطاول للبحث في هذا المجال، مدَّعياً أنَّ السببَ في ذلك يرجع إلى الله تعالى وحده، أو أنه يمكن أنْ يختصَّ بجانب المولى سبحانه، بأنْ لا يكون للمعصوم أيُّ نحو من أنحاء الاختيار والإرادة في ذلك.

 

أنحاء دخالة الإرادة الإلهية:

 

    ولمَّا أنْ كانت عصمةُ المعصوم تتصلُ بالمولى تعالى شأنه على جميع التقادير، ولا بُدَّ وأنْ تنسجم مع الإرادة الإلهيَّة على كل حال، فقـد سلَكَ الناسُ في هذا المسلك سُبُلاً متفاوتة، لا تكاد تجتمع تحت دائرة واحدة.

/صفحة 20/

ذلك أنَّ إرادته تعالى من حيث دخالتها لا تخلو ـ من نظرة أوليَّة ـ إما أنْ تكون السببَ الوحيدَ المؤثِّر وحسب، وإما أنْ تكون جزءَ سبب بمعنى من المعاني، ويتمثَّلُ الجزء الآخر بجانب اختيار وإرادة الشخص المعصوم، وإما أنه لا دخْلَ ولا دخالة لإرادته سبحانه.

أما أنه لا محلَّ لإرادته تعالى، فهو كلامٌ لا يتفوَّهُ به عاقلٌ، فإنَّ المخلوقَ وعالَمَ الإمكان بما فيه الإنسان، مفتقِرٌ في جميع شؤونه وسائر أحواله وتقلُّباته إلى الخالق تعالى، افتقارَ المخلوق إلى الخالق، والممكِن إلى الواجب، والحادث إلى المُحْدِث، والمعلول إلى العلَّة، إفتقاراً دائميَّاً، حدوثاً وبقاءً واستمراراً.

وإرادةُ الإنسان لا تخرجُ عن كونها أمراً وشأناً من شؤون الممكِن، فلا محالة تفتقِرُ في تماميَّتها وتأثيرها إلى إرادة الغني عمَّنْ سواه، تفتقر إلى الفيض الدائم المستمر منه تعالى.

وأما أنَّ إرادته تعالى هي السبب الوحيد حيث لا إرادةَ للإنسان مطلقاً، فهو مذهبُ أهل الجبْر الذين ناقضوا في مذهبهم كلَّ عقل وفطرة، ونسبوا إليه تعالى القبيح والظلم،

/صفحة 21/

وظنوا أنهم بسَلْبِهم الاختيار عن الإنسان، قد نزَّهوا المولى تعالى عن العجز، ولكنهم ضلُّوا ضلالاً بعيداً حيث نسبوه تعالى إلى إلجائِه عبيده، وسَلْبِه إياهم الاختيار.

وقد سلك أبناءُ الفرقة الناجية ـ إستناداً لإرشادات وتعاليم أئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام) ـ مسلكاً وسطاً، فلم يُخرِجوا الله تعالى عن سلطانه، فالتزموا بأنَّ للإرادة الإلهيَّة دخْلاً، ولم ينسبوه إلى الظلم، حيث لم ينفوا أنْ يكون لإرادة الإنسان دخْلٌ ودخالةٌ، فأثبتوا مرتبةً بين المرتبتين، مرتبة الوسط بين التفويض ـ وهي مرتبة الإستغناء وعدم الإفتقار إلى الإرادة الإلهيَّة ـ وبين الجبْر، وهي مرتبة سلْب الاختيار عن الإنسان.

 

العصمة عند أعلام المذهب الحق:

 

    لذا ترى أعلامَ المذهب الحق حيث تعرَّضوا لبيان العصمة، ذكروا في تعريفها وتحديدها ما ينسجم مـع القاعدة التي قرَّرها أئمةُ العترة الطاهرة (عليهم السلام).

قال الشيخ المفيد في تصحيح اعتقادات الإماميَّة، وقريب منه ما ذكره في أوائل الإعتقادات: "العصمة من الله تعالى

/صفحة 22/

لحُججه هي التوفيق، واللطف، والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب.

والعصمة، تفضُّلٌ من الله تعالى على مَنْ علم أنه يتمسك بعصمته، والإعتصام فعْلُ المعتصم.

وليست العصمةُ مانعةً من القدرة على القبيح، ولا مضطرةً للمعصوم إلى الحَسَنَ، ولا ملجئة له إليه، بل هي الشيء الذي يعلم الله تعالى أنه إذا فعله بعبد من عبيده، لم يُؤْثِر معه معصيته له، وليس كلُّ الخلق يعلم هذا من حاله، بل المعلوم منهم ذلك، هم الصفوة والأخيار"(1).

وقال السيد المرتضى في رسائله: "العصمة ما يمنع عنده المكلَّف من فعْلِ القبيح والإخلال بالواجب، ولولاه لم يمنع من ذلك.

وبعبارة أخرى: العصمة الأمر الذي يفعله الله تعالى بالعبد، وعلم أنه لا يُقدِم مع ذلك الأمر على المعصية، بشرط أنْ لا ينتهي فعْلُ ذلك الأمر لأحد إلى الإلجاء"(2).

ـــــــــــــــ

(1) أوائل المقالات ص 134 ـ 135 ؛ تصحيح اعتقادات الإمامية ص 128.

(2) رسائل السيد المرتضى ج 2 ص 277.

/صفحة 23/

فلله درُّ هذين العَلَمَين، فإنهما أوضحا الأمر في العصمة بإرجاع الأمر إلى الله تعالى من جهة، وإلى إرادة وفعْلِ الإنسان المعصوم من جهة ثانية.

نعم، إنَّ المولى تعالى قد أودع في الإنسان القدرةَ على الاختيار، وإرادةُ الإنسان ما لم تستمد العون منه سبحانه، فإنه لا حظَّ لها في التأثير، فاقتضت الحكمةُ الإلهيَّة أنْ يهب تعالى للإنسان القدرةَ على اختيار ما يريد أنْ يختاره.

نعم قد وهبه المولى تعالى ذلك، ولكن بعد أنْ بشَّر وأنذر، ووعظ وأرشد، بتوسُّط إرساله الرسل، وإنزاله التعاليم والكتب.

وقد أدرك العقلُ أنَّ الصادع بالرسالة، وأنَّ سفيرَ الحقِّ سبحانه لا يكون سفيراً بحقٍّ، إلا إذا كان معصوماً عن الخطأ والزلل، مأموناً عن اللغو والباطل.

وأيضاً فقد أدرك العقل السليم، بأنَّ إلجاءَ الرسل وجَبْرَهم على سلوك الطاعة واجتناب المعصية في جميع أحوالهم وشؤونهم، أمْرٌ لا يمكن أنْ يتحقَّقَ من حكيم لطيف، فإنَّ الجبْرَ يستلزم من المحاذير ما يستحيل مع واحد منها، أنْ يقع منه تعالى سلْبُ القدرة والاختيار عن صفوة الخلق.

/صفحة 24/

على أنه كيف يكون الصفوةُ صفوةً، ولا اختيار لديهم، ولا إرادة عندهم؟!!

 

توهم فاسد:

 

    وقد توهَّمَ المتوهِّمُ أنَّ قوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(1)، دليلٌ قطعي لا يقبلُ التأويلَ على ما ذهب إليه من رجوع العصمة إلى إرادة المولى تعالى فحسب، بحيث لم يكن لإرادة أهل البيت (عليهم السلام) في مورد الآية أيةُ مدخليَّة في ذلك.

وهذا التوهُّمُ الفاسد أصلاً وفرعاً ممَّا لا يصحُّ قبولُهُ.

لا ندَّعي أنَّ هناك ما يمكن قبولُهُ من التوهُّمات.

فإنَّ التوهُّمَ يحملُ في نفسه أسبابَ ومقتضيات الحكم عليه بالفساد، ولكن نقصد أنَّ هناك توهُّماً يمكن أنْ نُبرِّر لمَنْ يتوهَّمه ببعض الأمور، كأنْ يُقال بأنَّ فلاناً قاصرٌ فكرياً، أو أنه لم ينضج بعد، أو أنَّ المبحث في حدِّ ذاته قابلٌ لعروض بعض الأوهام عـلى غيرِ الدقيق وغيرِ الفطن جداً، وهكذا.

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب الآية 33.

/صفحة 25/

وفي المقابل، هناك من المواضيع التي لا نحتمل فيها أنْ يقع من أدنى الناس بعضُ التوهمات، فإذا ما وقع كان أمراً غيرَ مبرَّرٍ قطعاً، لذا ترى الكثير من المحققين عند إطلاق التوهُّمِ على كلامٍ يُردِفون بكلمة فاسد، وذلك بحسب الظاهر للإشارة إلى ما ألمحنا إليه.

 

افتقار الممكن إلى الواجب تعالى:

 

    ومهما يكن، فقد تقرَّر وتحقَّقَ في محله، أنَّ الممكِن محتاجٌ بذاته إلـى الواجب، وحاجتُهُ إليه تكمن في افتقاره الذاتي الواقعي، ولهذا لا يخرج عن كونه ممكِناً أبداً.

وما دامت الحاجةُ حاجةً كامنة في ذات الممكن، أي أنَّ من ذاتيَّاته هو الإفتقار إلى الواجب، فإنَّ بطبيعة الحال، لا مجال لاستغنائه عنه أبداً، لأنَّ الإستغناءَ يعني انقلاب الحقيقة الذاتيَّة للممكِن عن كونه ممكِناً، وبالتالي فيخرج عن كون الممكن ممكناً، والكلام ليس إلا في الممكن، لا أنه في شيء آخر.

وبعبارة أخصر: إنَّ استغناءَ الممكن عن الواجب في أيِّ طور من أطواره، أو في أيِّ

/صفحة 26/

شأن من شؤونه، خلافُ فرْض كونه ممكِناً، وخلافُ فرْض كونه مفتقِراً ذاته بذاته إلى الواجب تعالى.

وإذا كان الأمرُ كذلك، فالحاجةُ إلى الواجب تعالى حاجةٌ قهريَّة من المُبتدا إلى المُنتهى، فهو محتاجٌ إلى الواجب في الحدوث والإستمرار، وإنَّ أيَّ شأن من شؤونه لا يخرج عن كونه وضعـاً من أوضاع وأطوار الممكن، وبالتالي فإنَّ لسانَ حاله التكويني أبداً دائماً يدعو بلسان الإفتقار، وذاتُهُ لا تفترُّ عن التسبيح بالحاجة إليه سبحانه، وواقعُهُ مذعِنٌ غاية الإذعان، مصدِّقٌ أكمل وأتم التصديق، ومحيطٌ علماً بذلك أبداً دائماً.

ولإنْ جحَدَ لسانُ أهل الباطل بهذه الحقيقة، فإنما الذي يجحد خصوصُ إرادةِ أهل الباطل، وإلا فإنَّ اللسان لو خُلِّيَ ونفسه، لنْ يكون جاحداً أبداً، بل في نفس الأمر والواقع، لو قُدِّر لأحدنا أنْ يستنطق اللسان ـ وهو ناطقٌ مسبِّحٌ ـ لسمع تسبيحه، وهو ينادي بالإفتقار والحاجة إلى الواجب تعالى.

 

التفاوت بين المخلوقات وقع من أول آنات وجودها:

 

    وقد جرى من أول الأمر بعضُ المخلوقات على طبق ما

/صفحة 27/

أدركوه من حقيقة كينونتهم مفتقِرين إلى الحق تعالى، وتعلَّقت هِمَمُهُم بنيل الرضا والقرب منه سبحانه، واجتهدوا حبَّاً بالله تعالى وحبَّاً بالحقِّ، وهو جلَّ وعلا الحقُّ المطلق، وصرفوا قدرتهم نحو تحقيق الهدف الأسمى وهو المعرفة، ووحدها المعرفة هي العبادة.

أرادوا فأراد الله تعالى، فتعلَّقت إرادتُهُ تعالى بما تعلَّقت إرادتُهم به.

أرادوا الطهْر وحده، إرادةً جِديَّة حقيقيَّة واقعيَّة، أرادوا ذلك بعزم لا يشوبُهُ نحوٌ من التردُّد، أرادوا الوصال والوصول إرادةً لا يتخلَّلُها لَعِبٌ أو عَبَثٌ، أرادوا الحقَّ في باطنهم وسرهم، فتجسَّدت انقياداً للحقِّ تعالى في السرِّ والعلن، وانعكست تلك الإرادةُ الحقيقية على الجوارح والجوانح، فكانت فكراً حقاً، وعملاً صواباً.

أجل، لكن لولا أنه تعالى قد أفاض على ما أرادوه وطلبوه، فإنهم ما كان ليتحقَّق منهم أيُّ عَمَلٍ، بل لولا أنه تعالى قد أفاض عليهم لَمَا تحقَّقت منهم إرادةٌ تامةٌ مؤثِّرة.

وقد قضى سبحانه أزلاً على أنْ يُعطي كلَّ خلْقٍ هداه، وأنْ

/صفحة 28/

يمُنَّ على عالَم الإمكان ما يستحقُّه ويطلبه، إذن أراد سبحانه ما أراده هذا الإنسان .

ومن الواضح أنَّ إرادته تعالى لا تتخلَّف عن مراده، ولكنَّ مراده في المقام هو ما تعلَّقت إرادةُ الإنسان إرادةً حقيقيَّة بتحصيله، والصفـوةُ مـن الخلق (عليهم السلام) لـم يُريدوا إلا الحقَّ بكـل معانيه ومحقِّقاته، فأراد تعالى ما أرادوه، وقد هيَّأ لجميع الخلق سُبُلَ الهداية والرشاد، ولكنهم وحدهم الصفوة من الخلق، قد علـم الله تعالى منهم الوفاء والثبات.

وبما أنَّ الصفوة من الخلق أرادوا أنْ لا يقربوا من الرجس، بل وأنْ يبتعدوا عن كلِّ ما يمتُّ إلى الرذيلة والباطل بصلة ولو كانت بعيدة جداً كبُعْدِ المشرِقَيْن، أرادوا ذلك حقاً بحقٍّ بالحقِّ، فلا محالة أنَّ الكريم العدل، واللطيف الحكيم سيكون منه أنْ يهب لتلك الإرادات الصافية النقيَّة التامة، من مشيئته وإرادته، فكان أنْ أراد وشاء، فأذهب الرجس عنهم وطهَّرهم تطهيراً، تحقيقاً لِمَا أرادوه وطلبوه بجِدِّيَّة وإلحاح، وتحقيقاً لسعيهم الحثيث، ورغبتهم الأكيدة الزاكية.

فهو تعالى أراد تحقيق ما أرادوه، لا أنه تعالى أراد تطهيرهم

/صفحة 29/

من نفسه فطهَّرهم.

إنَّ آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران، على نبينا وآله وعليهم السلام أجمعين، أرادوا أنْ يكونوا الصفوة والخِيَرَة مـن الخلق بإرادة تامة حقيقية، فكان أنْ حقَّق تعالى مـا أرادوه، وأنْ هيَّأ السُبُلَ لهم في طريق ما سعوا إلى تحقيقه، فاصطفاهم {إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}(1).

نعم، لا شبهة في وجود التفاوت بين الصفوة من الخلق، تفاوتاً في شدة رسوخهم، وكلُّهم راسخون في الحق، تفاوتاً في أتمِّيَّة وأكمليَّة إرادتهم، وكلُّ إرادتهم تامة، وتفاوتاً في علو هِمَمِـهم وخلوص مقصودهم، وكل هممهم عالية، وجميع قصودهم خالصة، صافية، نقية.

وقد تسابَقَ أهلُ الحقِّ في الحق، وتنافس أصحابُ القلوب في القرب، فسبق السابقُ بمقدمات أعدَّها وهيَّأها واستعدَّ لها وتكلَّفها وربَّاها، فكان السابقُ أرقى درجةً، وأعلى شأناً، وأرفعَ محلاً، فناسب من العدل الحكيم تعالى تخصيصُهُ على غيره,

ـــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران الآية 33.

/صفحة 30/

لتخصيص السابق نفسه بما يقضي بتخصيصه تعالى إياه، فكان أنْ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

إنَّ ما طلبه سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأبرار (عليهم السلام) لم يطلبه غيرهم من الصفوة (عليهم السلام)، والطالب بحق لشيء لا بُدَّ وأنْ يريده، فهم أرادوا وطلبوا ما لم يطلبه وما لم يريده غيرهم، لذا كان من المولى تعالى أنْ خصَّهم واختصَّهم، وكانـت آيةُ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ} بياناً منه تعالى عن تخصيصه إياهم، بما اختصُّوا به أنفسهم عن غيرهم، وبما فضلوا غيرهم بمـا لا يكاد يُقدِّره أحد، فكانت "إنما" بياناً لذلك، وإعلاماً للخلق عن ذلك.

"فإنما" كأداة حصْرٍ لم تكن منه تعالى جُزافاً، بل كانت بالقطع واليقين إستجابةً لواقع إرادتهم (عليهم السلام).

ولم يكن تخصيصُهُ تعالى إياهم (عليهم السلام) إلا تخصيصاً لمَنْ يستحِقُّ التخصيص، وإلا تخصيصاً حقاً فَرَضَه واقعُهُم (عليهم السلام)، بما اختاروه، وأرادوه، وسعوا إليه.

فهو تعالى قد فرغ عن إرادة تطهيرهم (عليهم السلام)، لمَّا أنْ فرغوا

/صفحة 31/

هم (عليهم السلام) عن طلبهم ذلك، ولمَّا أنْ عَلِم منهم تعالى الوفاء والثبات.

وإذا تفطَّنت إلى ما أشرنا إليه، تقف على فساد ما قد يُدَّعى من كون المراد من الإرادة في مورد الآية هو الإرادة التشريعية.

 

إنقسام الإرادة إلى إرادة تشريعية وتكوينية:

 

    وتفصيل الكلام: من المعروف أنَّ الإرادة تنقسم إلى إرادتين، تشريعية وتكوينية.

وتقسيمُ الإرادة إلى ذلك كان بلحاظ مباشرة المريد نفسه لِمَا أراد، وعدم مباشرته نفسه.

فإنْ أراد زيدٌ أنْ يأكل مثلاً، فالإرادةُ المتعلِّقة بالأكل إرادةٌ تكوينية، بينما إذا أراد من عبده أنْ يجلب الماء له، فإرادتُهُ تكون إرادةً تشريعية.

والفارقُ بين نحوى الإرادة، أنَّ الأولى تبعث الإنسانَ نحو تحريك العضلات لتحريك ما يريده، وبديهي أنْ تكون الإرادةُ نفسها مؤثِّرةً في أعضائه لغرض الإنبعاث.

بينما الأمرُ في الثانية مختلِفٌ، فإنما أثَرُهُا إيجادُ الداعي

/صفحة 32/

والباعث في نفس الغير، للتحرُّكِ عن إرادته واختياره نحو ما تعلَّقت إرادةُ الأول بتحقيقه.

والباعث والداعي للتحرُّك لإيجادِ وتحقيقِ شيء عن إرادة واختيار مَنْ تولَّد في نفسه الداعي والباعث، ليس من شأنه إحداث الإرادة التكوينية، بل حصولُ الإرادة التكوينية تابعٌ لاختياره، فله أنْ يريد تحقيق ما أُريد منه، وله أنْ لا يريد.

لا أقصد أنه في مندوحة عن أنْ يريد أو عن أنْ لا يريد، بـل أقصد أنه مطلقُ العنان في اختيار ما يريد اختياره، ومن هنا استحقَّ الثواب على الفعل، والعقاب على الترك. 

ولهذا لا يمكن أنْ نتصور من جانب المولى تعالى تعلَّقَ إرادته التكوينية بصدور الفعل من العبد كيفما كان، وإنما الذي تتعلَّقُ إرادتُهُ تعالى به، هو خصوص وقوع الفعل من عبده باختياره وإرادته، فمتعلَّقُ الإرادة ليس الفعل، وإنما تعلَّقت الإرادة في أنْ يريد العبد الفعل باختياره.

ولهذا، لا يكون العبدُ في موارد الإرادة التشريعية مضطرَّاً للإنقياد والطاعة، ولو لم يكن إلا ما نُشاهِدُهُ ونعرفه بالوجدان من عدم الإطاعة للأوامر الإلهيَّة الحاصل مـن أكثر البشر،

/صفحة 33/

لكفى دليلاً قاطعاً على عدم استلزام الإرادة التشريعية لسلْبِ الاختيار عن العبد.

نعم، إرادتُهُ تعالى للتشريعِ نفسِه إرادة تكوينية، وهذا بخلاف ما تعلَّقت إرادته تعالى بصدوره منا، فإنها إرادةٌ تشريعية محضة.

ولمَّا أنْ كان سبحانه مريداً من جميع أبناء مملكته أنْ يختاروا الحق، والخير، والإنقياد، والطاعة، فإنه يتَّضحُ لك أنَّ الإرادة الإلهيَّة المتعلِّقة بتطهير أهل البيت (عليهم السلام)، لم تكن إرادةً تشريعيَّة، بل كانت إرادةً تكوينية.

ذلك لأنه تعالى قد أراد بإرادته التشريعية أنْ يختار جميعُ المكلَّفين الطهارة، فلا معنى لحصْرِ إرادته ذلك بأهل البيت (عليهم السلام) كما تفيده آية {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ..}، مضافاً إلى أنَّ الحمل على الإرادة التشريعية يقضي بعدم كون الآية بصـدد بيان منقبة لسيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) ولأبرار عترته (عليهم السلام)، مع أنَّ الآية من أعظم آيات الفضائل، وقد ثبَتَ من طرق الشيعة والسُّنة اختصاصُ الآية بهم (عليهم السلام)،(1).

ـــــــــــــــ

(1) فلاحظ على سبيل المثال لا الحصر، مسند أحمد بن حنبل ج1 ص 331 وج3 ص 259 ؛ صحيح مسلم ج 7 ص 130 ؛ سنن الترمذي ج 5 ح 3259 وح 3875 ص 31 و 328 ؛ المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 416 و ج3 ص 133 و147 ؛ السنن الكبري للبيهقي ج 2 ص 149 ؛ المصنف لابن أبي شيبة ج7 ح 39 وح 4 ص 501 و527 ؛ الآحاد والمثاني ج5 ح 2953 ص 360 ؛ خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) للنسائي ص 63 ؛ مسند أبي يعلى ج 7 ح 3978 ص 59 ؛ المعجم الصغير للطبراني ج 1 ص 135 والمعجم الأوسط ج3 ص 166 والمعجم الكبير ج 3 ص 52 إلى 57 ؛ تاريخ ابن عساكر ج 4 ص 290 و 13 ص 202 إلى 207 ؛ الإمامة والتبصرة ص 47 ؛ الكافي ج1 ص 287 ؛ علل الشرائع ج1 باب 151 ص 191 وباب 156 ص 205 ؛ كفاية الأثر ص 66 ؛ بحار الأنوار ج 10 ص 142 و425 وج 16 ص 203 و ج21 ص 281 وج 22 ص 503 و 25 ص 213.

/صفحة 34/

إذن لا يُراد من الإرادة في الآية الكريمة إلا إرادته تعالى التكوينية.

ولهذا قد توهَّم المتوهِّمُ إفادةَ الآية للعصمة الجَبْريَّة، ظناً منهوَظَنُّ أهلِّ الضلال ضلالٌ وباطلٌ ـ أنه لا يوجد منشأٌ يُصحِّحُ الالتزام باختيارية العصمة، مع كون الإرادةِ في مورد الآية إرادةً تكوينية.

ولكنك إذا ما تأملت فيما ذكرناه قبل قليل، من أنَّ إرادةَ العبد مفتقِرَةٌ في مقام تأثيرها وبلوغها حدَّ الفعلية إلى الفيض من المولى تعالى، فإنك تستطيع أنْ تعي كيف أنَّ الإرادةَ

/صفحة 35/

المتعلِّقة بتطهير أهل البيت (عليهم السلام) إنما هي الإرادة التكوينية للمولى تعالى، التابعة لتحقُّقِ الإرادة الأكيدة الفعليَّة والتامة منهم (عليهم السلام) على بلوغ أعلى مراتب الطهارة.

فهو تعالى بعد أنْ أراد تشريعاً منهم (عليهم السلام) بلوغ تلك المرتبة، قد أرادوا ذلك إرادة تامة حقيقية، ولمَّا أنْ كانت إرادتُهُم وتأثيرها مفتقِرَيْن إلى إرادته تعالى، فكان منه سبحانه أنْ أراد بإرادته التكوينية ما أرادوه بحق.

ولك أن تقول: لمَّا أنْ علم تعالى ـ وعلمه واحد، بما كان أو يكون أو سيكون ـ من أهل البيت (عليهم السلام)، أنهم لا تتعلَّق إرادتهم إلا بالطاعة وباختيار سبيل الطهارة القصوي، فناسب منه سبحانه أنْ يُخبِر بلسان الجَعْل التكويني عمَّا سيكون منهم (عليهم السلام) من تمام الإنقياد والإطاعة، ومن عدم التخلُّف عن ذلك، وبالتالي فيوافق ذلك في نتيجته كما لو أنه تعالى قـد أراد ذلك بإرادته التكوينية، فإنَّ متعلَّق إرادته التكوينية لا يمكن أنْ يتخلَّف عن إرادته، فإنه تعالى {وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وأيضاً {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وأيضاً {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ

/صفحة 36/

كُنْ فَيَكُونُ}(1).

فكما أنه تعالى إذا أراد شيئاً يستحيل أنْ لا يتحقَّق، فكذلك أهل البيت (عليهم السلام) لمَّا أنْ كان يستحيل في علْمِه تعالى أنْ يقع منهم خلافُ الطاعة، فناسب التعبيرُ في الآية عن شأن تطهُّرهـم بأنه تعالى أراد تكويناً ذلك، لأجل الدلالة على غاية الإنقياد منهم (عليهم السلام) للحق، بحيث علم الله تعالى أنه لنْ يقع منهم الخلاف بحال من الأحوال.

وأيضاً: لمَّا أنْ كان متعلَّقُ إرادتهم (عليهم السلام) منحصِراً بالطاعة والإنقياد له تبارك وتعالى، وقضاءً لافتقارهم إليه سبحانه، كان لا بُدَّ من تبعيَّة إرادته تعالى التكوينية لإرادتهم (عليهم السلام)، وبما أنَّ إرادتهم للحقِّ لنْ تتخلَّف في علمه تعالى، فكان أنْ أخبر عن تعلُّقِ إرادته سبحانه بما تعلَّقت إرادتُهُم (عليهم السلام) به.

على أنَّ هذا المعنى من تبعيَّة إرادته التكوينية لإرادة العبد مـمَّا لا تختصُّ بأهل البيت (عليهم السلام)، فإنَّ جميع إرادات عـالَم الإمكان تفتقِرُ إلى إرادته تعالى، وإرادتُهُ سبحانه فيما يخصُّ  ما يصدر من الإنسان أبداً تابعةٌ لإرادة الإنسان.

ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة الآية 117 ؛ سورة النحل الآية 40 ؛ سورة ياسين الآية 82.

/صفحة 37/

فمَنْ يريدُ العصيانَ لا يمكن أنْ يتحقَّقَ منه ذلك فعلاً لولا أنَّ الله تعالى قد أراد، وكذا جميع ما تتعلَّقُ به إرادةُ الإنسان.

غايته، أنه تعالى في مثل تلك الموارد، قد تعلَّقت إرادتُهُ بما تعلَّقت به إرادةُ العبد، لا أنه تعالى قد تعلَّقت إرادتُهُ بفعْلِ العبد، بل على أنْ يريد وعلى أنْ يختار العبد الفعل.

على أنَّ الإرادة الحقيقية لا يمكن أن تتعلَّق إلا بفعل الشخص نفسه، بقطع النظر عن كونه تعالى قادراً على خلْقِ الإرادة التي يشاء في مَنْ يشاء، كيفما يشاء.

فالكافر لا يمكن أنْ يُريد الكفرَ لولا أنه تعالى قد أذِن وأراد ذلك منه، كما لا يمكن للقاتل أنْ يريد وأنْ يقع منه القتلُ لولا إرادته تعالى.

نعم، قد أراد سبحانه الكفر من الكافر المريد للكفر، لا أنه أراد الكفر من الكافر، بحيث لا يكون لإرادة الكافر دخْلٌ.

وكذا قد أراد سبحانه القتل من زيد المريد للقتل، لا أنه قد تعلَّقت إرادتُهُ بالقتل، بل باختيار زيد للقتل، أو بالقتل الذي اختاره زيد.

ولولا أنه تعالى أراد من الكافر أو من القاتل أو مـن العاصي

/صفحة 38/

ما أراده كلُّ واحد منهم، ولولا توقُّف فعليَّة الإرادة منهم على إرادته تعالى وعلى إذنه، لكان عالَمُ الإمكان مستغنِياً وغيرَ مفتقِرٍ إليه تعالى، وهذا قطعيُّ البطلان، واضحُ الفساد.

على أنَّ معناه على أقل التقادير، إستغناء الممكِن عنه سبحانه، مع أنه تعالى هو الغني المطلق عمَّنْ سواه، وأنَّ ما عداه تـعالى محتاجٌ مفتقِرٌ إليه في كل شيء، وهذا المعنى مبَرْهَنٌ عليه في محله ولا مجال للتفصيل، وما ذكرناه يفي بشيء من التحقيق إنْ شاء الله تعالى.

وفي مورد البحث، فإنَّ أهل البيت (عليهم السلام) قد علم الله تعالى منهم الإنقياد التام الكامل، وعلِم بأنَّ إرادتهم لنْ تتعلَّق إلا بالحق بجميع شؤونه وسائر محقِّقاته، ولمَّا أنْ كانت تلك الإرادةُ منهم (عليهم السلام) تحتاج إلى إرادته تعالى التكوينية، فكان منه سبحانه أنْ أراد ما أرادوه، ولا تتخلَّفُ إرادتُهُ تعالى عن مراده، ومراده في المقام هو ما تعلَّقت إرادةُ أهل الحق به، وأهلُ الحق (عليهم السلام) تعلَّقت إرادتُهُم بالحق فحسب، وحيث أراد تعالى تحقيقَ الطهارة فيهم (عليهم السلام) تبعاً لإرادتهم التامة الأكيدة لذلك، فكان أنْ خصَّهم بتطهيرهم تطهيراً، تحقيقاً منه تعالى لإرادتهم

/صفحة 39/

(عليهم السلام)، كما هو الحال منه تعالى في جميع موارد ما تتعلَّقُ به إرادةُ مَنْ سواه في جميع النشآت، وفي تمام العوالِم.

وأخيراً، فإنه تعالى في آية {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ...} في مقام الإخبار عن خلوص أهل البيت (عليهم السلام) في نيَّتهم، وفي مقام بيان علوِّ مرتبتهم، وعظيم خطرهم، حيث زكت نفوسُهُم فلم يطلبوا إلا الحقَّ، وطهُر معدنُهُم فلم يشتاقوا إلا للطهارة، وصفت نيَّتُهُم فلم يرغبوا إلا بالطاعة للحقِّ سبحانه حبَّاً فيه تعالى، فلم يريدوا إلا التلبُّس بمـا يُذهِب عنهم الرجس، وبما يقضي بتطهيرهم تطهيراً، والمولى سبحانـه حيث علم منهم ذلك حقاً، فأخبر عن وقوع ما اختاروه وأرادوه وطلبوه، وتأكيداً منه تعالى على أمْر انقيادهم وعلى جريهم على مقتضى افتقارهم، جاء التعبيرُ في الآية بالإرادة، إرشاداً منه تعالى للخلق إلى أنَّ إرادتهم (عليهم السلام) كانت إرادةً تامة لا يشوبُهُا قصورٌ أو تقصيرٌ، تأمل بما ذكرناه، فإنه بالتأمل حقيق.

/صفحة 40/

المحتملات المتصورة في أمر العصمة

 

    إعلم أنه بقطع النظر عن الواقع والخارج وعن أيِّ عنوان، وفقط بحسب الإمكان الأولي، فإنَّ المعصوم (عليه السلام) يمكن أنْ يكون معصوماً بعصمة الله تعالى من دون أنْ يكون للمعصوم  أيُّ دخْلٍ أو أيُّ شأن في ذلك، ويمكن أنْ يدَّعى بأنه مخلوقٌ خاص خارج عن طور البشر، ويمكن أنْ يكون له دخْلٌ ولإرادته أثر.

وهذه الأمورُ الثلاثة جميعها كإمكـان عقـلي أولي قابلةٌفي حدِّ ذاتها للتصديق بها، ولا مجال لترجيح أحد المحتَمَلات إلا بالدليل القاطع.

ولكنَّ في الحقيقة، أنَّ كلاً من الإحتمالين الأول والثاني لا يمكنُ الالتزامُ بهما، لاستلزامهما من المحاذير التي يمتنعُ مـع ثبوت واحد منها ـ وجميعها ثابتة ـ إمكانُ تصوُّرِ وقوع العصمة على أحد النحوين، وبالتالي فيكون كلٌّ من النحوين من الأمر الممتنع الوقوع، فإنَّ ما يلزم عنه المستحيل، يكون

/صفحة 41/

من الأمر الباطل، وممَّا يستحيلُ وقوعُهُ وتحقُّقُه.

وبعبارة أخرى: إما أنْ لا يكون لشخص المعصوم دخْـلٌ، أو أنْ يكون له دخْلٌ، ولا ثالث.

وعلى الأول ـ أي فيما لو لم يكن للمعصوم دخْلٌ ـ فإما أنْ يقال بأنه إنسانٌ مجبَرٌ، أو أنه مخلوقٌ خاص مخالِفٌ في كنهه وحقيقته للإنسان، وإنْ شابهه في الظاهر.

والمحتَمَل الثاني ـ أي فيما لو كان لشخص المعصوم دخْلٌ ـ لا يمكنُ تقسيمُهُ إلى قسمين، بأنْ يقال: إما أنْ يكون له دخْلٌ بنحو الإستقلال والإستغناء عنه سبحانه، أو مع كونه غيرَ مستغنٍ، ذلك أنَّ قضيةَ إستغناء الممكن عن الواجب تعالى أمْرٌ باطل في حدِّ ذاته.

وعليه فالمحتَمَلات لا تزيد عقلاً عن ثلاثة، وإذا ما كانت المحتملات في أمْر العصمة لا تخرج عن هذه الثلاثة، فإنَّ قيامَ الدليل القاطع على بطلان محتمَلَيْن منهما، يكفي للقطع بأنَّ المحتَمَل الثالث ـ أي بأن يكون لشخص المعصوم (عليه السلام) دخل ـ هو الصحيح.

وعليه، فلا يضر في مقام الإعتقاد بأنَّ العصمة ترجع إلى

/صفحة 42/

الاختيار عدم الظفر بالدليل الخاص على ذلك، فإنَّ العصمةَ أمْرٌ حاصل قطعاً، وإذا برهنَّا على استحالة الأمرين الأول والثاني من الأمور الثلاثة المحتمَلَة، فإنَّ ذلك يُمثِّل برهاناً قطعيَّاً على رجوع العصمة إلى الاختيار، قضاءً لتعيُّـنِ المحتمَل الثالث عقلاً.

وبعبارة ثالثة: إذا كانت المحتملات لا يمكن أنْ تكون أربعةً، فإنَّ بطلان إثنين منهما بشكل يقيني، يكشف عن كون ثالثهما هو الصحيح، سواء استطعنا أنْ نُبرهِن على ذلك بالخصوص كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى، أم لم نُوفَّق لا سمح الله في إقامة الدليل القاطع على ذلك.

وكمثال للتقريب نقول: إذا فرضنا أنَّ الموجود في الدار لا يمكن أنْ يكون إلا زيداً أو عمرو، فإنْ استطعنا أنْ نُبرهِن على وجود زيد بالخصوص أو عمرو فهو، وإنْ لم نستطع أنْ نُبرهِن على وجود أحدهما، فيكفي أنْ نُبرهِن على عـدم وجود زيد مثلاً في الدار، فإنه في نفسه برهانٌ قطعي أيضاً على أنَّ الموجود في الدار هو خصوص عمرو.

/صفحة 43/

سأل سائل:

 

    هذا وقد سأل سائل: هل العصمة ذاتية أم فيض من الله؟

وقد أُجيب: "هي ذاتية بلطف من الله، وذلك يعني أنَّ الإمام ليس مجردَ جسدٍ يتحركُ تلقائياً دون فكر، بل الإمام هـو إنسانٌ يملك في داخل شخصيته القاعدة التي تنطلق منها كمالاته، والله سبحانه وتعالى يُعطيه لطفاً لرعاية دور الإمامة في هذا الموضوع أو ذاك.

وقد تساءل خصوم هذا الرأى مُستشكِلين: كيف يمكن أنْ يكون الإمامُ واجبَ العصمة ويكون مختاراً ؟! لأنَّ الوجوب يُمثِّل سدَّ باب العدم والاختيار، ومعناه تساوى العدم والوجود، وهذه مفارقةٌ لا يمكن الالتزام بها. ويبدو أنَّ علماءَ الكلام خلطوا في الجمع بينهما بطريقة، لا تشعر أنهم يُعطونك فكرةً واضحةً من خلالها.

وإنَّ لدى رأياً أطرحُهُ للبحث العلمي دون أنْ أُحدِّد موقِفاً حاسماً فيه، فأنا أقول كما يخلق الله شمساً تُضيء عـلى الناس، يخلق إنساناً يضيء على الناس، أي يخلُقُه معصوماً، فما المانِع من ذلك ؟! وإذا كنتم تجادلون في استحقاق

/صفحة 44/

الثواب، فقولوا لي على أيِّ أساسٍ نحن نستحقُّ الثواب، هل نُثاب بالاستحقاق؟ إننا نطيع الله في كل ما أعطانا: بكل جسدنا الذي نطيع الله فيه، وكل عقلنا الذي هو ملك لله، فنحن عندما نطيع الله فبملك الله، فما هو الفضل لنا في ذلك؟!

ففي بحثٍ لعلماء الكلام يتساءلون: هل الثواب بالاستحقاق أو بالتفضُّل؟ إنهم يقولون أنه استحقاق بالتفضُّل، فتعالوا  نجعل القضيةَ تفضُّلاً بدون واسطة.

فنظرية علماء الشيعة الذين يقولون أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) يُولَد معصوماً والإمام يُولَد معصوماً، لا يمكن أن تُفسَّرَ إلا على أساس جبْريَّةِ العصمة، وإلا كيف يُولَدُ الإنسانُ معصوماً وهو لم ينطلق في تجربة؟ لذلك فأنا أعتبر أنَّ معنى وجوب العصمة يساوى حتميَّةَ العصمة، وليس هناك دليل آخر. أما لماذا اختار الله هذا دون ذاك؟ ما الفرق بينه وبين الإمام؟ لماذا يُعطي الله الإمام هذه العصمة ولا يعطيني هذه العصمة؟ فإنه{لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} و{اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}(1).

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأنبياء الآية 23 ؛ سورة الأنعام الآية 124.

/صفحة 45/

أظنه سؤال شبيه بالسؤال: لماذا وضع الله الشمس في المشرق ولم يضعها في المغرب؟ لماذا خلق الله فلاناً على صورة معيَّنة، وخلق فلاناً على صفة معيَّنة؟

إننا لا نقدر أنْ نتفلسَف في أفعال الله، ولا نقدر أنْ نتدخَّل فيها، وإذا كان البعض يقول: أنَّ العصمة تنطلق من الاختيار من خلال أنَّ العلم الذي يملكه النبيُّ أو الإمام، يجعل المعصيةَ ممتنِعةً وقوعاً وإنْ كانت ممكِنةً ذاتاً، فإننا نقول: مَن الذي أعطى العلم بهذه الدرجة الإلهاميَّة بالمستوي الذي تمتنعُ فيه المعصيةُ بواسطة ذلك، أليست حتميَّة بالواسطة؟ وعـلى أيِّ حالٍ، فإننا لا ننطلق في هذا الموضوع من رأى حاسم، بـل من فرضيَّةٍ فكريَّةٍ للمناقشة"(1).

 

كلام متناقض:

    أقول: ما ذكره هذا المجيب من أنه لا ينطلق في هذا الموضوع من رأىٍّ حاسم ـ مضافاً لمنافاته لِمَا ذكره من آراء وتشكيكات لا يستطيع معها إلا الالتزام بجبريَّة العصمة ـ

ـــــــــــــــ

(1) الندوة 1 للسيد محمد حسين فضل الله ـ ص 374 ـ 375 ط الخامسة دار الملاك 1998م

/صفحة 46/

ينافيه ما ذكره في المجلد السادس من الندوة، فلاحظ(1).

ولا يكاد يخفى على كلِّ ناظر في كلامِ هذا المجيب، أنه وإن ادَّعى بأنَّ ما ذكره لا يعدو عن كونه مجردَ طرحٍ ساذجٍ لا يتبنَّاه، ولا يلتزم به بنحوٍ جازم، غير أنَّ بعـض التأمل فيما ذكره في مواضع متفرقة، يُورِث القطعَ واليقين بأنه مِمَّنْ يلتزم جازماً، ومِمَّنْ يعتقد قاطعاً بما أشار إليه من جَبْريَّة العصمة.

ويتلخَّصُ ممَّا ذكره، أنه يلتزم بجبريَّة العصمة، مدَّعِياً عدم وجود وعدم ترتُّبِ أيِّ محذور ثبوتاً وإثباتاً عن مثل هذا الالتزام، وهو وإنْ لم يُصرِّح بعدم وجود محاذير على هذا الالتزام، غير أنه ومن خلال ـ عدم تعرضه للجواب إلا عن وجـه تفضيل شخص على آخر، وأيضاً إلا عن التساؤل عن كيفية تصحيح الثواب بناءً على ما ذكره من مبنى ونظرية ـ يُستفاد أنه ممَّنْ يُنكِرُ وجودَ أيِّ محذور آخر، زائداً على ما ذكره من المحذورين، وسنتعرض إنْ شاء الله للتفصيل في هذا فانتظر.

ـــــــــــــــ

(1) الندوة 6 ص 350 ـ 351 دار الملاك الطبعة الأولى 1420 هـ ـ 2000م.

/صفحة 47/

نقاط تُستفاد من الجواب المتقدم:

 

    هذا وقبل الدخول في صلب البحث، نُشيرُ أولاً إلى النقاط التي ذكرها صاحب الندوة، ونُعلِّقُ عليها بما يفسح بـه المجال، فنقول يتلخص مما ذكره نقاط: 

النقطة الأولى: أنَّ الوجوب ينافي الاختيار، لأنَّ الوجوب يُمثِّلُ سدَّ باب العدم والاختيار.

النقطة الثانية: أنَّ المانعَ من خَلْقِ الله شخصاً معصوماً، يتمثَّلُ في قضية استحقاقه للثواب، لأنَّ المفروض أنه غيرُ مختارٍ في ما يطيع الله تعالى فيه.

النقطة الثالثة: أنَّ الثواب من باب التفضُّل المحض.

النقطة الرابعة: أنَّ نظرية الشيعة بأنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام) يولدان معصومَيْن، لا يمكن أنْ تُفسَّر إلا على أساس جبريَّة العصمة.

النقطة الخامسة: بما أننا لا نستطيع أنْ نتفلسف في أفعال الله سبحانه، فإنه لا معنى للسؤال عن وجهِ وسببِ إعطاء الله تلك القدرة الخاصة للمعصوم دون غيره، فـلا مجال للسؤال لماذا اختار الله تعالى هذا دون ذاك؟

/صفحة 48/

النقطة السادسة: أنَّ السؤال عن أنه لماذا أعطى الله سبحانه تلك الملكة والفضيلة لذاك دون هذا، شبيهٌ بسؤال لماذا وضع الله الشمس في المشرق؟

النقطة السابعة: أنَّ القول بأنَّ منشأ العصمة هو العلم الذي يملكه النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام) لا يحلُّ الإشكال، لأننا حين نسأل عن الذي أعطاه العلم بهذا المستوي، سوف نصل إلى نتيجةٍ شبيهةٍ بالتي ذكرناها، وحاصلها: صيرورة امتناع صدور المعصية منه حتميَّةً بواسطة ذاك العلم، وعليه فالإشكال لا يرتفع، لأنه لا فرقَ بين أنْ يكون المعصومُ مُجبَراً على الطاعة وقد خلَقَه الله تعالى معصوماً، وبين أنْ يمتنعَ صدورُ المعصية منه بتوسُّطِ العلم العاصم الذي أُعطيَ له.

النقطة الثامنة: أنَّ البحث في مسألة هل أنَّ المعصوم معصومٌ بالاختيار أو بلا اختيار، لا فائدة فيه.

هذا تلخيصُ ما يفيـدُهُ كلامُ الندوة، وقبل الشروع في البحث وفي بيان أصل المطلب، نجيب بنحو الإختصار عن هذه النقاط.

/صفحة 49/

الجواب عن النقطة الثامنة:

 

    فنقول: إنَّ الحديثَ عن العصمة وعن ما هو مرجعها، حديثٌ عميق جداً، وكأنه لا سبيل للعقل وحده لاستكشاف منشئها، ولا استكشاف شيءٍ من حقيقتها وتفاصيلها، لولا الأدلةُ الشرعيَّة من الآيات القرآنية والأحاديث المعصومـية، وإنْ كان العقل يستقل ـ على جميع التقادير في حقيقة العصمة ـ بإدراكه بلزوم وجود المعصوم.

نعم، من خلال التأمل في بعض الآيات القرآنية، والأخبار الشريفة، يتأتَّى للمتأمِّل إدراكُ شيءٍ من حقيقة العصمة، ويقفُ على منشأ تحقُّقها ووجودها في الصفوة من الخلق.

لذا كان المتعيِّنُ أول ذي بدء ملاحظة النصوص الشرعية، ثم السير والسلوك على هديها، وبذلك يستطيع العقلُ الواعي أنْ يتعرَّفَ على شيءٍ من الحقيقة، وأنْ يعي مورداً من موارد عظيم حكمته تعالى، ولطيف تدبيره سبحانه.

 

إدراك الحقائق:

 

    لا يكاد يخفى أنه كلما أدرك العاقلُ حقيقةً ما من الحقائق،

/صفحة 50/

كلما ترقَّى في مدارج الكمال العلمي من جهة، ويكون ذلك داعياً له إلى مزيد الجِدِّ في نيل درجات السعادة الأبديَّة، بتوسُّطِ العمل على وفْق ما أدركه من سُبُلِ الخير ومُحقِّقات القرْب من الحق تعالى.

وغنيٌّ عن البيان، أنه لا خيرَ في علم بلا عمل، كما أنه لا عمل إلا بنيَّةٍ، ونيَّةُ العالِم ليست كنيَّة الجاهل، وعزمُ العارِف لا يشبهُهُ عزمُ غيرِ العارِف.

وبهذا ينقدح لك، كيف أنَّ البحث في مسألتنا هذه، وفي غيرها من المباحث الكلامية والأمور العقائدية، ممَّا يترتَّبُ عليه فائدةٌ جليلةٌ، وعليه فيكون القولُ ـ بأنَّ هذا علمٌ لا يضرُّ مَنْ جهِلَه ـ قولاً بعيداً عن الصواب غايته.

أَوَ ليس تعرُّفُ العاقل ودرْكُهُ لسرٍّ ما، يكون داعياً له للعمل على إدراكه وتحصيله؟

أَوَ ليست العصمةُ آيةً من آيات المولى سبحانه، وقد أمر تعالى بالتدبُّر في آياته والتفكُّر فيها، وذمَّ المعرِضَ عنها وغيرَ المتأمل فيها، وفي ما تدل عليه، أو تشير إليه؟

وقد كثرت الآياتُ الكريمة التي تحثُّ على التفكُّر في

/صفحة 51/

عظمةِ الله تعالى، وخفيِّ تدبيره وتقديره، وليست العصمةُ إلا من أبرز تلك الأمور التي دبَّرها سبحانه، وقدَّرها، وقضاها.

ثم لا أدري كيف يكون البحثُ في أنَّ المعصوم هل هو معصومٌ باختياره أو بغير اختياره بلا فائدة؟!

مع أنه إذا علمنا بأنه معصومٌ باختياره، فإنه يترتَّبُ على ذلك مزيدٌ من التقديس له من جهتنا، وظاهر جداً أنَّ مـن شأن ذلك أنْ يبعث على محبَّتِه ومودَّته، والإعترافِ بفضْله وكماله، فضلاً عن أنه يترتَّبُ عليه المزيدُ من الجِدِّ في تحصيل بعض المراتب التي تُقرِّبُ منه، بل يتحقَّقُ أيضاً التصديقُ بإمكان الالتزام والجرى وفق الشريعة المقدسة.

فإنه إذا علمنا بأنَّ الصادعَ بالرسالة والحافظَ للشريعة، كانت عصمتُهُ باختياره، وبتوسُّط إرادته وجهاده، فإنه يتأتَّى منا التصديقُ بإمكان السلوك على نهجه والإقتداء به، وذلك هو روحُ الشريعة ولُبابُها.

وإذا كان المعصومُ مجبَراً، فإنه بالتالي لا يكون مالِكاً لأيِّ حظٍّ من الفضْل والكمال، وعليه فينتفي المُوجِبُ للتصديق منَّا بفضله، وكماله، ورفيع محله.

/صفحة 52/

بل على هذه النظرية فلا فضْل له، إذ أيُّ فضلٍ يملكه المجبَرُ غيرُ المختار حتى يتحقَّقَ من الآخرين التصديقُ والإعترافُ بفضْلِه، وكمالِ حاله، ورفعةِ منـزلته ومرتبته؟!!

وإذا كان المعصومُ مجبَراً، فيخرج عن كونه شخصاً جرى طبق الشريعة الإلهيَّة باختياره، وعليه فلا يبقى مجالٌ لكينونته القدوة، فإنَّ الإقتداءَ به ليس إلا عبارةً عن إعمال الإرادة والاختيار في مثل ما أعمل هو إرادته واختياره فيه، ومع كونـه مسلوبَ الاختيار فيما يأتي به أو ينتهي عنه، فلا قدوة في البين، وأيُّ قدوةٍ ذاك الذي يصلح أو يصحُّ الإحتجاج به على الخلق، مع فرْض كونه مجبَراً مسيَّراً؟!

ومما ذكرنا تقف على فساد النقطة الثامنة التي تستفاد من جواب الندوة.

 

الجواب عن النقطة السابعة:

 

    وأما الجواب عن النقطة السابعة فحاصله: أنه إذا أمكن تصحيحُ العصمة على أساس العلم على ما سوف يأتي إنْ شاء الله تعالى، فلا مجال للإشكال الذي ذكره في الندوة إلا إذا

/صفحة 53/

كان المعصومُ قد أُعطيَ تلك المرتبة من العلم دون استحقاق.

وأما إنْ كان قد أُعطيَ ما يستحقُّه، فمن البداهة أنْ يبطل قول القائل بأنَّ العصمة حتميَّةٌ بالواسطة من جهة امتلاك المعصوم لذاك النحو من العلم، والذي معه يكون صدورُ المعصية منه ممتنعاً، ذلك أنَّ الامتناعَ الوقوعي لا ينافي الاختيار أولاً، أي استحالةُ وقوع المعصية من المعصوم بتوسُّط العلم العاصم لا ينافي أنْ يكون المعصومُ مختاراً قادراً على ترْك المعصية، مضافاً إلى أنَّ حصولَ المعصوم (عليه السلام) على تلك المرتبة من العلم التي بتوسُّطِها امتنع وقوعُ المعصية منه، يرجع إلى اختياره وإرادته، ولا شبهة أنَّ ما يرجع إلى الاختيار ولو لكون بعضِ المقدمات اختياريَّةً، لا يخرج عن كونه أمراً اختياريَّاً بسبب بعض المقدمات الأخري التي هي بحسب الفرض جدلاً خارجة عن الاختيار.

بل حتى لو التزمنا بأنَّ الامتناعَ الوقوعي ينافي الاختيارَ والامكانَ الذاتي ـ والعياذ بالله ـ غير أنه لا مجال  لقياس الوجه الذي ادَّعاه في الندوة والذي صرَّح بأنَّ معناه جبْريَّة العصمة، على الوجه المُصحَّح على أساسه العصمة وأنه العلم.

/صفحة 54/

ذلك أنه على المعنى الأول الذي ذكره في الندوة، لم يكن لاختيار المعصوم وإرادته أيُّ شأن في المُبتدي والمُنتهى، بينما على المعنى الثاني ـ وهو رجوع العصمة إلى العلم العاصم ـ يختلف الحال، حيث يرجع تملُّكُه للعلم في المبتدي إلى الاختيار لاستحقاقه له، فلا بُدَّ من رجوع المنتهى إلى الاختيار.

ولك أنْ تقول: بما أنَّ المعصوم حصل باختياره وإرادته على تلك المرتبة من العلم، فإنَّ جميع العقلاء ينظرون إلى أنَّ ما ينتجُ ويترتَّبُ على تلك المرتبة منتسِبٌ إليه، مرتبطٌ به.

 

إختيارية المقدمات تعني أنَّ النتيجة إختيارية:

 

    وبعبارة أخرى: بما أنَّ المقدمات إختيارية، فما يترتَّبُ عليها بعد حصولها، وإنْ كان خارجاً عن الاختيار ـ بحسب ما فرضناه وهو مجرد فرْض فحسب، وإلا فالواقع ليس كذلك ـ إلا أنه لا يخرج عن كونه أمراً اختيارياً باعتبار القدرة على المقدمات المُوصِلة إلى تلك النتيجة الحتميَّة.

وكم من فرق فارق، بين ما كان حتميَّ التحقُّقِ والوقوع مع عدم الدخالة لإرادة واختيار الإنسان بأيِّ نحو من الأنحاء،

/صفحة 55/

وبين ما كان حتميَّ الوقوع بتوسُّطِ إرادة الإنسان واختياره.

وهل يُقاس ما لا أملك أيَّ سبيل إليه وأية قدرة عليه، بما يكون مرجعه في المبتدي إلى قدرتي واختيارى؟! أي شطط من القول هذا !!

 

الجواب عن النقطة السادسة:

 

    وأما ما أشار إليه سادساً فعجيب غريب، فإنَّ وضْعَ الشمس في المشرق ـ وكذا جميع الأمور التكوينية التي لا يترتَّبُ عليها أيُّ أثر أُخروي من ثواب ورفعة منـزلة، أو عقاب ودنُّو مرتبة، كيف يُشبَّه بها أمرٌ يُدَّعى كونه تكوينياً، مع أنه ذو أثر عظيم، وفضْل جسيم، في الدين والدنيا والآخرة؟!

نعم لو لم يكن يترتَّبُ على مسألة العصمة، وعلى كون الشخص معصوماً أيُّ أثر ذي اعتبار، لصح أن يقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو سبحانه وإنْ كان وحده العالم بذلك على جميع التقادير وفي تمام الأحوال، ولكن لا يصح بحال أنْ نقيس ما يترتَّبُ عليه آثارٌ وأمورٌ مهمة، ونُشبِّهه بما لا يترتَّبُ عليه شيءٌ من ذلك.

/صفحة 56/

وبالله عليك أيُّ عاقل يرضى بأنْ يُنسَب إلى كريم حكيم، أنه أكرم شخصاً زيادةً على ما أكرم به شخصاً آخر، وأنَّ السبب في زيادة الإكرام هو كون الشخص الأول أطول مثلاً، أو أنه أكرمه وكرَّمه لبعض الأمور التكوينية، التي لا نسبة ولا علاقة بينها وبين اختيار وإرادة ذاك الشخص؟!

وهل الأمور التكوينية من الطول والقصر وما شاكل، ممَّا تُعدُّ فضْلاً ومُكرمَةً، حتى يصح حصول زيادة الإكرام والتفضُّل بلحاظها وبإزائها؟!

وأيَّ ربٍّ حكيم عادل يكون ربُّنا ـ وهو العدل الحكيم ـ وقد فضَّل في الدين والدنيا والآخرة أشخاصاً معيَّنين، لمحض أنه أحبَّ ذلك، واختار، وأراد، فعصمهم واجتباهم من دون أنْ يكون لهم أيُّ خصائص، ومن دون ثبوت فضائل وصفات ومميِزات اختياريَّة، جعلتهم مستحقِّين للتفضيل؟!

وكيف يَفْضُل أو يُفضَّل غيرُ المختار المُجبَر، وهو المعصوم بناءً على نظرية الجبر، على المختار ذي الإرادة والاختيار؟!

اللهم إلا أنْ يُنكِر صاحبُ نظرية الجبْر وجودَ الفضل للمعصوم (عليه السلام)، وهذا ما لا يلتزم به مسلم أبداً.

/صفحة 57/

الجواب عن النقطة الخامسة:

 

    وأما الجواب عن النقطة الخامسة فقد اتَّضح ممَّا سلف، فإننا وإنْ كنا قاصرين عن التفلسف في أفعال الله تعالى إبتداءً، ولكنَّ المولى سبحانه قد عرَّفنا حكمتَه ولطيفَ تدبيره في خلْقِه أولاً، ودلَّنا على عدله في تقديره ثانياً، وعلى أنه يجتبي ويصطفي مَنْ فيه الأهليَّة والقابليَّة ثالثاً، وأنه يُقرِّب مَنْ يستحقُّ ذلك، ومَنْ يطلبه، ويسعى نحوه ويريده رابعاً، فحاشاه سبحانه أنْ يتخلَّف عن الحكمة والعدل مرادُهُ، وتنـزَّه عن العبثيَّة واللغوية فعلُهُ وحكمُهُ.

   وهل التفضيل من دون استحقاق إلا فعْلٌ مناقضٌ للحكمة، ظاهراً وباطناً!

 وهل الترجيح بين ما لا تمايز بينهم إلا فعْلُ غيرِ العاقل!

بل هل يمكن الترجيحُ مع عدم وجود المرجِّح؟

بلى، إنَّ الترجيحَ بين المتساويَيْن أمرٌ مستحيل تحقُّقُه، وإذا رجعت إلى نفسك، وحكَّمت وجدانك ترى ذلك أمراً قطعياً، غايته، أنك قد تُرجِّح لجهة خارجيَّة بين ما لا تمايز بينهما، وأما مع التساوى من جميع الجهات والاعتبارات واللحاظات،

/صفحة 58/

فإنَّ إقدامَ الشخص على تقديم أحد المتساويَيْن، أمْرٌ لا يمكنُ حصولُهُ ببديهة العقل، وبحكم الوجدان.

وقد مثَّل أهلُ التحقيق بأمثلة كثيرة، فالهارب من الأسد المفترس إذا وقف على مسافة ما تنتهي بطريقين، وكلا الطريقين يُحقِّقُ الغرضَ وهو الهروب، فإنه مع كون الطريقـين متساويَيْن من جميع الجهات، يستحيل أنْ يتحرَّك لاختيار أحدهما على الآخر، وليس تحرُّكُه في تلك الحالة باتجاه أحد الطريقين، إلا لانقداح أمْرٍ في ذهنه قضى بترجيح الطريق الذي سلكه على الآخر، ويكون ذاك الأمرُ المنقدِح في الذهن هو الذي قضى بالترجيح، وبالتالي باختيار أحد الطريقين(1).

ـــــــــــــــ

(1) وأما ما قد يقال بأنَّ العقل في مثل هذه الموارد يحكم بالتخيير، وعليه فاختيار أحد الطريقين يكون بحكم العقل.

فالجواب: صحيح بأنَّ العقل يحكم بذلك، غير أنَّ تطبيق ما يحكم به العقل على أحد الطريقين ممَّا لا يمكن، فالكلام يكون فيما دعا العاقل على اختيار هذا الطريق دون ذلك، أي الكلام كيف يمكن تطبيق ما يستقل العقل بالحكم به على أحد الطريقين، ما دام كلٌ منهما على حدٍّ سواء، وانطباق العنوان على أحدهما كانطباقه على الآخر، فاختيار أحدهما بعينه لا بُدَّ له من مبرِّر، ولا مبرِّر له بحسب الفرض.

/صفحة 59/

وهذا الذي ذكرناه، وإنْ كان أمراً لا يُخالِف فيه أحدٌ من العقلاء، إلا أنه يحتاجُ التصديقُ به إلى مجرَّد تصوُّر الصورة التي فرضناها، ولعل لعدم وضوح الصورة في هذا الأمر، أعني لعدم مصادفة الإنسان لأمرين متساويَيْن من جميع الجهات وبتمام الاعتبارات، يكـون التصديقُ به من غير أهل الخبرة، أمراً لا يخلو عن تشويش، بل نحتاج في مقام البرهنة لهم على صحته إلى مقدمات ومقدمات.

والذي يُهوِّن الخطب، أنَّ الترجيحَ من المولى تعالى بين  المتساويَيْن قبيحٌ على جميع التقادير، وكلُّ قبيح مستحيلٌ ممتنِعٌ صدوره عن ساحة ذي الجلال والإكرام، الغني المطلق عمَّنْ سواه.

وبما أنه تعالى الغني، فلا بُدَّ وأنْ يكون الترجيحُ راجعاً إلى خصوصيَّة في الذي يقع عليه الترجيح، وإنْ لم يكن فيمَنْ وقع عليه الترجيحُ من خصوصية، فلا بُدَّ من افتراض وجود خصوصيَّة في الفاعل، وبما أنه تعالى هو الفاعل، فافتراضُ الخصوصيَّة فيه يعني افتقاره إليها، وهذا مستحيلٌ، إذن لا خصوصيَّة فيه تعالى لترجيح أحد المتساويَيْن على الآخر، فإنَّ

/صفحة 60/

غناه تعالى عن كلٍّ منهما على حدٍّ سواء، وبما أنه لا خصوصيَّة في أحدهما، فافتقارهما إليه على حدٍّ سواء.

 

الاجتباء والاستحقاق:

 

    ثم إنَّ الخلق إنْ كانوا في مرتبة واحدة، بأنْ لم يكن بينهم تفاضلٌ أصلاً، فإنَّ اجتباءَ زيدٍ دون عمروٍ، يعني تفضيله عليه مـع كونه غيرَ مستحقٍ لذلك في نفسه، وبما أنَّ المفروض هـو عدمُ وجود أيِّ امتياز بين الخلق بحسب ادِّعاء صاحب الندوة، فعليه يكون تفضيلُ شخص على شخص آخر مثله، ترجيحاً بلا مرجِّح، وهو مستحيل أو قبيح، وعلى تقدير أنه قبيح فقط، فهو مستحيل أيضاً، لاستحالة صدور القبيح من المولى سبحانه.

وعلى أيِّ حال، فإما أن يُلتزَم بعدم تحقُّقِ التفاضل بين الخلق ذاتاً، أو بوجود التفاضل.

فعلى الثاني، يكون مرجع التفضيل إلى الاستحقاق، ولازمُ الأول ـ أي عدم وجود التفاضل ذاتاً ـ إنكارُ أفضليَّة الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) على الخلق.

/صفحة 61/

إنْ قيل: إنهم يفضلون الخلق بما أعطاهم الله تعالى وخصَّهم.

  قلنا: وأيُّ عاقل يرى تحقُّقَ الفضْل للفاضل، بما لا يملك أيَّ نحو من أنحاء الاختيار بما يُدَّعى وقوع الفضْل له فيه؟

 

الجواب عن النقطة الرابعة:

 

    وأما الجواب عن النقطة الرابعة، فحيث يدَّعي صاحب الندوة عدمَ إمكان تصحيح نظرية الشيعة على ثبوت العصمة للإمام (عليه السلام) من حين الولادة، فقد رأى أنه يُواجهُهُ أحَدُ محذورين:

إما الالتزام: بكون العصمة مكتسبةً، ويلزم عن ذلك عدم تعقُّل تولُّد المعصوم معصوماً، وهذا خلافُ الضرورة في مذهب أبناء الفرقة الناجية

أو الالتزام: بتولُّده معصوماً، وهو أمْرٌ غير متعقَّل عند صاحب الندوة إلا على أساس جبريَّة العصمة، ونظريةُ الجَبْر لا تخلو عن محذور.

وبما أنه يلزمُ عن الالتزام الأول، توقُّفُ تحقُّقِ العصمة على ممارسة التجربة، بناءً على ما ذكره صاحب الندوة من أنه

/صفحة 62/

كيف يُولَد الإنسان معصوماً وهو لم ينطلق في التجربة، والذي يعني استحالة تولُّده معصوماً، مضافاً إلى أنه يقضي باستبعاد أهليَّة غير البالغ وغير المكلَّف لمنصب الإمامة ـ لـعدم تعقُّلِ صيرورته معصوماً وإنساناً كاملاً، لتوقُّفِ ذلك على ممارسة التجربة الجِديَّة والحقيقيَّة ـ وهو أمْرٌ معلوم البطلان عند الشيعة الإمامية، فرأي صاحب الندوة بأنَّ الالتزامَ بالأمر الثانــي متعيِّنٌ، ظناً منه بأنَّ القول بجبريَّة العصمة لا يلزمُ عنه أيُّ محذور خطير، وأنه لا فسادَ في أصل النظرية.

وكأنَّ صاحب الندوة يخاطب أبناءَ المذهب الحق ويُلزِمهم بأحد شيئين، قائلاً لهم: أيها الشيعة الإمامية؛ إما أنْ تلتزموا بـأنَّ المعصومَ مجبَرٌ، أو أنَّ عصمتَه مكتسبةٌ.

وبما أنه لا مجال للبرهنة على إمامة الصغير الذي لم ينطلق في أية تجربة جِدِّية حقيقية ـ بحسب تعبير الندوة ـ لذا لا يمكنُ لكم الالتزامُ بالأمر الثاني، إذ كيف تُبرهنون على صحة إمامة الإمامين الجواد والحجة المهدى المنتظر (عليهما السلام)؟! لذا فبنـاءً على مذهبكم وعلى ما تلتزِمون به، فالعصمةُ لا محالة جبْريَّةٌ.

أقول: نحن أبناء الفرقة الناجية نُنكِرُ ما ادَّعاه صاحب الندوة

/صفحة 63/

وندَّعي بطلانه بالضرورة القطعية، وقد أقمنا الحجج والبيِّنات على أنَّ العصمة أمْرٌ مكتسَبٌ بالاختيار، وستقفُ على الحقيقة فيما يأتي إنْ شاء الله تعالى، فانتظر.

 

الجواب عن النقطة الثالثة:

 

    وأما الجواب عن النقطة الثالثة من أنه تعالوا لنجعل قضية الثواب من باب التفضُّل المحض، فلا أدري هل أنَّ عدم التحقيق في المطلب هو الذي دعاه إلى طرْحِ مثل هذا الطرح، ليكون طرحُهُ طرحاً ساذجاً وطرحاً ارتجالياً، فيدعونا ذلك إلى عدم تسجيل هذه المخالفة عليه، وبالتالي فيكون ممَّنْ لم يُحِط خُبْراً بما ادَّعاه، أو أنه كان في مقام الإشارة إلى ما يراه ويذهب إليه، ليكون معتقِداً به عن سابق بحْثٍ له في هذا المطلب؟

ثم إنه لم يتضح مقصودُهُ من قوله "تعالوا لنجعل قضية الثواب من باب التفضُّل"، فهل يقصد أنَّ الثواب مطلقاً أي للمعصوم ولغيره هو من باب التفضُّل، أو أنَّ الثواب لغير المعصوم من باب الاستحقاق، ولكنه لخصوص المعصوم هو

/صفحة 64/

من باب التفضُّل؟

ومهما يكن، فالكلام في أنه هل الإنسانُ يستحقُّ الثوابَ بذاته، أو أنه يستحقُّهُ بتفضُّلِ الله تعالى، أو أنَّ الثواب ممَّا لا يستحقُّه أحدٌ، وإنما هو محضُ تفضُّلٍ؟

وبعبارة أخرى: هل أنَّ الثوابَ ممَّا يتفضَّل به سبحانه ولو لم يكن الشخصُ مستحِقَّاً له؟

أو أنَّ الثوابَ منه ما يكون تفضُّلاً محضاً، ومنه ما يكون إستحقاقاً بالتفضُّل، وليس شيئاً من الثواب من باب الاستحقاق الذاتي المحض؟

ويمكنُ تشقيقُ الفروض المحتَمَلة إلى ما يزيد عمَّا فرضناه،  والغرضُ ليس متوقِّفاً على بيانها، فلا حاجة تدعو إلى تفصيلها.

 

كون الثواب للمعصوم (عليه السلام) من باب التفضل يعني أنَّ غيره أفضل منه:

 

    فإنْ كان يريد أنَّ ثواب المعصوم هو بالخصوص من باب التفضُّل، وأنَّ ثواب غيره من باب الاستحقاق، فهذا يعني أنَّ

/صفحة 65/

 

غير المعصوم أفضل من المعصوم، لأنَّ مَنْ يأخذ شيئاً عن إستحقاق، فهو لا محالة يكون أفضل ممَّنْ يأخذه من دون إستحقاق بالبداهة والضرورة.

وإنْ كان يقصد بأنَّ الثواب للمعصوم ولغيره هو من باب التفضُّل المحض، فيلزم عنه ـ مضافاً لإنكار إيجاب واستلزام العمل باختيارِ العاملِ لـه وإعمالِ إرادته فيه للأثر، وهذا الإنكارُ باطلٌ عقلاً وشرعاً ـ أَحَدُ أمرين:

الأول: إنكار ما لا يُحصى من الآيات والروايات.

الثاني: تأويل تلك الآيات الكريمة، والروايات الشريفة.

أقول: وكلا الأمرين من الإنكار والتأويل، لا مجال له، ذلك أنَّ تلك الآيات والروايات تفيد بنحو قطعي، أنَّ لنحو العمل بلحاظ نيَّة العامل وبلحاظ إرادته واختياره دخالةً وأثراً، وتفيــد أيضاً على أنَّ الجزاءَ تابعٌ لذلك، وهذا دليلٌ على أنَّ الثواب يكون بازاء وبلحاظ فعْلٍ صادر من المكلَّف، فلا يكون تفضُّلاً محضاً، لأنَّ معنى التفضُّل المحض، أنه ليس للمطيع وللعامل أيُّ أثر وأيُّ دخْلٍ من جهته.

وبالجملة، إنَّ مفادَ كثير من الآيات غيرُ قابل للتخصيص أو

/صفحة 66/

 

التأويل، كما لا يكاد يخفى على كلِّ ناظر فيها، فلاحظ على سبيل المثال قوله تعالى {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ}(1)، {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ}(2)، {وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(3)، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}(4).

ولا مجال لأنْ يُقال: بأنَّ غير المعصوم يُجزي، وأما المعصوم فلا يُجزي، وإنما يُتفضَّل عليه.

كما أنه لا مجال لدعوي قصْر الآيات وتخصيصها بما يخصُّ جانب المعصية، بأنْ يُقال: إنَّ العقاب فقط من باب الاستحقاق وهو الذي يُجزي به العاصي، وأما الثواب فليس بجزاءٍ لأيِّ عمل، وإنما هو تفضُّلٌ إلهي محض.

 

مفاد الآيات أنَّ لعنوان الطاعة دخلاً:

 

    قد يُقال: ليس المقصود من أنَّ كلَّ نفس تُجزي وما شابهها، إلا أنَّ العاصي يُعاقب والمطيع يُثاب، وأما أنَّ الثواب

ـــــــــــــــ

(1) سورة غافر الآية 17.

(2) سورة يونس الآية 52.

(3) سورة يس الآية 54.

(4)  سورة الزلزلة الآية 7.

/صفحة 67/

للاستحقاق، فإنَّ الآيات ليست بصدد بيان هذا المعنى، فضلاً عن أنه مما لا يُفهم من ظاهر اللفظ.

    فإنه يقال: إنْ كان لعنوان المطيع موضوعيَّةٌ، فهذا يعني أنَّ للطاعة أثراً وهو ما ندَّعيه، وإنْ لم يكن للعنوان دخالةٌ، فـلا معنى لإضافة الجزاء إلى العمل وإلى ما اكتسبه العامل، وبالتالي فيكون ربطُ الجزاء بالعمل وأنه مرتبِطٌ به، من الكلام الفارغ.

والثواب إنْ كان تفضُّلاً محضاً، فإلى أيِّ معنى يرجع إليه تنصيص الكتاب الكريم على ارتباط الثواب بالعمل، وأنَّ لكيفية العمل دخلاً، وأنَّ الثوابَ والمدحَ والتفضيل يوم العرض على الله تعالى، يتفاوت بتفاوت درجة الإخلاص، ويتفاوت بنحو خلوص العمل له تعالى؟!

وقبل الدخول في صلب الموضوع، نحاول أولاً بيان بعض مـا يتميَّز به الثواب عن التفضُّل، لدخالة ذلك في حصول التصديق بما سوف نشير إليه إنْ شاء الله من الرأى الصحيح في المقام.

/صفحة 68/

الفرق بين الثواب والتفضُّل:

 

    فالحق أنَّ الثوابَ بالمعنى المتبادر من لفظ الثواب هو ما يكون للعبد دخلٌ في حصوله عليه، بمعنى أنه ممَّا يُنظَرُ إليه بكونه مستحِقَّاً له، بغضِّ النظر عن كون الاستحقاق أولاً وبالذات أي يستحقُّهُ بذاته، أو ثانياً وبالعرض أي أنه لولا الوعدُ الإلهي بإعطائه لَمَا كان مستحِقَّاً لشيءٍ.

وأما التفضُّل فلا يُعتبر فيه ذلك قطعاً، غايته لا يُعقَلُ وقوعُ التفاضل في التفضيل مع إستواء المتفضَّل عليهم، فإنَّ الترجيحَ بلا مرجِّح قبيحٌ أو مستحيلٌ، والقبيحُ مستحيلٌ على الله سبحانه.

والتفضُّلُ على شخص إنْ لم يكن بإزاء شيء، فتخصيصُهُ به تخصيصٌ بلا موجِبٍ، وتنـزَّه الحكيمُ سبحانه عن اللغويَّة  فـي التصرُّف والفعل.

وحيث علمنا بأنه تعالى شأنه لا يفعل ولا يتصرف أيَّ تصرُّفٍ تكويناً وتشريعاً، إلا ويكون لفعله غايةٌ صحيحة، ويكون الباعث له على ذلك أمْراً مـوافِقاً للحكمة ظاهراً وباطناً، فإنَّ التفضُّلَ على أيِّ شخص إنْ لم يكن بإزاء شيء،

/صفحة 69/

فيلزم عدمُ موافقة فعْلِه سبحانه للحكمة، فضلاً عن إستلزامه كون فعْلِه تعالى جُزافاً، جلَّ ربي سبحانه وتنـزَّه.

 

التفضيل يرجع إلى وجود خصوصية:

 

    ثم ننقل الكلام إلى الشخص الآخر الذي لم يقع له التفضُّل، ونتساءل عن الوجه في تخصيص ذاك وحرمان هذا، مع أنه سبحانه قضى أزلاً وجري في فعْلِه أبداً على ملاحظة القابليَّات، وأمَرَ بذلك ورغَّب فيه، فهل أنه نسي أو خالف ما فطر الإنسان في الحكم عليه بحُسْنِه؟! تعالى سبحانه عن ذلك علواً كبيراً.

وخلاصة القول: إنَّ التفضُل لا بُدَّ وأنْ يكون بإزاء شيء ما، ليخرج عن كونه أمراً عبثيَّاً، إذ لو لم يكن هناك من جهة ملحوظة، لانتفت الحكمةُ عن فعْلِه تعالى.

وأيضاً، فالتفضيل لا بُدَّ وأنْ يكون لخصوصية في مَنْ وقع له التفضيل، وغير ذلك لا يكون إلا من سفيه جاهل.

نعم، التفضُّلُ وإنْ وافق الثواب بأنه بإزاء شيء معيَّن، ولكنه يفارِقُهُ أنَّ الشيء الذي يكون بإزاء التفضُّلِ لا يُكسِبُ الشخصَ

/صفحة 70/

حقَّاً، بحيث يكون ما يُتفضَّلُ به عليه ممَّا يتَّصفُ بكونه مستحِقَّاً له، بنحوٍ يُعدُّ حرمانُهُ منه نوعاً من أنواع الظلم له.

ثم إنَّ هذا كله فيما يكون التفضُّل خاصاً، وأما التفضُّلُ العام، فظاهرٌ جداً أنه هو الأمر الذي يُفاض على الخلق جميعاً، ويُتفضَّل به عليهم على حدٍّ سواء.

فنعمةُ الوجود التي مَنَّ المولى سبحانه بها علينا، أمْرٌ ثابت للجميع دون أيِّ نحو من أنحاء التفاضل، فإنه ليس لأحد من الوجود مرتبةٌ تفوق وتعلو وتفضُلُ المرتبة الثابتة للشخص الآخر، بما هي مرتبةٌ وجوديَّةٌ ترجع إلى نعمة الوجود العام.

نعم، إنْ ثبت أنَّ لأحد مرتبةً وجوديَّةً خاصة ـ وذلك ثابتٌ قطعاً لسادات البشر سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) وآله الطاهرين (عليهم السلام) ـ فهو ثابتٌ له لخصوصية فيه اقتضت إختصاصه بها، وإلا فأنْ يفيض الكريم على أحد ويمنع عن أحد، أو أن يُفضِّل أحداً زيادةً على ما تفضَّل به على مَنْ يشاكِلُهُ ويساويه، فهذا ممَّا لا يكون، بل هو ممَّا لنْ يكون.

لنْ يكون من الغني المطلق، فإنَّ غناه عن الجميع واحدٌ، لذا فهو تعالى لا يستعين بفعْلٍ على فعْل، والغني المطلق لا بُدَّ

/صفحة 71/

وأنْ يلحظ مَنْ هو مفتقِرٌ إليه.

وبما أنَّ المفروض هو تساوى المفتقِرين إليه تعالى، فإنَّ تخصيصَ أحدٍ وتفضيلَه على غيره المساوى له، سيكون راجعاً إلى خصوصيَّة في الجانب الإلهي، ومعنى ذلك كونه تعالى فقيراً بلحاظ تلك الخصوصيَّة، وهذا باطلٌ، فإنه تعالى الغنيُّ المطلق.

نعم، مع عدم التساوى ومع وجود الفوارق الفارقة، فإنَّ التفضيلَ سيرجع إلى خصوصية في جانب مَنْ وقع له التفضيل الزائد، وهذا مردُّهُ إلى واقع ذاك الشخص الذي ظهر ظهوراً حقيقيَّاً بواقع الإفتقار الزائد إليه تعالى، فهو مثلاً تذلَّل، وخضع، وخشع، وتضرع زيادةً على ما كان من الطرف الآخر.

 

الوجه في التفاوت في التفضل الخاص:

 

    إذن، بإزاء توجُّهِ المفتقِر إليه سبحانه، ومن جهة طَلَبِ الفقير إليه ما هو محتاجٌ له يقعُ له الزيادةُ، لا بمعنى أنَّ المولى فضَّل هذا على ذاك، بل قضاءً لِمَا يفرضُهُ واقعُ تحقُّقِ الطلب من الذي يعلم بحقٍّ حاجته إليه سبحانه، فإنَّ من البديهي أنْ

/صفحة 72/

يحصل المتوجِّهُ إلى شيء ما، على ما لا وعلى ما لنْ يحصل عليه الغافلُ، وغيرُ الملتفت إليه.

واعتبر بالملك الغني الكريم الذي أعلم مواليه بموعد إعطائه الجوائز والهدايا، فمَنْ أتى يأخذ ويُنعَّم، ومَنْ تخلَّف فلا يكون الكريم هو مَنْ منع وأحجم عن إعطائه.

ومَنْ يأتي الكريم ظانَّاً فيه السوء، لا يكون كمَنْ أتاه عالماً بأنه كريمٌ سخيٌّ جواد.

ومَنْ يأتي الكريم وقد أعدَّ لنفسه ما يستطيع به أنْ يحمل ويأخذ الشيء الكثير، لا يكون كالذي جاءه ولمَّا يتهيَّأ كما يقتضيه الحال، وكما يناسبه المقام.

ومَنْ يأتي الكريم عارفاً عاقلاً، لنْ يكون حالُهُ كحال الجاهـل الأحمق، ومَنْ يأتيه ليأخذ المال المبذول لكلِّ أحد، لنْ يكون كمَنْ يأتيه طالباً للشيء الذي يحبُّهُ الكريم ويرضاه.

ومَنْ يأتي الكريم مع إقراره بافتقاره إليه، وأنَّ الخير عنده ومنه، يأتيه فقيراً مستكينا خاضعاً طامعاً في رضاه والتقرب منه، يأتيه وقد أعدَّ للقياه ما يليق وشأن الكريم ـ إنْ استطاع ذلك ـ يأتيه وقد طهَّر قلبه وقالبه، ونقَّى سره وباطنه، فإنَّ من

/صفحة 73/

المقطوع بـه أنـه سيُنعَّمُ بما لنْ يُنعَّم به أحد.

ثم إنه هل رأيت عاقلاً يفيض على كلب من دُرَر الحِكم طمعاً في تعليمه وتأديبه؟!

أَوَ رأيت كريماً يردُّ سائلاً محتاجاً يليق به ما يسأله عنه؟!

نعم، لا نظن بالمولى سبحانه أنْ يمنع فضْلَه عمَّن يليق به، ولا أنْ يُجزِل بالعطاء على سفيهٍ، أحمقٍ، جاهل.

ثم إنَّ من الفوارق بين الثواب والتفضل العام، أنَّ الأول يحسُنُ مدحُ مستحقِّه بمـا أتى به ممَّا يستحقُّ عليه الثواب، بينما في التفضُّل، فإنه لا تحقُّقَ لِمَا بإزائه يُمدَح زيدٌ أو عمرو.

نعم ما يثبت من الفضْل لشخص بعينه وهو التفضُّلُ الخاص، يوافقُ الثوابَ في استحقاق المتفضَّل عليه للمدح والتعظيم، بل التفضُّل الخاص نحوُ ثوابٍ، بخلاف التفضُّل العام، فلا تغفل.

 

الثواب الخاص وَعْدٌ إلهي:

 

ثم إنَّ الله تعالى قد أمر عباده بطاعته ووعدهم ثواباً على ذلك، وبما أنه سبحانه الغني عن الخلق وعن جميع تقلُّباتـهم،

 

/صفحة 74/

فعَلِمنا من إلزامه تعالى إياهم بالعمل، أنَّ النفْعَ راجعٌ إليهم.

وعليه فلولا أنه يترتَّبُ على العمل النفعُ، لكان الأمرُ بجميع العبادات بالنظر إلى ثبوت المعاد والحشْر، أمراً لا يمكن تصحيحُهُ، إذن النفعُ المترتِّبُ عن الإتيان بالعبادات التي أَمَرَ الله تعالى أو رغَّب وندب إلى الإتيان بها، ممَّا يرجع إلى العابد، وهذا النفعُ هو الثواب.

فالمطيع يستحقُّ الثوابَ لا لأنه بذاته يستحقُّ، بل لا أقل قضاءً لِغناه سبحانه عن خلْقِه، وهذا النحو من الثواب الذي يُعطى للمطيع من جهة كونه مطيعاً، لا يمكن أنْ يُعطى لغير المطيع، فإنَّ إعطاءه لغير المطيع يعني أنه لا دخالة للطاعة في ذلك، والمفروض أنَّ للإطاعة دخالةً.

 

عدم التفضل بالثواب الخاص ظلْمٌ:

 

    وبعد أنْ وعد الله تعالى عبيده المطيعين بجزيل الثواب على الطاعة، فهذا يعني أنَّ المطيع ممَّنْ يستحقُّ أنْ يُثاب قضاءً لِمَا وعده تعالى به، بخلاف غير المطيع، فإنَّ عدم إعطائه لا محذورَ فيه أصلاً

/صفحة 75/

بينما عدمُ إعطاء المطيع للثواب الذي وعده تعالى به لا يخلو عن عدة محاذير، منها محذور خُلْف الوعد، ومحذور التغرير بالعبد، وواضح أنَّ التغريرَ بالعبد ظلْمٌ له.

وبهذا يتَّضحُ لك تفاوت الحال بين ما يتفضَّل به تعالى عـلى عبيده في المورد الذي لا يتحقَّقُ فيه أيُّ نحو من أنحاء إستحقاق العبد للتفضُّل، وبين ما يتفضَّل به سبحانه مع استحقاق المتفضَّل عليهم له، فلو لم يكن العبدُ مستحِقَّاً لَمَا كان في منعه إياه أيةُ شائبة من شوائب الظلم.

وظاهر جداً أنه تعالى بعد أنْ وعد بالجزيل من الثواب، فإنَّ عدمَ الوفاء بالوعد في حقِّ العبد المطيع الطامع في تفضُّلِه تعالى نحوُ ظلْمٍ له، ولا أقل أنه تغريرٌ به، والتغريرُ قبيـحٌ، والتغريرُ ظلمٌ للآخرين، تعالى المولى عن ذلك علواً كبيراً.

 

مالكية المولى تعالى لا تعني انتفاء الاستحقاق:

 

    لا أراك تقول: إننا لا نستحقُّ شيئاً من حيث إننا نطيع الله تعالى بما هو المالك الحقيقي له.

لأنك تعرف: أننا وإنْ كنا نطيع المولى تبارك وتعالى في

/صفحة 76/

مُلْكِه وبما ملَّكنا إياه، غير أنَّ ذلك لا يعني أنَّ إرادتنا ليست ملكنا، بل إرادةُ العبد هي مُلْكُ العبد، وإنْ كان جملة من مقدماتها ومُحرِّكاتها، لا تشملُها دائرةُ إرادةِ العبد واختيارِه.

لا أقصد أنَّ الإرادةَ نفسَها هي ملْكُ العبد، فإنه تعالى مَنْ تفضَّل علينا بأنْ جعَلَ لنا إرادةً، ولكنَّ اختيار العبد للشر أو للخير، هو فعْلُ الإنسان وحده، وقد فرغ محققوا أبناء الفرقة الناجية عن إبراز ما لا يكاد يُحصى من الأدلة والبراهين، على أنَّ جميع الأفعال الاختيارية للإنسان تنتهي إلى اختياره وإرادته، لا بنحو الإستقلال والإستغناء عن الإرادة الإلهية، فإنَّ المخلوق لا غنى له عن الخالق، والمعلول مفتقِرٌ دائماً أبداً إلى إفاضة العلَّة، وعالَمُ الإمكان مفتقِرٌ بذاته إلى الغني المطلق تعالى، وقد ألمحنا إلى هذا المعنى أكثر من مرة.

 

من محاذير عدم كوننا مالكين لإرادتنا:

 

    ولو كانت إرادتنا ليست مُلْكنا، ولو كان اختيارنا لا يرجع إلينا، لكانت جميعُ الإرادات والاختيارات في المبتدي والمنتهى ترجع إليه سبحانه، وذلك يعني أنَّ الكافر ليس هو

/صفحة 77/

مَنْ يملكُ إرادةَ الكفرِ، والعصيانِ، والجحودِ، وعليه فيكون تعذيبُهُ وطردُهُ وإبعاده، محضَ ظلْمٍ له، بل هو من أفظع وأبشع أفراد وأنواع الظلم.

نعم، هذا لا يعني أننا نستحِقُّ الثواب على ما أعملنا فيه إرادتنا في الخير، لمحض أننا أتينا بالخير والطاعة، بل لو لم يَعِد تعالى عباده المطيعين جزيل الثواب، لَمَا كان ظالماً لهم فيما لو لم يتفضَّل عليهم بالثواب، فإنَّ نِعَمَه لا تُحصى.

ولك أنْ تقول: إننا من جهة كوننا مُلْكاً له تعالى وهو المالك الحقيقي لنا، فله أنْ يفعل بنا ما يشاء، ولا مجال للإعتراض من المملوك على المالك الحق بأيِّ وجه، وهل يصحُّ من المملوك المحض سؤال مالكه الحقيقي واعتراضه عليه بشيء؟!

ولا نقصد من كلامنا، أننا نقول باستواء المطيع والعاصي، كما يدَّعيه أصحاب النظرية الجُزافية وهم الأشاعرة.

ولكن ما نريد أنْ نقوله: هو أنَّ عدمَ إعطاء الثواب للمطيع ـ لو لم يَعِد سبحانه به ـ ليس ظلماً له، وإنْ كنا نعتقد بأنه تعالى يستحيل أنْ يُسوىَ بين المطيع وبين غير المطيع،

/صفحة 78/

فيعاقب الإثنين معاً مثلاً، ومن المستحيل أنْ يأمر بشيء لا يرجع النفع فيه إلى العبد، وحيث اعتقدنا بالمعاد وبيوم الجزاء والحساب، فإنه يبطل ويفسد ما حاول أنْ يتمسك به مَنْ أنكر إستحقاق العبد للثواب.

 

كلامنا في الثواب هو بملاحظة بعض الجهات:

 

    لا يخفى أننا لا نتكلم في قضية الثواب بغضِّ النظر عن كونه تعالى حكيماً غنيَّاً، وقد وعد بجزيل الثواب.

نعم في نفس الأمر والواقع، وبقطع النظر عن هذه الاعتبارات الفارقة، فإنَّ ما يتفضَّل به سبحانه من الثواب لَهُوَ محضُ تفضُّلٍ، لا استحقاق لنا فيه بأيِّ نحو من الأنحاء.

وما هو ذاك الذي يملكه المخلوقُ وكلُّ من هو داخلٌ ضمن عالَم الإمكان بما يشتمل على الملائكة والإنس والجن، حتى يُطالِب به الربَّ المتعال؟!

وهل يملك عالَمُ الإمكان إلا الإفتقارَ الذاتي لذي الجلال والإكرام، الغني المطلق؟

إذن كلامنا في المسألة بعد الفراغ عن أنه تعالى حكيمٌ،

/صفحة 79/

وليس من الحكمة أنْ يعطي الحكيم تعالى العاصي ويمنع المطيع، أو أنْ يُسوىَ بينهما منعاً، أو تفضُّلاً وإعطاءً.

وكلامنا في المسألة أيضاً هو بعد الفراغ عن كونه تعالى قد رغَّب في فعْل الخير، وفي الإبتعاد عن الشر والباطل، وليس من العدل أنْ لا يعطي تعالى الثواب للمطيع بعد أنْ وعده بذلك، فإنَّ عدم إعطائه يعني مساواته بالعاصي، وليس يستوى المطيعُ وغيرُ المطيع، فإنَّ للعنوان خصوصيةً، وإنَّ للخصوصية أثراً.

 

نتيجة ما تقدم:

 

    وإذ قد وعيت ما أشرنا إليه، فإنه يتضحُ لك وجودُ الفرق الفارق بين ما يتفضَّل به سبحانه على غير المطيع، وبين ما يتفضَّل به تعالى على المطيع، فإنَّ مَنْعَ الثاني بإزاء ما ألمحنا إليـه لا يخلو عن ظلم، بخلاف مَنْعِ الأول.

والتفضُّلُ على غير المطيع وعدمُ التفضل على المطيع لا يقعُ في محله، والتسويةُ بين المطيع وغيره قبيحةٌ، وهذا يكشف عـن وجود مائز بين أصناف مَنْ يقع عليهم التفضُّل،

/صفحة 80/

ليكون التفضُّلُ بالثواب محضَ تفضُّلٍ على صنف وهو غير المطيع، وليكون تفضُّلاً عن إستحقاق على صنف آخر وهو المطيع، فاتَّضح لك ما هو الصحيح في باب الثواب.

 

الجواب عن النقطة الثانية:

 

    وأما الجواب عن النقطة الثانية، وهو أنَّ المانع ـ من كون المعصوم معصوماً بإرادة المولى سبحانه ـ يتمثَّلُ في خصوص جانب الثواب، فأوضح من أنْ يُبيَّن، ذلك أنَّ المفاسدَ التي تلزم عن الإعتقاد بهذا المعنى كثيرةٌ جداً، ولا تختصُّ بالمانع المذكور، وها نحن نذكر بعضاً من تلك المحاذير:

 

التلازم بين الطاعة والثواب:

 

    المحذور الأول: إما أنْ يقال بوجود التلازم بين الطاعة والثواب، وبين المعصية والعقاب، أو يقال بأنَّ التلازمَ ليس  إلا بين الأولين فقط، أو بين الأخيرين فقط، أو يقال أنه لا تلازم بين كلٍّ منهما أصلاً.

أما أنه لا تلازم أصلاً فلا يمكنُ الالتزامُ به، إذ معه يكون 

/صفحة 81/

عقابُ المطيع وإثابةُ العاصي لا محذورَ فيه، مع أنه من أقبح الأمور ببداهة العقل.

وإنْ كان التلازم بين خصوص المعصية والعقاب فقط، فيلزم عنه عدمُ استتباع الطاعة للثواب، لفرْضِ عدم التلازم بين الطاعـة والثواب، وهذا يعني أنه لا يلزمُ عن ثبوت الطاعـة ثبوتُ الثواب، وهذا منافٍ لِمَا تنادي به الآياتُ القرآنية، والأحاديث الشريفة.

وإنْ كان التلازم بين خصوص الطاعة والثواب، فيلزم أن لا يثبت للمجبَر على فعْلِ الطاعة ثوابٌ، لأنه حيث لم يكن ما أتى به داخـلاً تحت اختياره، فـلا يصدقُ عنوانُ الطاعة عـلى ما يصدر منه، ولا يصدقُ عنوانُ المطيع على العامل، أي لا يصحُّ أنْ ننسبه إلى جملة المطيعين.

 

كونُ المعصوم مسلوبَ الاختيار يعني خروجُهُ عن كونه مكلَّفاً:

 

    المحذور الثاني: إما أنْ يكون المعصومُ مسلوبَ الاختيار من جانب ترْكِ المعصية، أو من جانب فعْلِ الطاعة، أو من كلٍّ

/صفحة 82/

من الجانبين.

ولكن بما أنَّ ترْكَ المعصية طاعةٌ، فيثبت التلازم بين فعْل الطاعة وترْكِ المعصية، وعليه فأنْ يكون المعصومُ مسلوبَ الاختيار من جانب واحد أمرٌ غيرُ وارد، بل إما أنْ يكون مسلوبَ الاختيار في جميع ما يأتي به أو يتركه وينتهي عنه، أو لا يكون مسلوبَ الاختيار في شيء.

وعليه فكونه مسلوبَ الاختيار من جانب الطاعة أو من جانب المعصية، يعني أنه مسلوبُ الاختيار من الجانبين، لثبوت التلازم بين ترْكِ المعصية وفعْلِ الطاعة، وإذا كان حاله كذلك، فهذا يعني خروجه عن كونه مكلَّفاً، وهذا تخصيصٌ للآية المباركة

فإنَّ الآيةَ نصٌّ في أنَّ جميع الإنس والجن مكلَّفون بالعبادة، وكونُ المعصوم مسلوبَ الاختيار يعني اختصاص الآية بغـيره، وهذا لا دليل عليه، فضلاً عن أنَّ مقتضى هذه الآية وغيرها هو أنَّ المعصومَ (عليه السلام) مكلَّفٌ من جملة المكلَّفين.

ـــــــــــــــ

(1) سورة الذاريات الآية 56.

/صفحة 83/

الآياتُ القرآنية والأحاديث الصحيحة دليلٌ على أنَّ المعصوم (عليه السلام) إنسانٌ مكلَّفٌ:

 

    ثم إنَّ كون المعصوم مسلوبَ الاختيار، يُبطِلُه ما تفيدُهُ الكثير من الآيات القرآنية، والأحاديث والأخبار الصحيحة.

قال تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ}(1)،  وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}(2)، وقال سبحانه {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي}(3)، وقال عزَّ وجل {فَاصبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}(4)، وغير ذلك كثير جداً من الآيات الكريمة.

وبما أنه لا عمل إلا بنيَّة كما ورد في الحديث المتظافر المشهور(5)، فيلزم مع سلْبِ الاختيار عن المعصوم، أنْ لا

ـــــــــــــــ

(1) سورة هود الآية 112.

(2) سورة المائدة الآية 67.

(3) سورة الزمر الآيات 11 ـ 14.

(4) سورة الأحقاف الآية 35.

(5) الوسائل ج1 باب 5 ح1 و2 و3 و4 و9 و10من أبواب مقدمة العبادات. 

/صفحة 84/

يكون ذا عمَلٍ أصلاً، لأنه من البديهي تقوُّمُ النيَّة بالإرادة والاختيار، وحيث لا إرادةَ ولا اختيار فلا نيَّةَ، وبالتالي فلا عمل حقيقي، بل لا يكون في الواقع إلا صورة عَمَلٍ ليس إلا.

ثم إنه لو كان النبيُ (صلى الله عليه وآله) مجبَراً على الإستقامة، فكيف يأمره تعالى بالإستقامة، {فَاسْتقِمْ كَمَا أُمِرْتَ...}؟!

ولا يمكن أنْ يكون المراد من الأمر بالإستقامة في الآية أعني قوله تعالى {فَاسْتَقِمْ} هو الأمر التكويني، أي كنْ مستقيماً.

وذلك أولاً: أنه لا معنى على هذا التفسير لقوله تعالى {كَمَا أُمِرْتَ}.

ثانياً: إنَّ الأمر بالإستقامة في الآية المتوجِّه إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وإلى مَنْ تاب معه هو أمْرٌ واحدٌ، وليس في الآية أمران، أحدهما متوجِّهٌ إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وثانيهما متوجِّهٌ إلى من تاب، ومعه فلا يمكنُ التفكيكُ بين الأمْر المُتوجِّه إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بالإستقامة، وبين الأمر المُتوجِّه إلى أتباعه (صلى الله عليه وآله) بذلك، وبما أنَّ الأمرَ المتوجِّهَ إلى أتباعه (صلى الله عليه وآله) هو أمْرٌ مولوى بلا شبهة، فاللازم أنْ يكون الحالُ كذلك بالنسبة إلى

/صفحة 85/

 

الأمر المتوجِّه إليه (صلى الله عليه وآله).

  ونأتي إلى آية {قُلْ إِنِّي أَخَافُ...} فنسأل: كيف يكون النبيُ (صلى الله عليه وآله) صادقاً ـ وهو (صلى الله عليه وآله) أصدق الصادقين ـ في ادِّعائه الخوف إنْ عصى، ما دام هو غير متمكِّن من العصيان؟!

وأيُّ معنى لقوله سبحانه {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}، وهل على نظرية الجبْر يبقى احتمال أنْ لا يفعل؟!

ونأتي إلى الآية الثالثة، فنقول: إنَّ مَنْ خَلَقَه الله تعالى مجبَراً على فعْلِ الطاعة وترْكِ المعصية، لا يكون مأموراً بعبادة الله تعالى مخلِصاً له الدين، بل هو في الحقيقة سِنْخُ بَشَرٍ مجبور على العبادة مخلِصاً لله تعالى؟!

وكيف يأمر المولى تعالى رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) على أنْ يُخبِر قومه بأنه ممَّنْ يعبد ربَّه مخلِصاً، وهل أنَّ المجبَر يملِكُ حقَّ الإخبار عن إتيانه بما لا يدخلُ تحت إرادته واختياره؟!

ونقول في الآية الرابعة، متى صبر أولوا العزم من الرسل (عليهم السلام)، حتى يأمر المولى تعالى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بأنْ يصبر كما صبروا، وهل بمقدور مسلوب الإرادة أنْ يصبر، أو أنْ لا يصبر، حتى يصح نسبة الصبر إليه؟!

/صفحة 86/

وهل أنَّ ما تحقَّق من أولي العزم (عليهم السلام) بناءً على نظرية الجبْر كان باختيارهم، حتى ينسب سبحانه الصبر إليهم؟!

وكيف يسلك المولى سبحانه مسلكاً لا يصح أنْ يسلكه أدنى العقلاء، حيث إنه يُوهِم الناس في كتابه بأنَّ أنبياءه ورسله (عليهم السلام) أجمعين مِن جملة المكلَّفين، مع أنهم غيرُ مكلَّفين وغيرُ مختارين، جلَّ ربي، وما قدروا الله حقَّ قدره.

 

وأما الأحاديث الشريفة فأكثر من أن تُحصى:

 

    فمنها: قول أمير المؤمنين (عليه السلام): إلهي ما عبدتك خوفاً من عقابك، ولا طمعاً في ثوابك، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك(1).

فعن أية عبادة يتحدث مولى المتقين صلوات الله ربي وسلامه عليه، وهل يصح من مسلوب الاختيار مثل هذا القول، أو يصح من مسلوب الإرادة مثل هذه المناجاة؟!

ومنها: ما رواه الكليني في الكافي بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في حديثٍ يصف فيه أمير المؤمنين (عليه السلام): ما

ـــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار ج 41 ص14 وج 67 ص 186 و197.  

/صفحة 87/

ورد عليه أمران كلاهما لله رضاً، إلا أخذ بأشدهما(1).

فهل أنه (عليه السلام) كان مجبَراً على الأخذ بأشدهما؟!

وروي الكليني أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام) ـ في حديث ـ فقال (عليه السلام): إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، والله ما أنصفونا أنْ نكون أخذنا بالعمل، ووُضِع عنهم..(2).

فكيف يكون آخذاً بالعمل مَنْ هو مسلوب الإرادة والاختيار؟!

وروي الشيخ الطوسي في الأمالي بإسناده عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ـ في حديث ـ يا خيثمة: وأبلغ شيعتنا أنه لا يُنال ما عند الله إلا بالعمل..(3).

فكيف نال المعصومون (عليهم السلام) ما عند الله بغير عمل؟! فإنه لا عمَلَ إلا بنيَّة، ولا وجود للنيَّة مع سلب الإرادة والاختيار.

وبالجملة، فالآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة تدلُّ بوضوح على فساد تلك النظرية، ولا حاجة لاستعراضها كلها

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل ج1 باب 20 من أبواب مقدمة العبادات ح 12.

(2) الوسائل ج1 باب 28 من أبواب مقدمة العبادات ح4.

(3) الوسائل ج1 باب 21 من أبواب مقدمة العبادات ح 22.

/صفحة 88/

عدم صدق عنوان المطيع على مسلوب الاختيار:

 

    المحذور الثالث: أنه إما أنْ يكون لإرادة المكلف دخالـةٌ في تصحيح نسبة الفعْلِ أو الترْكِ إليه، أو أنه لا دخالةَ لإرادته واختياره في ذلك.

فإنْ كان للإرادة دخالةٌ، فهذا يعني عدم صدق عنوان الإطاعة على المكلَّف فيما يكون خارجاً عن إرادته، وعليه فلا يصدق على المجبَر على فعْلِ الطاعة أنه مطيعٌ، ومعه فتكون إثابتُهُ بلا مُوجِبٍ، وإذا كانت إثابتُهُ بلا موجب وبلا سبب، فهذا يعني  دخول الثواب تحت دائرة الأمر الذي لا ضابطة له، وإذا ما جاز صدور ما لا ضابطة له من المولى سبحانه، فإنه يتطرَّقُ نفي الحكمة عن أيِّ فعْلٍ يصدر عنه تعالى، مع أنه سبحانه حكيم بقول مطلق، وفي جميع الاعتبارات، وفي تمام الأحوال.

وعليه فيلزم عن القول بوقوع الثواب من المولى سبحانه لا بإزاء شيء معين، انتفاءُ كونه تعالى حكيماً، وهذا المحذور ممَّا لا يمكن غضُّ النظر عنه.

وإنْ لم يكن للإرادة دخالةٌ، فكما يصدق على الإنسان أنه

/صفحة 89/

مطيعٌ في ما يأتي به ممَّا هو مجبَرٌ على فعْلِه من الطاعات، كذلك يصدق عليه أنه عاصٍ فيما يأتي به من المعاصي في ما إذا كان مسلوبَ الاختيار، وهذا ممَّا لا يمكن الالتزامُ به.

 

إنتفاء المصحح للثواب يلزم جواز العقاب على الأمر غير المقدور:

 

    والمُصحِّح للثواب إنْ كان صدق عنوان المطيع على العامل، فلا بُدَّ وأنْ يكون المُصحِّح للعقاب صدق عنوان العاصي على مَنْ يعصي، وعليه فمع الالتزام بصحة إثابة المطيع على غير المقدور بناءً على نظرية الجبْر، فيصح أيضاً عقابُ العاصي على غير المقدور على حدٍّ سواء، وهذا ممَّا لا يمكنُ التفوُّهُ به على أيِّ تقدير.

وإنْ لم يكن هناك من مُصحِّح للثواب، وإنما كان أمراً جُزافياً، فيلزم أنْ لا يكون هناك من مصحِّح للعقاب، وعليـه فيمكن أنْ يُثِيب المولى سبحانه مَنْ يشاء حتى العاصي مـا دام أنه لا يُوجَد مُصحِّحٌ للثواب، وما دام أنَّ الثواب لا يتبع عنوانـاً أو ضابطاً، وكذلك الحال في شأن العقاب، فيمكنُ

/صفحة 90/

للمولى أنْ يعاقب مَنْ يشاء، حتى المطيع للوجه نفسه.

 

كون المعصومِ مسلوبَ الاختيار تكذيبٌ للقرآن:

 

    المحذور الرابع: إنَّ القول بأنَّ المعصومَ مسلوبُ الإرادة والاختيار، يلزم عنه إما تكذيب القرآن في آية {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}(1)، أو نفي كون المعصومين (عليهم السلام) هم أكرم الخلق عند الله تعالى.

ذلك أنه مع كون المعصوم مجبَراً، فلا يكون ممَّن اتَّقى الله تعالى باختياره، وبما أنه لا مُصحِّح لنسبة فعْلِ الطاعة أو ترْكِ المعصية إلى المعصوم (عليه السلام)، إذ المفروض أنه إنسانٌ لا يملك اختياراً، فلا يصدقُ عليه عنوانُ المطيع بوجهٍ من الوجوه، وبما أنَّ المعصومَ هو أكرم الخلق عنده تعالى، فلا بُدَّ وأنْ يكون  قد أتى بما يتحقَّقُ معه بذلك كونه أكرم الخلق، ولا مجال لتحقُّق ذلك إلا بتوسُّطِ الإرادة.

وعليه وبعد الفراغ عن كون المعصوم (عليه السلام) أكرم الخلق، وبعد بيان المولى تعالى أنَّ الضابطَ في استحقاق الشخص

 ـــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات الآية 13.

/صفحة 91/

للزلفى عنده، هو أن يكون الشخص أتقى وأورع وما شاكل، فإنَّ مع سلْبِ الاختيار عن المعصوم يلزمُ أحدُ أمرين:

الأول: أنْ لا يكون المعصوم أكرم الخلق.

الثاني: أنَّ آية {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ...} بما تفيدُهُ من قاعدة لا تشمل المعصوم، فهو (عليه السلام) أكرم ولكن لا لأنه أتقى، وهذان الأمران لا شُبهة في بطلانهما.

 

كونُ المعصوم مسلوبَ الاختيار إخراجٌ له عن حقيقته:

 

    المحذور الخامس: لا شبهة بأنَّ المعصوم هو مقتدي الخلق في جميع ما يأتي به، أو ينتهي ويسكت عنه.

أو فقل إنه في فعْلِه وترْكِه وتقريره هو القدوة، وذلك يعنـي أنه مطيعٌ لله تعالى في كلِّ ما يأتي به، وكذا في جميع ما يتركه وينتهي عنه.

فإذا كان مسلوبَ الإرادة في كل ذلك، فيخرج عن كونه بشراً، والمعصومُ بشرٌ قطعاً.

قال تعالى في محْكَم تنزيله {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ

/صفحة 92/

يُوحَى إِلَيَّ...}(1)، والآيةُ نصٌّ في أنه (صلى الله عليه وآله) بشَرٌ، والبشر هو الإنسان المتحرِّك بالإرادة والاختيار، فإذا كان المعصومُ مسلوبَ الإرادة في جميع الأمور، فإنه يخرج بذلك عن كونه بشراً كمثل سائر البشر.

والوجه في أنَّ المعصوم ـ بناء على نظرية الجبْر ـ يكون مسلوبَ الإرادة في جميع الأمور، هو أنه ما من فعْلٍ يأتي به إلا ويكون متقرِّباً به إليه تعالى، وما من شيء يتركه إلا ويتركه كذلك، فإذا كان في جميع عباداته وأفعاله وسائر تروكه مطيعاً لله تعالى، وكان في جميع طاعاته مسلوبَ الإرادة مجبَراً، فهذا يقودنا إلى الالتزام بعدم كونه من البشر في جميع طاعاته، وبالتالي في كل حركاته وسكناته، لأنه في كل حركة وسكون هو مطيع أي مجبَر، والإنسان لا يخلو عن حركة أو سكون، وعليه فيكون المعصومُ لا إرادة له ولا اختيار في تمام وجميع أحواله وأوضاعه، فيخرج عن كونه بشراً يتحرَّكُ باختياره.

    لا أراك تقول: إنه مجبَرٌ على فعْلِ خصوص الواجب وترْكِ خصوص المحرَّم، وأما باقي الطاعات من فعْلِ المندوبات

ـــــــــــــــ

(1) سورة الكهف الآية 110.

/صفحة 93/

وترْكِ المكروهات، فهي داخلةٌ تحت اختياره.

    لأنك تعرف أنَّ القادر على التلبُّس بالطاعة في كلِّ وفي جميع ما لا يجب عليه، هو قادرٌ على التلبس بها في جميع ما يجب عليه بطريق أولى، وعليه فإنْ كان في جميع ما يأتي به من الطاعات غير الواجبة مختاراً، فإنَّ سَلْبَه الاختيار في خصوص ما يجب عليه، بلا موجب وبلا مقتضي. 

ولك أنْ تقول: إما أنْ يكون النبيُّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) مطيعاً لله تعالى في كل أفعاله وتروكه، أو أنه مطيعٌ في خصوص ما يجب عليه من الطاعات.

ولا يعتقد أحدٌ من المسلمين بالشقِّ الثاني، فيتعيَّن الشقُّ الأول، وهو مبرهَنٌ عليه في محله، ولا مجال للتفصيل.

وعليه فإنْ كان مطيعاً له تعالى باختياره وإرادته في كل حركة وسكون من الطاعات غير الواجبة، فهذا يعني أنه لا قصورَ في إرادته واختياره للطاعة، فلماذا إذن يسلبه المولى سبحانه الإرادة في خصوص ما يجب عليه من الطاعات؟!

وأيضاً: إنَّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يستحيل أنْ لا يكون مطيعاً في أية حركة أو سكون، ومعنى استحالة أنْ لا يكون مطيعاً هو

/صفحة 94/

وجوب أنْ يكون مطيعاً، وذلك يشمل ما يجب وما لا يجب، وهنا نسألكم ما هو المُصحِّح عندكم في استحالة عدم كونه مطيعاً في ما لا يجب عليه من الطاعات؟

فإن كان لإرادته واختياره دخالة، فنسألكم: كيف يجتمع عندكم يا أصحاب نظرية الجبْر، الاختيار مع الوجوب في الطاعة في ما لا يجب، ومعنى الوجوب عندكم سدُّ باب الاختيار؟!

أي كيف يكون ممَّنْ يجب أنْ يطيع في غير الواجبات مع كونه مختاراً، وممَّنْ يجب أنْ يطيع في الواجبات مع كونه مجْبَراً، فإنْ كان معنى الوجوب سد باب الاختيار، فلا معنى لأنْ ينسدَّ الباب في جانب، ويبقى مفتوحاً في جانب آخر.

ولك أنْ تقول: إنَّ استحالة أنْ يتلبَّس المعصوم (عليه السلام) بغير الطاعة، تساوق وتعني وجوب التلبُّسِ بالطاعة، لأنَّ الاستحالة تعني الامتناع، والامتناع يقابله الوجوب، ولا يقابله الإمكان.

فاستحالة أنْ لا يكون مطيعاً، يعني أنه يجب أنْ يكون مطيعاً، ولا يمكن أنْ نلتزم بأنه (صلى الله عليه وآله) يستحيل أنْ يكون غيرَ مطيع، ومع ذلك نقول بأنه يمكن أنْ يكون مطيعاً، لأنَّ إمكان

/صفحة 95/

كونه مطيعاً ينافي ما يعتقد به جميع المسلمين، لأنَّ معناه بأنه (صلى الله عليه وآله) يمكن أنْ لا يكون مطيعاً، وليس معناه أنه يستحيل أنْ لا يكون مطيعاً، وقد عرفت أنه يستحيل أنْ لا يكون (صلى الله عليه وآله) مطيعاً.

وبعبارة أخرى: أليس يلتزم الجميع بأنَّ المعصوم يستحيل أنْ يتلبَّس بالمعصية، أي يمتنع أنْ يتلبس بغير الطاعة، فإنَّ المعصية تعني غير الطاعة، وإذا استحال أنْ يتلبس بالمعصية فيجب أنْ يكون متلبِّساً بالطاعة، فإنه إذا استحال شيءٌ وجب نقيضُهُ، لأنَّ النقيضين لا يرتفعان، ونقيضُ المعصية ترْكُ المعصية، وهو عبارة أخرى عن الطاعة.

وإذا كان معنى وجوب الطاعة هو سلْبُ الاختيار بحسب ما يفهمه أصحاب نظرية جبْريَّة العصمة ومنهم صاحب الندوة، فينتج عن ذلك أنَّ المعصومَ (عليه السلام) مسلوبُ الإرادة في كل ما يتلبَّس به من الطاعات، وبما أنه لا يتلبَّسُ في جميع تقلُّباته وأحواله إلا بالطاعة، فيخرج عن كونه إنساناً متحركاً بالإرادة والاختيار في جميع شؤونه.

وهنا نسأل كيف تُبرهِنون على صحة هذا المعنى، ولازمه خروج المعصوم عن كونه مختاراً أبداً؟

/صفحة 96/

اللهم إلا أنْ يُنكِر صاحب نظرية جبرية العصمة ما ذكرناه من استحالة تلبُّسِ واستحالة إتيان المعصوم بالمعصية، وهذا ما لا يصدر من مُسْلِم.

وأما أنْ يُنكِر صاحب النظرية مدعياً بأنَّ استحالة المعصية لا تعني وجوبَ الطاعة، فهذا لا يكون إلا من جاهل بأوضح الواضحات، فإنَّ استحالة عدم الطاعة يقابِلُها وجوب الطاعة.

وإنْ لم تقبل منا هذا، فنقول لك على جميع التقادير يلزم عـن أنْ يكون المعصوم مسلوبَ الإرادة في خصوص ما يجب عليه من الطاعات، يلزم عنه أنْ يكون خارجاً عن كونه بشراً كباقي البشر في مثل ذلك، وآية {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ} نصٌّ صريح في أنَّ المعصومَ بشرٌ تتقوَّمُ جميعُ أفعاله بالإرادة والاختيار في جميع الأمور الصادرة منه، والمنتسِبة إليه، سواء في ذلك ما كان واجباً عليه، أم كان مستحبَّاً منه.

 

المعصوم ليس مخلوقاً خاصاً خارجاً عن نطاق البشرية:

 

    نعم لا تتوهم أننا نقول بأنَّ المعصومَ مخلوقٌ خاص لا

/صفحة 97/

يصدر منه إلا الطاعة كيفما كان، بل المعصومُ بشرٌ كسائر البشر من جهة كونه مختاراً مريداً، غايته أنه بإرادته وإعمالِ قدرته لا يتلبَّسُ إلا بالطاعة، قضاءً لِمَا حصَّله بسعيه وجهده مـن محقِّقات القرْب من المولى تعالى، ومن ملكات تقضي باستحالة وقوع المعصية منه، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى التفصيل في هذا فانتظر. 

 

سلْبُ الاختيار يعني انتفاء الفضل والكمال عن المعصوم (عليه السلام):

 

    المحذور السادس: وهو يتلخص مما سبقه، وحاصله: إنَّ ادِّعاءَ كون المعصوم مسلوبَ الاختيار، إخراجٌ له عن حقيقته مـن جهة، ويلزم عنه أنْ ينتفي كلُّ كمال وفضْلٍ عنه من جهة ثانية، وبالتالي فلا قابليَّة له على نيل أيِّ فضْل، بل لا يعدو عن كونه آلةً من الآلات، تتحرَّكُ تلقائياً دونما أدنى إرادة.

وجميعُ هذه الأمور باطلةٌ بالقطع واليقين، فإنَّ كمالَ كلِّ ذي كمال يكمن في مقدار سعي الشخص وطَلَبِه واجتهادِه في تحصيل الكمال، ومَنْ يُؤتى ما لا سبيل له في نيله، لا يُعدُّ

/صفحة 98/

بذي فضْل في أيِّ عالَم من العوالِم، مع أنَّ المعصومَ وحده صاحبُ الفضْل والكمال، في جميع العوالِم، وفي تمام المراتب والنشآت.

والخلاصة: إنَّ الالتزام بجبْريَّة العصمة يعني إنكارَ الفضْل للمعصوم، وإنكارُ ذلك إنكارٌ له نفسه.

 

فَقْدُ القدوة:

 

    المحذور السابع: ألا ترى أنه من المستحيل حصول التصديق بصلاح وكمال الشريعة التي يأتي بهـا المعصوم (عليه السلام)، ما دام صاحبُها والصادعُ بها والمنتهِجُ نهجها شخصاً مسلوبَ الإرادة والاختيار؟

وإذا لم يكنْ المعصومُ قد جرى باختياره وفق الشريعة، فينتفي كونه قدوةً يُقتدى به في أفعاله وسائر تروكه.

وبعبارة أخرى: إنَّ المعصوم (عليه السلام) إما أنْ يكون قادراً على تطبيق جميع التعاليم التي جاء بها، وقادراً متمكِّناً من الالتزام بالحق الصادع به في جميع أحواله، وإما أنْ يكون غيرَ قادرٍ.

فإنْ كان قادراً، فإنَّ سلْبَه الاختيار فضلاً عن أنه بلا موجب،

/صفحة 99/

فهو مفسِدٌ مضرٌّ.

وإنْ لم يكن قادراً، فهذا يقود إلى الالتزام بعدم قابليَّة الإنسان على انتهاج وسلوك الحق في تمام وفي جميع الأمور.

وهذا مضافاً لمنافاته لحِكْمة التشريع وللأدلة العقليَّة، فإنَّ الآيات القرآنية تنهض ببيان فساده، ولو لم يكن إلا آية {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَ وُسْعَهَا...}(1)، وآية {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَ وُسْعَهَا...}(2)، لكفى.

هذا، ويمكنُ أنْ يُفْرَد هذا الكلام على حدة، ويُقرَّر على أنه محذور مستقل، فيقال: لازم هذا الكلام وهذا الإدِّعاء ـ وهو أنْ تكون الشريعة الإلهيَّة غير قابلة للتطبيق ـ هو أنْ يكون الدين أمراً مثالياً، وهو ما ينادي به ويدَّعيه أهلُ الباطل.

 

كون المعصوم مسلوب الاختيار يعني أنه أدنى من أدنى المخلوقات:

 

    المحذور الثامن: إنَّ كون المعصوم مجبَراً يعني تفضيلَ غيرِ

ـــــــــــــــ

(1)  سورة البقرة الاية 286.

(2)  سورة الأنعام الآية 152، وسورة الأعراف الآية 42.

/صفحة 100/

المعصوم على المعصوم في عالَم الثواب الأخروي، وهذا باطلٌ ظاهراً وباطناً.

بل يلزم عن ذلك أنْ يكون أدنى المخلوقات ـ فيما إذا أطاع الله تعالى في أدنى الطاعات ولو لمرة واحدة في عمره ـ أفضلَ من جميع المعصومين، ذلك أنَّ الأدنى يطيع الله تعالى بإرادته واختياره، بينما على نظرية جبْريَّة العصمة، فإنه لم يُطِـع أحدٌ مـن المعصومين المولى سبحانه باختياره ولو لمرة واحدة في عمره.

 

الجواب عن النقطة الأولى:

 

    وأما الجواب عن النقطة الأولى، من أنَّ الوجوبَ ينافي الاختيار، بادِّعاء أنَّ الوجوب يُمثِّلُ سدَّ باب العدم والاختيار، فحاصله: إنَّ هذا في الحقيقة غفلةٌ ظاهرةٌ، أو تجاهلٌ، أو جـهْلٌ بما هو المراد من معنى الوجوب في المقام.

والجواب العلمي يكون بالنقض بوجوب العدل عليه تعالى، وبالحل بأنه يُراد من وجوب الطـاعة وامتناع المعصيـة، خصوص الوجوب والامتناع الوقوعي دون الذاتي، وما ينافي

/صفحة 101/

الاختيار الثاني دون الأول.

ولتفصيل الكلام في هذا نذكر أمراً يسهل على كل أحد فهْمُهُ واستيعابه فنقول: إنَّ صاحب الندوة يقول: إنَّ الوجوب ينافي الاختيار.

فنسأله: هل يلتزم بأنَّ هذه القاعدة التي ذكرها هي قاعدة عامة مطَّرِدة مطلقة، أو أنه يراها تجري في بعض الموارد دون بعضها الآخر.

فإنْ كان لا يراها قاعدة عامة، فهذا يعني أنها لا تصلح للتمسك أو الاستدلال بها، لأنَّ أيَّ أمْرٍ يُذكر هنا أو هناك فلا يكونُ قاعدةً يصحُّ البناءُ عليها إلا إذا كان أمراً عاماً شاملاً، وما لم يكن أمراً شاملاً فلا يصدقُ عليه أنه قاعدةٌ، وما لم يكن كذلك فلا يصلح الاستدلال به.

وإنْ كان يراها قاعدة عامة، فهذا يعني أنه لا بُدَّ وأنْ تثبت فـي جميع مواردها.

وعلى هذا فنسأله: كيف يُصحِّحُ لنا نسبة وجوب العدل واستحالة الظلم على المولى سبحانه؟ فإنَّ الوجوب عنده ينافي الاختيار، لأنه يُمثِّلُ سدَّ باب الاختيار.

/صفحة 102/

فهل يلتزم بأنَّ وجوب العدل منه تعالى يعني سلْبَ الاختيار عنه سبحانه؟!

أو هروباً من هذا المحذور، فإنه يُبادِرُ إلى إنكار وجوب العدل عليه تعالى؟!

 

القاعدة العقلية قاعدة كلية عامة لا تختلف ولا تتخلَّف:

 

    ولو قال قائل: إنَّ الله تعالى خارجٌ عن هذه القاعدة.

    لأجبناه: ـ مضافاً إلى أنَّ هذا الكلام خلافُ ما افتُرِض من كون القاعدة شاملةً وعامةً ـ أنَّ التخصيصَ في أحكام العقل غيرُ وارد، فإنَّ العقل يحكم ويُدرِك القواعد الكليَّة من جهـة، ولا دخالة لخصوصيَّة الموضوع عنده في حكْمِه وإدراكه.

وإنْ شئت قلت: العقل إما أنْ يحكم ويُدرِك، وإما أنْ لا يحكم ولا يُدرِك.

فإنْ حكم وأدرك ـ وهو لا يدرك الأمور الجزئية، لأنَّ لكلِّ جِزئيٍّ خصوصياته التي تمنع عن أنْ يشاركه جزئيٌّ آخر في حكْمِه ـ فقد حكم وأدرك بقول مطلق، أي نستكشف من

/صفحة 103/

حكْمِه وإدراكه أنه لا خصوصيَّةَ ولا ميزةَ لموضوع هنا أو موضوع هناك.

وأمثلته كثيرة، منها: إداركُ العقل وحكْمُه باستحالة اجتماع النقيضين، إذ لا يمكن أنْ يكون الشيءُ الواحدُ موجوداً وغيرَ موجودٍ في الآن نفسه، وبإزاء الاعتبارات نفسها.

وحكمُهُ بالاستحالة ليس باعتبار شيء ما، وإنما العقل يُدرِك أنَّ النقيضين بذاتهما لذاتهما لا يمكنُ اجتماعُهُما، وعليه فلا يقال: إنَّ اللهَ تعالى خارجٌ عن هذه القاعدة، وأنه تعالى قادرٌ على أنْ يجمع بين النقيضين.

نعم لا نقول بأنه تعالى غيرُ قادر على أنْ يجمع بين النقيضين، بل نقول بأنَّ النقيضين نفسهما غيرُ قابلَيْن للإجتماع، فلا قصورَ في قدرته تعالى، وإنما المحلُ غيرُ قابلٍ، أي أنَّ طبيعة النقيضين تفرض واقعاً موضوعيَّاً معيَّناً، يقضي بقصور ذاتيهما عن قابليَّة اجتماعهما معاً.

وهكذا الشأن في جميع مُدرَكات العقل الكليَّة، فلا تخصيصَ فيها بأيِّ نحو من الأنحاء، والسرُّ في ذلك هو أنَّ ما يُدرِكه العقل في الأحكام الكليَّة ليس خاضعاً لظرف خاص،

/صفحة 104/

وليس بإزاء منظور ما، أو بلحاظ شيء معيَّن.

 

الوجوب والامتناع لا يراد منهما شيءٌ واحد:

 

    ومهما يكن؛ فالجواب عن شبهة أنَّ الوجوب يساوق الحتميَّة وينافي الاختيار، يتَّضحُ من خلال فهْمِ ما هو المراد من الوجوب والامتناع في المقام.

ذلك أنَّ الوجوب والامتناع قد يُراد منهما الذاتيان، وقد يُراد منهما الوقوعيان، وما ينافي الاختيار هو خصوص الأول دون الثاني.

فإنه إذا كان ثبوتُ شيء لشيء ممَّا يفرضُهُ الواقعُ الموضوعي لذاتيهما، فهذا يعني أنه لا يمكن أنْ يتخلَّفَ ثبوتُهُما مهما اختلفت الاعتبارات واللحاظات.

وإنْ كان منشأُ الثبوت أمراً خارجيَّاً، فهذا يعني أنــه لا ثبوت لانتساب أحد الشيئين إلى الآخر بلحاظ مرتبة الذات، وإنما الثبوت يرجع إلى ذاك الأمر الخارجي.

فمثلاً، إمتناعُ اجتماع النقيضين حكْمٌ لا يمكن دخولُه تحت تأثير زمن أو وضع معيَّنَيْن، فإنَّ ذاتيهما ممَّا لا يمكن

/صفحة 105/

اجتماعُهُـما في أيِّ ظرف، وبأيِّ لحاظ.

ووجوبُ توقُّفِ وجود الأمر الممكِن على وجود علَّته، لا يمكن أنْ ينتقض بمورد من الموارد، فيُدَّعى أنَّ هذا الممكن لا يحتاج إلى علَّة، ذلك أنَّ وجودَ الممكن من دون علَّة يستلزمُ المحال، وكل ما يلزم عنه المحال، فهو محال.

وعليه فيكون وجوبُ ثبوت العلَّة مع فرْضِ وجود الممكن أمراً يفرضُهُ ذاتُ الممكن وواقِعُهُ، لا أنه يفرضُهُ شيءٌ آخر خارجٌ عن حدود ذاته.

وكلما كان الامتناعُ أو الوجوبُ ثابتاً لاقتضاء الذات لذلك، فهو من الوجوب أو الامتناع الذاتي، لهذا لا يمكن أنْ يظفر الباحث عن علَّة ذلك خارج حدود الذات، ومن هنا لا يكون الذاتيُّ قابلاً للتعليل، فلا علَّةَ خارجيَّة لامتناع اجتماع النقيضين، وما لا علَّة له لا يكون قابلاً للتعليل، ويكون نفسُ التصوُّرِ للطرفين قاضياً بالتصديقِ والجزمِ بثبوت النسبة الثابتة لهما.

وهناك امتناعٌ آخر بلحاظ مرتبة الوقوع خارجاً، والامتناع كذلك لا ينافي الإمكانَ في مرتبة الذات، وإنما ينافيه الإمكانُ

 

/صفحة 106/

في مرتبة الوقوع، فإنه لا تنافي بين امتناع شيء بلحاظ شيء، وبين إمكانه بلحاظ شيء آخر، على أنَّ يُراد من الشيء الأول مرتبة الوقوع، ومن الشيء الثاني مرتبة الذات مثلاً.

وعليه فإذا وجب صدور شيء بلحاظ شيء ما، فهذا لا يعني امتناع صدوره بلحاظ شيء آخر، بل قد يكون صدورُهُ ممكناً، وبالتالي يكون عدمُ صدورِه أيضاً ممكناً، وهذا معنى الإمكان، أي إمكان الصدور، وإمكان عدم الصدور.

نعم إذا كان صدورُ شيءٍ واجباً بلحاظ شيء ما، فإنَّ عدم صدوره بلحاظ ذاك الشيء نفسه يكون مستحيلاً.

ولكن كلامنا في المقام ليس كذلك، لأنَّ المدَّعى ليس تعلُّق الاستحالةِ بالمعصية في مرتبة الذات، وإنما الاستحالة تعلَّقت بالمعصية من جهة وقوعها وصدورها، واستحالةُ صدور المعصية وامتناع تحقُّقِها في الخارج، لا يعني أنَّ المعصيةَ في مرتبة الذات ممتنِعةٌ، حتى ينتجَ عن ذلك سلْبُ القدرة والاختيار مطلقاً.

فإنه إذا وجب أنْ يصدر شيءٌ من شيء لسبب من الأسباب، فهذا لا يعني أنَّ ذاك الشيء نفسَه غيرُ مقدور عليه

/صفحة 107/

 

بلحاظ مرتبة الذات، لأنَّ ثبوت ووجوب صدوره في الخارج لم يكن لاقتضاء ذاته له، وإنما كان لأمر خارج عن الذات، وما كان كذلك يكون داخلاً تحت الاختيار ذاتاً، وما ينافي القدرة ويكون خارجاً عن دائرتها هو ثبوت الامتناع الذاتي للشيء، لا الامتناع الوقوعي.

 

إمتناع المعصية من المعصوم (عليه السلام) لا يعني أنَّ ذات المعصية ممتنِعةٌ وغير مقدورة له:

 

    وليس معنى امتناع المعصية من المعصوم أنَّ ذات المعصيـة ممتنِعةٌ، وإنما المقصود خصوص امتناع وقوع المعصيـة خارجاً، أي تمتنعُ المعصيةُ وقوعاً، وليس كلُّ ما يمتنعُ وقوعُهُ يكون خارجاً عن الاختيار، بل قد يمتنعُ وقوعُ شيء وتكون ذاتُه مقدوراً جداً عليها عند مَنْ يمتنع منه الوقوع.

فإنَّ المولى سبحانه يمتنع أنْ يقع منه الظلم، فهل يلتزم صاحب الندوة بأنه تعالى غيرُ مختار في ظرْفِ استحالة وقـوع الظلم منه؟ تعالى المولى عن ذلك علواً كبيراً.

بل هو تعالى القادر المطلق، ولكنه لا يقع منه تعالى الظلم،

/صفحة 108/

لأنَّ الظلم يحتاجه الضعيف، وهو تعالى القوى الغني المطلق.

على أنَّ كلَّ قبيح يستحيل صدورُهُ ووقوعُهُ من المولى سبحانه، فهل يلتزم صاحبُ الندوة بأنَّ كلَّ قبيح خارجٌ عن دائرة قدرة الربِّ القادر القهَّار؟!

إذن ليس معنى وجوب وقوع شيء كوجوب العدل منه تعالى، أو استحالة وقوع شيء كصدور القبيح من ربِّنا سبحانه، ليس معنى ذلك وليس لازمه أنْ يكون مَنْ يجب الوقوع منه أو مَنْ يستحيل الصدور عنه، مجبَراً مسلوبَ القدرة والاختيار.

وإذا لم يكن سلْبُ الاختيار أمْراً لازماً، فهذا يعني أنه مـع قيام الأدلة على استحالة كون الشخص ـ كالمعصوم مثلاً ـ مسلوبَ الاختيار، فإنَّ تلك الأدلة تُمثِّل دليلاً قطعيَّاً على عدم كونه مسلوبَ الاختيار يقيناً.

    إذا قلتَ: إنكم برهنتم فقط على أنَّ الامتناع الوقوعي لا ينافي القدرة على ذات الشيء، أي لم تُبيِّنوا إلا أنَّ استحالة وقوع المعصية يمكن أنْ تجتمع مع كون المعصية ذاتها مقدورة، ولم تُبرهِنوا على أنَّ كلَّ ما يمتنعُ وقوعُهُ فهو مقدورٌ بذاته فعلاً، بل أقصى ما برهنتم عليه، هو أنه يمكن أنْ يكون

/صفحة 109/

الشيءُ ممتنعَ الوقوع، وتكون ذاتُهُ داخلةً تحت الاختيار والإمكان.

والدليل على الإمكان ـ أي البرهان على أنه يمكن أنْ يكون ما يجبُ وقوعُهُ ممكِناً ذاتاً وواقعاً تحت الاختيار ـ لا يُـنتِج التحقُّقَ فعلاً، وأنَّ المعصيةَ في مرتبة الذات فعلاً مقدورة، فيمكن أنْ يكون ذاك الممكنُ مُتحقِّقَاً، ويمكن أنْ لا يكون.

وبعبارة أخرى: إنكم برهنتم علىمجرد الإمكان، ولم تُبرهنوا على فعليَّة ما بيَّنتم إمكانه، والممكن يمكن أنْ يتحقَّق، ويمكن أنْ لا يتحقَّق، إذن إمكانُ كون المعصية في مرتبة الذات مقدورةً، لا ينتجُ عنها أنها مقدورةٌ فعلاً، وما نحتاجه وما ينفع لرفْع الإشكال، هو إثبات الوقوع تحت القدرة فعلاً، لا مجرد إثبات الإمكان.   

    قلنا لك: بعد البرهنة على إمكان أنْ يكون ما يمتنعُ وقوعُهُ داخلاً تحت الاختيار في مرتبة الذات، فيبقى أنْ نُثبِتَ بأنَّ ما هو ممكِنٌ ـ أي المعصية ذاتها وهو محل بحثنا ـ هو أمْرٌ فعليٌّ وحاصلٌ أيضاً.

وهنا نقول: بعد الفراغ عن ثبوت البرهان على الإمكان، فإنَّ

/صفحة 110/

الدليل القطعي القائم على استحالة كون المعصوم شخصاً مسلوبَ الاختيار والإرادة ـ لاستلزام سلْبِ الاختيار للمحاذير التي سبق أنْ ألمحنا إليها أو إلى بعضها، والتي لا مجال لغضِّ النظر عن واحد منها ـ يكون هو الدليل نفسه على ثبوت الوقوع والتحقُّق، وأنَّ ما يمتنع وقوعُهُ من المعصوم داخلٌ تحت اختياره فعلاً.

وبعبارة أخرى: بعد أنْ برهنا على أنَّ الوجوبَ لا يُمثِّلُ سدَّ باب العدم والاختيار، وأنه يمكن أنْ يجتمع وجوبُ شيء مـع كونه أمراً إختيارياً، فإنَّ الدليل الذي أقمناه على استحالة أنْ يكون المعصومُ شخصاً مسلوبَ الاختيار، يكون دليلاً أيضـاً على أنَّ امتناع المعصية لا يعني سلْبَ القدرة عن غير الطاعة.

فالمعصيةُ نفسها وذاتها مقدورةٌ للمعصوم، ولكن يمتنع وقوعُها، فما هو الممتنِعُ هو الوقوعُ في عالَم الخارج دون  الشيء ذاته، والامتناع بلحاظ الوقوع الخارجي لا يعني الحتميَّةَ والوجوبَ بلحاظ مرتبة الذات، وإنما يعني الحتميَّة والوجوب بلحاظ عدم الوقوع، أي معنى يمتنع أنْ تقع المعصية هو أنه يجب أنْ لا تقع.

/صفحة 111/

والطاعة نفسها مقدورة وداخلة تحت اختيار المعصوم، لكنه لا يمكن أنْ يتلبَّس بضدِّها، أي يستحيل أنْ لا تقع الطاعة من المعصوم، وما يجب هو وقوع الطاعة، ووجوب وقوع شيء ينافي إمكانَ أنْ لا يقع في الخارج، ولا ينافي أنْ تكون الطاعةُ نفسها ممكنةً في مرتبة الذات.

وأخيراً، فإنَّ الامتناع الوقوعي كان امتناعاً بأمر خارج عن الشيء ذاته الذي امتنع وقوعه، ومعه فكيف يكونُ الشيءُ في مرتبة الذات ممتنِعاً وغيرَ ممكن، والمفروض أنَّ الامتناع كان بأمْرٍ خارج عن حد ذاته؟!!

هذا وَلْنَكتفِ بهذا المقدار في مناقشتنا للنقاط الثمانية التي تتلخص ممَّا ورد في الندوة على ما أشرنا إليه صدر البحث، ولنشرع في المقصود متوكلين على المولى تبارك وتعالى.

 

إفتقار الممكن إلى الواجب تعالى:

 

    قد أشرنا فيما تقدم إلى تفصيلٍ في هذا، ونزيد هنا فنقول: قال سبحانه في محكم كتابه {وَمَنْ أَرَادَ الآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلاً نُمِدُّ

 

/صفحة 112/

هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً}(1).

ومفادُ هذه الآية وغيرها كثير، أنَّ المولى سبحانه وهو العدل الذي لا يجور، قد أوجب على نفسه أنْ يُعطي كلَّ خلْقِه ما يحتاجونه في هذه الحياة من نِعَمٍ ماديَّة ومعنويَّة، وبالتالي فكان لا محالة أنْ تنتهي إرادةُ العبد إلى إرادة المولى تعالى، قضاءً لافتقار الممكن إبتداءً واستمراراً إليه تعالى، وقد أشار تعالى إلى الإفتقار الذاتي بقوله عز وجلَّ {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَ أَنْ يَشَاء اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}(2).

ذلك أنَّ الممكن، وهو المخلوق أي جميع ما عداه سبحانه، مفتقِرٌ في جميع شؤونه وسائر تقلُّباته وتمام مراتب وجوده إليه سبحانه، ومن البديهي أنَّ إرادةَ العبد هي إرادةٌ من الممكن بذاته، فلا بُدَّ وأنْ تستمدَّ الفيض من الواجب تعالى، وإلا فهي باقيةٌ فـي ظلمة العدمِ، وضلال البطلان المحض، وتفصيل هذا المعنى والبرهان عليه، قد المحنا إليه فيما تقدم.

ـــــــــــــــ

(1) سورة الإسراء الآية 19 ـ 20.

(2) سورة التكوير الآية 29

/صفحة 113/

كل مخلوق مفطورٌ على طلب الكمال وعلى حبِّه:

 

    ثم إنَّ الإنسان بل كل مخلوق مفطورٌ على طلَبِ وتحصيل الكمال، والكلُّ ساعٍ بجهده إلى الكمال الذي يطلبه، والتفاوت بين الخلائق ليس إلا في نحو الكمال الذي يطلبونه، وفي نوعه، وتحديد مصداقه.

والإختلاف أيضاً ليس إلا فيما يراه شخصٌ هنا أنه كمالٌ، بينما يرى آخر هناك أنَّ الكمال يكمن في ضدُّ ما يراه الأول أو في نقيضه، وهكذا.

فالمؤمن يرى كماله في تحصيله رضى المولى سبحانه، بينما العاصي يراه في ركوب ضلالة، أو ارتكاب مفسدة معيَّنة، والنحـل يرى كماله في جني العسل، وهكذا، فالكلُّ طالبٌ للكمال، يسعى نحوه، غايته هو طالب ساعٍ لِمَا يراه كمالاً.

هذا، ولولا أنَّ الفطرة تكدَّر صفْوُها، ولولا أمور عرضت وما زالت تعـرض وتعتـرض مسيرة الإنسان ـ ولا مجال لدينـا لتفصيل الحديث في هذا المعنى ـ لَمَا رأى الإنسان كمالاً له إلا في الموقع الصحيح، وفيما يرضاه الحقُّ تعالى.

/صفحة 114/

إقتصار شأن المولى تعالى على تهيئة الأسباب والمقدمات:

 

    وقد اقتضت الحِكْمةُ الإلهيَّة أنْ يُهيِّأ الكريم تعالى للإنسان المقدمات لذلك بنحو الإقتضاء، كمَنْ يريد ذبْحَ شيء، فإنَّ تهيئة الآلة التي من شأنها أنْ تُستعمَل لذلك الغرض هـو مـن مقدمات تحقيق الذبح، غايته يكون المكلَّفُ مطلقَ العنان في اختيار ما سيقع عليه الذبح، ولا يمكن أنْ يقع اللومُ من عاقلٍ على المعطي للآلة، فيما إذا كان المُعطَى له من المدرِكين الممتلِكين للقوة العاقلة المدركة الواعية، حيث إنـه بفضل تلك القوة يُدرِك الخيـر والشر، وما يكون صالحاً وما هو فاسد، إلى غير ذلك.

وقد اقتضت الحكمة الإلهيَّة أيضاً أنْ يتركَّب الإنسانُ مـن عناصر مختلفة، وقوي متباينة، ومن عقْلٍ مدرِك له شأنيَّةُ وصلاحية القاهريَّة لتلك القوي، فإنْ أحسن الإنسانُ الاختيار وسلك مسلك الأخيار، كانت الغلبةُ في مملكة النفس للعقل وجنده، فيسود العدلُ في مملكة الجسم الإنساني، وتحصل السعادة الدنيوية قبل الأخرويَّة، وإلا فإنَّ كانت الغلبةُ لقوي

/صفحة 115/

الشر والطغيان، فإنَّ مآله لا محالة إلى الخذلان والطغيان،  ولهذا فإنَّ مَنْ يحيى تكون حياتُهُ عن بيِّنة، وكذلك الحالُ في الهالك، فإنه يكون هالكاً عن بيِّنة أيضاً.

ومع وضوحِ الحق وإمكانِ تحصيله والإهتداءِ بهديه، وعدمِ خفاء الباطل وسُبُلِ الغي والعدوان، فإنَّ في إطلاق عنان اختيار المكلَّف لسلوك المسلك الذي يطلبه، فيه من الحكمة ما لا يكاد يخفى، وأنَّ منتهى العدل هو ذلك.

 

قابليَّة الإنسان للإرتقاء والإنحدار:

 

    والإنسانُ بما أودع الله تعالى فيه قابلٌ لأنْ يرقى أعلى مدارج الكمال، ليصير قِبلةً لملائكة الرحمان وقائدهم ومتبوعهم، بل وأعز وأعلى شأناً، وأرفع قدراً من سائر المخلوقات.

وهو لذلك قابلٌ أيضاً، لأنْ ينحدر إلى وادي الردى، لتكون البهائمُ أشرفَ منه وأفضلَ، مع أنه لا شَرَفَ لها، ولا فضْل.

فالإنسانُ في الحقيقة مخلوقٌ ذو جنبتين متغايرتين متضادَّتين، ولكنه مع ذلك يملك أسباب غلبة ما يريد أنْ

/صفحة 116/

 

يتغلب عليه من خلال الجنبة الروحانية إنْ شاء، أو الجهة الحيوانية البهيمية الشهوانية إنْ أساء الاختيار.

ولهذا كان الإنسانُ مخلوقاً برزخاً بين الملائكة والبهائم، قابلاً للارتفاع على الأوائل، وللانحطاط دون الأواخر، ولا يكاد يمكن تحقُّقُ ذلك منه من دون إرادة، وعلم، واختيار.

أما اعتبار العلم، فلبداهة قصور الجاهل بشيء عن نيلِه، وطَلَبِه، وإرادته، واختياره.

وأما اعتبار الإرادة والاختيار، فلوضوح عدم كفاية العلم بحُسْنِ شيء، وقبْحِ آخر ما لم يتحقَّق الإتيانُ بما يعلم بفائدته، وما لم يتجنَّب عمَّا يعلم بإضراره وفساده.

والإتيانُ ما لم يكن عن إرادة واختيار، فلا يكون فضْلاً وكرامة، وبالتالي فمن القبيح أنْ يحصل تفضيل ما لا يكون بالاختيار ليرجع الفضْل إلى صاحبه، ومن الظلم أنْ يُعاقَب الشخص على فعْلِ ما لا يجد سبيلاً لتركه، أو على ترْكِ ما لا يجد سبيلاً لفعله.

فالإرادة وحرية الاختيار يُمثِّلان أساساً أوليَّاً في مقام التفاضل، ويعتبران المُعدَّيْن الحقيقيَّيْن.

/صفحة 117/

الإرادة من الإنسان تُمثِّل حقيقته:

 

    بل الإرادةُ من الإنسان تُمثِّل حقيقته وشخصيَّته، ومن الجهل بمكان أنْ ينسب ناسب إلى الذي كرَّم الإنسان، أنه عَمَدَ إلى سلْبِه الاختيار والإرادة، فإنَّ في ذلك إخراجاً له عن إنسانيَّته وحقيقته، إذ يغدو كالآلة التي لا حول لها ولا قوة إلا حول وقوة مُحرِّكها ومُسيِّرها، وأيُّ فضْلٍ لمسلوب الإرادة على مثل الحجر والمدر؟!

وأيُّ فضْلٍ للحجر الذي إنْ شئتَ رميتَ به عدواً لله فتكسب بذلك حسنة، أو إنْ شاء عمرو أنْ يضرب به مؤمناً فيبؤ بسيئة؟!

 

دخالة العلم في الأفعال الاختيارية للإنسان:

 

    ثم إنَّ من البداهة جداً ـ وكل شخص يُدرِك بوجدانه ذلك ـ أنَّ أيَّ فعْلٍ يريد أنْ يقوم به الملتَفِت يكون مسبوقاً بصورة ذهنيَّة علميَّة، بنحوٍ يكون التصديقُ بما حصل وارتسـم في ذهنه من أسباب صدور الفعل، وإلا فيستحيل أنْ يُصدِّق شخصٌ بتعيُّنِ شرْبِ الماء مثلاً فيمد يده ملتفِتاً ليأكل الرمان،

 

/صفحة 118/

أو يُصدِّق بأنَّ مقصده في الجهة اليمنى فيسير إلى الجهة اليسري لتحصيل غرضه.

نعم يتأتَّى من الغافل أنْ ينهج منهجاً مخالِفاً، وإلا فيستحيل وقوعُ المخالفة من الملتفِت.

وهكذا، فمَنْ يعلم بوجود غرضه في منطقة معيَّنة لها طريقان أحدهما أطول من الآخر، فإنه من المستحيل أنْ يسلك الطريق الأبعد لتحقيق غرضه، إلا إذا كان سلوكُهُ للأبعد لأجل تحصيل أمْرٍ آخر، ولا يتأتَّى له ذلك إلا مع العلم به أو احتماله، فيتولَّد في الذهن الصورةُ العلميَّة لذلك، فتدعوه إلــى سلوك الأبعد.

وعلى هذا فتحرُّكُ الإرادة وتحريكُ العضلات مسبَّبٌ عن أمْر وصورة ذهنيَّة حاصلة في الذهن وأُفق النفس، من شأنها أنْ تدعو لتحصيل ما صدَّق الإنسان المختار بتعيُّنِ فعْلِـه، وترْكِ ما صدَّق بتعيُّنِ ترْكِه.

وما يحصل في الذهن له عدة مقدمات، من أهمها الإلتفات إلى الغرض المرتَجى والعلم بحدوده ـ ولا نقصد العلم الواقعي ـ وليس من شأن حصول الصورة الذهنية أنْ يترتَّب

/صفحة 119/

الأثرُ قهراً، بل ليس من شأنها إلا صلاحية كونها باعثةً وداعية، وصاحبُ الاختيار له أنْ يترك، وله أنْ يفعل.

ولكنِّ العاقل لمَّا كان لا يُحتمَلُ فيه ولا منه تفويتُ غرضه الباحث عنه والطالب له، فحيث يكون المقتضي متحقِّقاً والمانع مفقوداً، فإنه لا يتوانى ولا يدَّخر وسعاً في سبيل السعي والإقدام نحو تحصيل غرضه، وتحقيق مطلوبه.

وكلما كانت الصورةُ العلميَّة أشدَّ رسوخاً وآكدَ انطباعاً، كلما كان حصولُ الغفلة عنها أمراً بعيداً.

وكلما تحقَّق التصديقُ بالمطلوب تحقَّقت الرغبةُ في الانبعاث إلى تحقيقه، ومتى ما كان التصديقُ مجزوماً به بنحوٍّ أتم، إمتنعَ من العاقل عدمُ تحقيقه له، وامتنعَ منه عدمُ وقوع الجري منه على مقتضى ما صدَّق به، مع غاية تمكُّنه مــن أصل ترْكِ الجري، ولكن لا ينسجم تحقُّقُ التصديقِ بشيء، مع ترْكِ الإقدام على تحصيله ممَّـنْ يعقل ويعـي، وإلا فيكـون أصلُ تحقُّقِ التصديق مشكوكاً به، أو لا يكون هناك إلا صورةُ تصديق، ولا وجود له حقيقة، وهذا هو السبب في ما نراه من عدم الجري وفق ما قد يُدَّعى وجود التصديق به.

/صفحة 120/

الغفلة ليست بنحو واحد:

 

    ثم إنَّ الغفلة يتفاوت الابتلاءُ بها من شخص إلى آخر تبعاً لقوة مدارك الشخص وسلامة سلوكه من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ عدمَ حضور الشيء بنفسه مما يجعل الغفلةَ عنه أمراً وارداً، بخلاف ما لو كان الشيءُ حاضراً بنفسه وحقيقته، فإنَّ غفلةَ النفس عن الشيء حال كونها مدرِكةً له بحضوره بنفسه أمرٌ غيرُ ممكن، وهنا يكمن السرُّ في ما يدركه صاحب النظر الثاقب، والفكر الصائب، وذي المدارك المتينة من تفاوت بين الأشياء، فتراه يُدرِك جداً إمكانَ غفلته عن شيء صورتُه مرتسمة في ذهنه، كما تراه يُدرك عدمَ إمكان غفلته أبداً عن شيء حاضر بنفسه في أفق النفس.

وهذا من أهم فوارق الآثار بين ما يُصطلح عليه بالعلم الحصولي وهو الأول، والعلم الحضوري وهو الثاني.

 

فيتلخص مما أشرنا إليه أمور:

 

    الأمر الأول: إنَّ التصديق بفائدة معيَّنة مترتِّبة على فعْلٍ أو ترْكٍ خاصَّين من خلال تصوُّرِ الشيء وتصوُّرِ فائدته وما إلـى

/صفحة 121/

ذلك، يستلزم الإتيانَ بالأول والترْكَ للثاني من العاقل الملتَفِت، بل يستحيل منه حالَ تصديقه أنْ يفعل ما صدَّق بضرورة وتعيُّنِ ترْكِه، أو أنْ يترك ما صدَّق بفائدته ولزوم فعْلِه، إلا إذا حصلت الغفلةُ التامة، أو خرج عن كونه عاقلاً.

نعم ما قد نراه من التخلُّف خارجاً ومن عدم الجرى على وفق الصورة العلمية، إنْ لم يكن ناشئاً عن الغفلة أو عن خروج الشخص عن كونه عاقلاً، فإنَّ مرجعه إلى عدم كون الشخص مصدِّقاً حقيقةً تصديقاً كاملاً.

وارجع إلى وجدانك، وَلْيَرجع مَنْ لم يُدرِك حقيقةَ ما ألمحنا إليه إلى وجدانه، وَلْيَلحظ الناس ويسألهم، على أنَّ هذا أمْرٌ لا نحتمل أنْ يكون موردَ شكٍّ أو تشكيكٍ مِن أيِّ عاقل أبداً.

الأمر الثاني: إنَّ الغفلةَ وإنْ كانت تتحقَّقُ مع التصديق ومـع حصول الصورة العلمية، غير أنها تتفاوتُ بتفاوت نحــوِ التصديق، وبتفاوت نحوِ متعلَّقه، ولأسباب أخرى لا تكاد تخفى على أهل الفضل.

الأمر الثالث: إنَّ الغفلة لا تكون إلا عمَّا من شأنه أنْ يكون

/صفحة 122/

قابلاً لأنْ يغفل الإنسانُ عنه، وهو خصوصُ الشيء الذي لا يكون حاضراً بنفسه لدى الشخص وعنده، وإلا فمع حضوره وإدراكه له، فمن المستحيل أنْ تتحقَّقَ الغفلةُ، لاستحالة غفلةِ الحاضر عـن الحاضر لديه، فإنه خلافُ فرْضِ الحضور التام الكامل.

الأمر الرابع: إنَّ الإقدامَ أو الإحجامَ في كلتا الحالتين أمْرٌ إرادىٌّ إختيارى للشخص، حيث إنَّ الإقدام نفسَه مقدورٌ عليـه، غايته لا يمكن وقوع الترْكِ منه، لا أنه لا يتمكَّن من الترك، والفرقُ بين أنْ يكون وقوعُ الترك غيرَ ممكن، وبين أنْ يكون الشخصُ غيرَ متمكِّن من الترك، واضحٌ جداً.

ولنْ يأتي يومٌ نسمع فيه أنَّ عاقلاً قد شرب سُمَّاً وهو ملتفتٌ إلى كونه سُمَّاً ومصدِّقٌ بضرره المُهْلِك، اللهم إلا أنْ يبدو له أمرٌ آخر، كأنْ يكون طالباً مريداً للموت، فيصدِّق به ويحصل بسببه التحرُّكُ الإرادى نحو شُرْبه، وهذا خارجٌ عن محل الكلام.

ولا نظن بواعٍ عنده حظٌّ من العقل أنْ ينسب إلى ذلك الشخص الذي لا يقع منه الشرب كونه غيرَ مختار في ترْكِه

/صفحة 123/

  شرب السُّم وأنه مجبَرٌ، لمجرد أنه لا يمكنُ وقوعُ الفعل منه، فإنَّ عدمَ الوقوع بل استحالة الوقوع تجتمعُ مع إمكان الشرب نفسه في مرتبة الذات، واستحالةُ وقـوع شيء من شخص، لا يلازمها استحالةُ الشيء ذاته، بل قد يكون فعْلُ الشيء نفسه ممكناً، ويكون وقوعه مستحيلاً، وقد تقدم التفصيل في هذا، وقلنا بأنَّ المولى تبارك وتعالى لا يمكنُ وقوعُ الظلم منه، مع أنه متمكِّنٌ من الظلم نفسه، فإنه تعالى ذو القدرة المطلقة.

ومن جميع ما تقدم يظهر جلياً كيف أنَّ مدار التفاضل بين الخلائق، إنما هو في ما أدركوا من حظِّ العلم والمعرفة، فإنَّ أحْسَنَ العمل لا يمكن تحقُّقُه من الجاهـل، والعالِمُ بحقٍّ يستحيل أنْ يجري على غير مقتضى ما يعلمه، اللهم إلا مع عدمِ وضوحِ المعلوم لديه، وعدمِ ظهوره في أفق النفس، وهذا يرجع إلى ضَعْف درجة انكشافه وارتسامه، وإلا فمع حضور المعلوم حضوراً تاماً، فإنه أبداً لا يكونُ العملُ منه إلا طبْقَ ما ينسجمُ معه، واعتبر بمثـل النفس المدرِكة لقواها الحاضرة فيها، فإنَّ المدرِكَ لحَمْلِ شيء، يستحيل أنْ يتحقَّق في نفسه توجُّهُ قوة الفكر والعقل لحَمْلِه، وإنما يصدرُ الأمرُ من النفس

 

/صفحة 124/

إلى خصوص قوة تحريك العضلات لرفْعِ ما يحتمل أنه قادرٌ على رفْعِهِ وحمْلِه.

وقد اتَّضح لك حقيقةُ مرجع الأمر الإلهي بالحثِّ على العلمِ والتعلُّم من جهة، وعلى مزاولةِ بعض الواجبات من جهة ثانية، وكيف أنَّ أثر الصلاة هو الإنتهاء عن الفحشاء والمنكر، وتقف على ما هو سرُّ تكرار بعض الأوراد والأدعية.

فإنَّ في جميع ذلك تأكيداً لرسوخ الصورة العلميَّة، والذي ينتجُ عن رسوخها وتأكدها تحقُّقُ العمل على مقتضاها، وأنَّ من شأن تذكير النفس ـ بيوم القيامة وبالصراط والحساب ومـا شاكـل من خلال قراءة سورة الحمد مرات عديدة مثلاً في كل يوم ـ ترسيخ الصورة العلمية، حيث يؤدي تأكُّدُ رسوخها إلى استحالة حصول غفلة النفس بنحو سريع.

نعم، إنَّ كيفيةَ الإتيان بالعمل العبادي تختلفُ وتتفاوتُ بين الأفراد، تبعاً لاختلاف نحوِ إسماع النفس والقلب والعقل، ولا شبهة أنَّ لتوجيهِهِم وتوجُّهِهِم الأثَرَ المُهمَّ في ذلك، لذا ورد الحثُّ على التدبُّر والتفكُّر والتعقُّل لِمَا يلحظُهُ الإنسانُ ويحسُّ به، ولا يُمكنُ أنْ يكون نَظَرُ المعتَبِر المتفكِّر كنَظَرِ الغافل، ولا

/صفحة 125/

يُحتَمل أنْ تكون قراءةُ الخاشع كقراءة العابـث اللاهي، فإنَّ صلاةَ العالِم بمَنْ هو قائم بين يديه، المتأمل في آياته، الطالب للقرب منه جلَّ شأنه، لا تشبه صلاةَ الجاهل الغافل إلا من جهة الصورة الظاهرية، وقـد ورد أنه يقوم الشخصان فيصليان ويؤدِّيان الحركات الظاهريَّة نفسها، ولكنَّ التفاوتَ بين صلاتيهما في الصورة الواقعية والحقيقية لا يُقدَّرُ بقدر، وغنيٌّ عـن البيان، أنَّ الأثرَ إنما يترتَّبُ على خصوص الصورة والتجلي الواقعيَّيْن.

 

هناك نحوان من العلم:

 

    هذا وكنا قد أشرنا من ذي قبل إلى أنه يوجد نحوان من العلم:

النحو الأول: علْمٌ لا يعدو عن كونه حضورَ صورة الشيء المعلوم في الذهن وارتسامها فيه، وتتبع شدَّةُ رسوخها قوةَ المدرَكَات والمقدمات والأدلة التي أثبتتها.

النحو الثاني: وهو علْمٌ أرفع من ذاك النحو، وهو حضور المعلوم نفسه في أفق النفس، بل في الحقيقة لا ينبغي أنْ يُعـدَّ  

/صفحة 126/

النحو الأول شيئاً في قبال النحو الثاني، فإنَّ التفاوتَ بينهما كبيرٌ، وإنَّ المائزَ عظيمُ الخطر والأثر.

والغفلةُ عن المعلوم وبالتالي عمَّا يقتضيه وعمَّا يفرضُهُ من آثار، يمكن أنْ تحصل فيما إذا كان المعلومُ غائباً بنفسه عن النفس، أي فيما إذا كان معلوماً ومدرَكاً بالعلم الحصولي.

نعم؛ لا يلزم عن كون المعلوم حصوليَّاً أنْ تقع الغفلةُ عنه حتماً، بل نعني أنَّ غفلةَ النفس عنه أمْرٌ ممكنٌ، قضاءً لغيابه نفسه عن النفس، والغفلةُ عن الأمر غير الحاضر شيءٌ محتَمَلٌ وممكنٌ فحسب.

وإذا لم تكن الغفلةُ عن المعلوم الحصولي أمراً حتمـياً، بـل كانت أمراً ممكناً ليس إلا، فإنَّ لشدةِ رسوخ الصورة، ولمقـدارِ صفاء ارتسامها، ولنحوِ توجُّه النفس إليها، الأثرَ الأكيد في عدم حتميَّة وقوع غفلة النفس عنها.

 

غفلة النفس عن المعلوم بالعلم الحضوري أمرٌ غير محتَمَل:

 

    ومن حيث إمكان وقوع غفلة النفس عن المعلوم بالعلم

/صفحة 127/

الحصولي، يقع التمايزُ بين العلم الحصولي والعلم الحضوري، لا أقصد أنه لا تمايز بينهما إلا من هذه الحيثيَّة، بل أعني أنَّ ما يتميَّزُ به الحضوري عن الحصولي، هو عدم إمكان وقوع غفلة النفس عن المعلوم بالعلم الحضوري، وهل يمكن أنْ تقع الغفلةُ من الحاضر الملتفِت عن ما هو حاضرٌ عنده ولديه؟!

بل إنَّ نفس الإلتفات إلى أنَّ العلمَ الحضوري هو عبارةٌ عن حضور المعلوم نفسه في أفق النفس، مانِعٌ عن توهُّمِ إمكان حصول الغفلة عنه، فإنَّ حصول غفلة النفس عـن الشـيء الحاضر لديها، خُلْفُ فرْضِ كونه حاضراً موجوداً بنفسه عند النفس.

وإنْ شئت قلت: إنَّ الغفلةَ مرجعها إلى غياب الشيء عن القوة المدرِكة له، وفي العلم الحضوري فإنَّ الشيءَ حاضرٌ بنفسه في أفق النفس، وعليه فلا وجودَ لِمَا يمكن أنْ يتسبَّبَ عنه حصولُ الغفلة، لوضوح أنَّ الغفلةَ عن شيءٍ بعد حضوره بصورته أو بنفسه، لا بُدَّ وأنْ ترجع إلى وجود سبب يحـول بين إدراك النفس والتفاتها فعلاً إليه، وفي العلم الحضوري لا يمكنُ أنْ تغفل النفسُ عن ذاتها وما هو متحقِّقٌ فعلاً فيها

/صفحة 128/

وحاضر لديها.

بينما في العلم الحصولي، فإنَّ المعلومَ لم تكن إلا صورتُهُ حاضرةً، والنفس في مورده تُدرِكُ الصورةَ من خلال مقدماتٍ وأمورٍ خارجة عن ذات النفس، وبالتالي فالواسطةُ بين النفس وبين المعلوم بالعلم الحصولي موجودةٌ، ومن البداهة أنْ تقع الغفلةُ عن الشيء بالغفلة عن الواسطة الخارجة عن حدود النفس وأفقها، وعن حدود ذاتها.

وهذا المعنى الذي ذكرناه وإنْ كان لا يخلو عن تشويش، غير أنَّ العذر لنا هو أننا في مقام توضيح أمْرٍ بديهي، وقد قيل إنَّ أشكلَ المشكلات توضيحُ البديهيات.

وَلْيُعْلَم أننا لا نريد إلا توضيح الصورة وتقريب الفكرة فحسب، فلا يظنُ ظانٌّ أنَّ العبارات التي ذكرناها عبـارات علميَّة، لذا فلا وجه للإشكال علينا من هذه الجهة، فلا تغفل.

 

العلمُ الحضوري لا يلزمُ عنه سلْبُ الاختيار:

 

    وإذا كان ذاك النحو من العلم الحضوري عظيمَ الشأن والخطر، وكان ممَّا يستحقُّهُ شخصٌ ما، فإنه لا محالة سيكون

/صفحة 129/

من المولى الكريم تعالى التفضُّلُ به عليه، وبالتالي فسيكون عند الشخص المتفضَّل عليه، ما يمنعُهُ عن إرادة خلاف ما عَلِمَه.

لا أقصد أنه مجبَرٌ على إرادة ما ينسجم مع ما هو المعلوم لديه، بل أقصد أنَّ ما عنده من علْمٍ، لا يمكن أنْ يجتمع مع وقوع ما يخالِفُهُ، فضلاً عن إرادته لذلك فعلاً، وإنْ كان قادراً متمكِّناً من إرادة ما يخالفه في مرتبة ذات الفعل.

وكمثالٍ للتوضيح فحسب نقول: إنَّ النفس المدرِكة للجوع، لا يمكن أنْ تريد الشرب وأنْ تطلبه حال إدراكها لخصوص الجـوع، وهي ـ حال استحالة إرادتها لغير ما أدركته ـ قادرةٌ جداً عليه، فهي لا يمكن أنْ تريد إلا الأكل، وإنْ كانت قادرةً جداً على الشرب نفسه.

فإرادةُ النفس لا يمكن أنْ تتخلَّف عن ما يفرضُهُ الشيءُ الحاضر في أفقها، لهذا فإنَّ تخلُّفَ الإرادة عن الجريان على مقتضى العلم الحضوري أمْرٌ مستحيل، لاستحالة تخلُّلِ المانع بيـن النفس وبين ما هو حاضر في النفس، وحيث لا مانع فلا محالة ستريد النفس ما يقتضيه ما هي مدرِكةٌ له، وما هو

/صفحة 130/

حاضرٌ عندها.

وإذا كان الأمرُ الحاضر في النفس يدعو إلى الطاعة، فإنَّ النفسَ لا يمكن أنْ تريد غيرَ الطاعة، لأنها لا تتحرَّكُ إلا عن ما هي مدرِكةٌ له، والمفروض أنها مدرِكةٌ بالعلم الحضوري لِمَا يدعو إلى الطاعة فقط.

وإلا فإنَّ ترتُّبَ العصيان من النفس من خلال إدراكها لِمَا يدعو إلى الطاعة، ومن خلال حضور ما يدعو إلى الطاعة، أمْرٌ مستحيل بلا شبهة.

وإذا كان من آثار العلم الحضوري استحالةُ وامتناعُ وقوع مخالفة ما يفرضُهُ وما يقتضيه، فلنا أنْ ندَّعي بأنَّ استحالة وقوع المعصية من المعصوم ترجع إلى وجود نحوٍ من العلم الخاص، وهو عِلْمٌ حضوري يقضي ويدعو إلى الطاعة فقط.

 

إختصاص بعض الخلق بالعلم الحضوري:

 

    نعم يبقى السؤال المهم وهو: لماذا يمُنُّ الله تعالى على شخص بعينه بذاك النحو من العلم، ولا يهبه لشخص آخر؟

فنجيب: إنَّ المولى تعالى الكريم، المتفضِّل، المجيب،

/صفحة 131/

الوهَّاب، المعطي، قد أوجب على نفسه أنْ يعطي كلَّ موجود ما يستحقُّه وما يطلبه ويسعى إليه، وقد أشار في كتابه العزيز إلى هذه القاعدة الحتميَّة، فقال عزَّ وجل: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}(1).

وبعد تفاوتِ البشر في شأن انقيادهم واتِّباعهم للحق، فكان من البداهة أنْ يتفاوت نوعُ وكمُّ ونحوُ العلم المعطَى لهم، تبعاً لتفاوت ما أشرنا إليه.

ومن الظلم بمكان أنْ يُعطى مَنْ يطلب الكمال الروحي ويسعى إلى نيل مراتب السعادة الأخرويَّة، ما يُعطاه مَنْ يسعى وراء إرضاء نفسه الأمَّارة، ومَنْ يجِدُّ في ركوب الشهوات الحيوانيَّة، بحيث يُسوىَ المولى سبحانه بين الفريقين في كميَّة وماهية ما يُعطيه لهما.

وكذا من الظلم بمكان، أنْ يُعطى لطالبِ الترقِّي في مدارج الكمال ما يُعطى لطالبِ الخلود إلى الأرض، فـذاك يطلبُ الكمالَ الروحي ويسعى في العروج المعنوي، وهذا يطلبُ دارَ

ـــــــــــــــ

(1) سورة الليل الآيات 5 ـ 10.

/صفحة 132/

الغرور والبقاء في الحضيض، والفرقُ بينهما فارقٌ بينهما، قاضٍ بالتمايز، فلا بُدَّ من التمييز ببداهة العقل.

وحاشا للحقِّ المطلق سبحانه، أنْ يعبث بإعطاء زيد نحواً ومرتبة من العلم الخاص، مع علْمِه بعدم وجود إرادة ونيَّة لديه للعمل على مقتضاه.

وحرمانُ طالب الترقِّي في مدارج الكمال، نحوُ ظلْمٍ له، وخلافُ الوعد الإلهي، جلَّ ربي عن الظلم، وإعطاءُ الثاني محضُ لغوٍ وعبث، بل لا جَرَمَ أنْ يتفضَّل سبحانه على الأول، وقـد حَرَمَ الثاني نفسَه بسوء اختياره بعد إيجاده المـانع  المُتمثِّل بمـا طلَبَه وأراده مـن معصية، وقـد ارتكب ما يجعـل أمْرَ إعطائه أمراً لغوياً عبثياً، وتنزَّه الحكيم سبحانه عن اللغوية.

إذن، فهو تعالى وإنْ مَنَّ على جميع عالَم الإمكان بنعمة الوجود، غايته أنَّ زيداً اختار الهدى فكان لا محالة أنْ هيَّأ الكريم سبحانه له الأسباب، بما يتناسب مع مقدار سعيه وجهده، وبما يتوافق مع طموحه وعلو هِمَّته {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}(1)، بينما اختار عمرو الضلالة،

ـــــــــــــــ

(1) سورة محمد (صلى الله عليه وآله) الآية 17.

/صفحة 133/

فحذَّره تعالى ورغَّبه وخوَّفه، لكنه لسوء اختياره أبى واستكبر، فأبقاه الحكيم جاهلاً، فازداد قلبُهُ عمىً وغفلةً، {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}(1).

 

تفاوت العزائم والهِمم بين بني البشر:

 

    ثم إنَّ طالبي الحق والهداية والقرب منه تعالى، قد تفاوتت هِمَمُهُم وعزائمُهُم، وفي المقابل فليس الكمالُ مرتبةً واحدة.

ومن الواضح أنَّ كلَّ مرتبةٍ منه تحتاجُ لنحوٍ من الإستعداد الخاص، وأنَّ لكلِّ مطمَعٍ إرادةً ونيَّة خاصتين، فضلاً عن أنَّ العلمَ المطلوب تحققه ممَّا له الأثر المهم في ذلك، وليس من المعقول أنْ يُزوَّدَ طالبُ المرتبة العالية ما يُزوَّدُ به طالبُ المرتبة الأدنى، وليس من الحكمة أنْ يتفضَّل سبحانه على مَنْ لا يحتاجُ لنحوٍ من العلم الخاص كما يتفضَّل به على مَنْ يحتاجُهُ، ولا نتصوَّر أنَّ حال مَنْ تعلَّقت هِمَّتُهُ بنيل الدرجة القصوى والمرتبة العليا، سيكون كحال غيره ممَّنْ ليس كذلك.

واعتبر بالمَلِك العاقل الذي يمتحن مواليه، فإنه إذا كان

ـــــــــــــــ

(1) سورة الصف الآية 5.

/صفحة 134/

يعلم بأنَّ في مواليه مَنْ هو صادقٌ مخلِصٌ ظاهراً وباطناً، فلا محالة سيدعوه ذلك إلى تقريبه منه، وتأييده إياه، وسيضعه في موضع يُميِّزُه عن غيره ويمتاز هو به، وسيجعل له من الزلفى ما يغبطُهُ أو يحسِدُهُ غيرُهُ عليه.

وإنَّ من العدل بل ومنتهى العدل، أنْ لا يتعامل معه كما يتعامل مع غيره من أبناء مملكته، بل قضاءً للملكات التي عنده، سيخصُّهُ بما يستطيعُ معه تجسيدَ وتحقيقَ ما تعلَّقت إرادتُهُ بتحقيقه، ولا يكون تخصيصُهُ إلا تخصيصاً إستحقاقيَّاً.

هذا وقد لبَّى النداءَ الإلهي أشخاصٌ، ولمَّا يُفكر الآخرون بالتلبية ـ أنا أول مَنْ شهد لله بالربوبيَّة ـ ورغب بعضٌ عن دار الغرور وعن الرفعة فـي دار الممرِّ والفناء، واختار آخرون الباطل والزائل الفاني، والخلود إلى الحضيض.

ومِنْ بين مَن اختار ما عند الله تعالى، كان هناك أشخاصٌ قد اختاروا ما عنده تعالى في الله، وكان هناك مَن اختار مرتبـةَ قاب قوسين أو أدنى، ومنهم مَن اختار مرتبة أدنى، وهكذا.

وبالجملة فما طلبه الصفوة وأرادوه واختاروه، يحتاج إلى أسباب تساعدهم على تحقيق ذلك، فإنَّ إعمالَ القدرة

/صفحة 135/

والإرادة غيرُ كاف من دون وجود تمام المقتضيات والأسباب.

إذن فما يتفضَّل به سبحانه على الصفوة من الخلق، يرجع إلى نحو استحقاق لهم لذلك، حيث إنَّ اختيارهم وطَلَبَهم وإرادتهم لبلوغ الكمال، كان تامَّ الإقتضاء من جهتهم، فاستحقوا لخلوص النيَّة أنْ يُعطوا ما يتوصَّلون به إلى تحصيل الكمال الذي يطلبونه.

 

الجائزة الخاصة بعد العلم:

 

    وبما أنه تعالى قد علم من أولئك الصفوة الوفاء لِمَا شرطه عليهم ولِمَا أخذوه من عهد على أنفسهم، فلا غرو أنْ يُمنحوا الجائزة قبل تحقُّق العمل الفعلي منهم، فإنَّ عِلْمَه تعالى بعدم تخلُّفهم وبعدم مخالفتهم، يكفي لاستحقاقهم ذاك التفضُّل الخاص، ويقضي بتميُّزهم وتمايُزهم.

 

العلم الخاص لا أثر له في أصل العصمة:

 

    نعم، إنَّ المعصومين قد عصموا أنفسهم باختيارهم وبإرادتهم التامة الكاملة، فهم اختاروا الطاعة وأرادوا الإنقياد

/صفحة 136/

التام، سواء علموا بنحو اليقين الحقيقي عواقب المعصية أم لم يعلموا، وسواء وقفوا على حقائق الأمور بما آتاهم الله تعالى من علْمٍ خاص أم لم يقفوا، ولهذا فلم تكن عصمتُهُم ناشئةً عن وجود نحو علْمٍ خاص لديهم، بل عصمتُهُم ناشئةٌ عن محض كونهم مريدين للإنقيادِ والسيرِ وفقَ مرضاته تعالى، فهم أحبُّوا الله تعالى فأحبَّهم، ولمَّا أنْ أخلصوا في حبِّهم استحقُّوا ذاك العلمَ، والذي من آثاره أنْ يستحيلَ صدورُ المعصية منهم.

وبعبارة أخرى: إنَّ العلم الخاص الذي يستحيلُ معه صدورُ المعصية منهم (عليهم السلام)، لا دخالةَ له ولا أثر في تحقُّق الإرادة التامة أبداً لديهم في أصل الإنقياد والتلبُّس بالطاعة في جميع الأمور، وإنما له أثرٌ بالنسبة لغيرهم من جهة التصديق من الآخرين باستحالة صدور المعصية منهم.

فهم معصومون بمحض إرادتهم واختيارهم، إذ لا إرادة عندهم إلا في أنْ يطيعوا، ولكن المولى سبحانه حيث اختارهم للرسالة، ولم يكن يكفي ذلك في مقام إقامة الحُجَّة بهم على الخلق، فاحتاج الأمرُ إلى أنْ يتفضَّل تعالى عليهم

/صفحة 137/

بعلمٍ خاص، يكون من آثاره أنْ يحصل من الناس التصديقُ باستحالة تلبُّسِهم بغير الطاعة.

وإذا كان ذاك العلمُ الخاص متأخِّراً عن اختيارهم وإرادتهم، أي لمَّا أنْ كان اختيارُهُم ـ وإرادتهم للمرتبة التي يحتاجون معها إلى ذلك العلم الذي دعا المولى تعالى إلى أن يتفضَّل عليهم به، والذي من آثاره استحالة وقوع المعصية منهم ـ سبباً أساسياً في حصولهم على ذلك العلم، فعليه لا تكون عصمتُهُم إلا عصمةً بالاختيار.

إذن لا يكون للعلم الخاص أيُّ أثرٍ في أصل عصمتهم  حتى يقال: إذا كان الأمر كذلك، فإنَّ إعطاءهم العلم بمثابة جعْلِهم معصومين، غاية الفرق أنه تارة نقول بأنهم معصومون لأنَّ الله تعالى مباشرةً عصمهم، وأخري نقول بأنهم معصومـون لأنَّ الله تعالى أعطاهم العلم العاصم.

ثم إنه لو قلنا بأنَّ للعلم الخاص أثراً في أصل عصمتهم، غير أنَّ ذلك لا يكون بمثابة جَعْلِهم معصومين، لأنَّ إعطاءهم ذلك كان بتوسُّطِ اختيارهم وإرادتهم، إذ لولا اختيارهم لَمَا أعطاهم سبحانه، فيرجع الأمر إلى الاختيار على كل حال.

/صفحة 138/

    إنْ قيل: لكنهم لم يأتوا بما يستحقُّون معه ذلك.

    قلنا: أولاً: بلى، إنَّ نفسَ إرادتهم واختيارهم هو بمنزلة الإتيان فعلاً، وقد علِمَ الله تعالى الوفاء منهم على جميع التقادير، لجهة عدم وجود أيِّ قصور ـ فضلاً عن التقصير والعياذ بالله ـ في إرادتهم وعزيمتهم ونيَّاتهم.

وثانياً: قد أعطوا العهد الصادق في عالَم الذر، وإنَّ التلبيةَ قد تمَّت فعلاً، فكان رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) أولَ مَنْ لبَّى، لذا كان أولَ المسلمين والمؤمنين، فاستحقَّ التقديم لتقدُّمِه (صلى الله عليه وآله) بنفسه، فهو أول المسلمين في الحقيقة والواقع، وإنْ كان آخرَ مَنْ بُعِث في هذه النشأة الدنيا.

فنخلص بنتيجة حاصلها: أنه لا مجال لأنْ يقال لماذا عصم الله فلاناً دون فلان؟ فإنه تعالى لم يعصمهم لمجرد أنه تعالى أراد ذلك، وإنما عصمهم لإرادتهم واختيارهم العصمة.

ولا معنى أيضاً لأنْ يقال: لماذا أعطى الله تعالى المعصوميـن علماً خاصاً ولم يُعطِ غيرهم؟

لأنك عرفت أنه تعالى إنما يُعطي لوجود القابِل أولاً، ولخلو المانع ثانياً، وهم (عليهم السلام) لأنهم طلبوا ذاك العلم ولم يطلبه غيرهم،

/صفحة 139/

وأرادوا واختاروا طريقاً وسبيلاً يحتاجون معه لذاك العلم الخاص، ولكنَّ غير المعصومين لم يختاروا ما يحتاجون معه إليه، فضلاً عن أنهم لم يختاروا الطاعة على كل حال، هذا مضافاً إلى أنَّ قصورَ هِمَّتِهم، وضعفَ عزائمهم، يُمثِّلُ مانعاً عـن وقوع التفضُّل عليهم.

وقد قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لاَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}(1)، وهذه الآية تكفي لكلٍّ متأمِّلٍ، معتَبِرٍ، ناظر.

 

العلم الخاص أُعطيَ للمعصومين بالاستحقاق:

 

    وإذا ما تأملت قوله تعالى في حق الصدِّيق يوسف (عليه السلام) وفي حقِّ كليمه موسى (عليه السلام) {وَلمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}(2)، فإنك تهتدى إلى الدليل علـى صحة ما أشرنا إليه، من رجوع تخصيص المعصوم

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال الآية 22 ـ 23.

(2) سورة يوسف الآية 22 ـ سورة القصص الآية 14.