|
قال السيد محمد حسين فضل الله في تفسيره: ويهدأ الحوار ريثما يتدخل جماعة آخرون، وهم أهل الأعراف الذين اختلفت أقوال المفسرين فيهم، وأبرز ما ورد فيهم قولان، القول الأول: إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تترجَّح حسناتهم حتى يدخلوا الجنة، ولا غلبت سيئاتهم حتى يؤمروا بدخول النار، فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف لكونها درجة متوسطة بين الجنة والنار، ثم يدخلهم الجنة برحمته.
القول الثاني: إنهم رجال من أهل المنزلة والكرامة مع اختلافٍ في تحديد شخصيتهم، بين مَن يقول: إنهم الأنبياء، ومن يقول إنهم الشهداء على الأعمال، والعلماء والفقهاء.
وقد يكون في الكثير من هذا الاختلاف لونٌ من ألوان الاجتهاد الذاتي في التفسير، وربما استند بعضهم إلى بعض الروايات الواردة عن الصحابة والأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، ولكننا لا نجد كبير فائدة في تحقيق هذا الأمر، لأنَّ ذلك لا يتعلق بالأجواء العامة للآيات.
ثم قال: وربما كان القول الأول أقرب إلى سياق الآية، لا سيما بملاحظة الآية الثانية {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ}.... إنَّ ذلك كله يُقرِّب الوجه الأول في شخصية أصحاب الأعراف، وتفسير الفقرة المتقدمة في الآية الثانية(1).
أقول: لا يخفى أنَّ للمعرفة أصولاً عقلائيَّة، جري دَيْدَن العقلاء على ذم من يزيغ عنها.
وكذا فإنَّ لتحصيل العلم طرقاً وأساليب بعضها متعارَف، وبعضها الآخر خرج عن كونه متعارفاً، لتضمُّنه قواعدَ وأُسُسَ يجهلها ما عدا الأوحدي من الأذكياء.
بل إنَّ بعض العلوم لا تكاد تُكتسَب وتُحصَّل إلا عن طريق تصفية النفس العاقلة وتزكية قواها المدركة، فتنفتح أبوابُ المعارفِ الإلهيَّة والأسرارِ الربانيَّة، فتبتهج الروح بما تُدرِكه من الحقائق والمعارف الصافية، والتي لا يشوبها ضعفٌ في دليل أو قياس، ولا يعرض عليها تبدُّلٌ وتغيير، لأن الحقيقة إذا ما أُدركت فقد أدركت، وإلا فسرابٌ بِقيعة، وصورةُ برهانٍ، ورسمُ حُجَّةٍ وبيان.
وقد اجتمعت كلمة العقلاء على حجية العلم والاطمئنان، وأنَّ كلَّ ما لا يفيد العلم لا اعتبار به ولا اعتداد.
والشارعُ الأقدس قد أرشد في كثير من تعاليمه إلى صحة مسلك العقلاء، وذمَّ ـ كما العقلاء ـ اتِّباعَ الظنِّ واقتفاءَ أثره، فإنَّ الخطأَ وعدمَ الإصابة لا ينفكان في بعض الموارد على أقل تقدير عن الظن.
والسِمة وهي العلامة، من جملة تلك الأمور التي يصيب متَّبِعُها تارة ويخطأ تارة أخري، اللهم إلا إذا كانت علامةً قطعيَّة وهذا لا كلام لنا فيه.
نعم قد رخص الشارع الأقدس في ترتيب بعض الآثار على بعض العلائم وإن أفادت الظن نوعاً، لغرض تماميَّة أمر المعاش، ولأنه يلزم عن إيجاب الشارع لتحصيل العلم في تلك الموارد تعطيل كثير من الأمور المهمة تارة، ولإيجابه العسر والحرج تارة أخري، ولهذا تفصيلٌ لا يتوقف ما نحن بصدد بيانه على بيانه.
ولكنَّ الأمر في عالم الآخرة عالم الشهود والحساب، في ذاك العالم والذي تلتغي فيه الحاجةُ إلى اتِّباع بعض الأمور الظنيَّة، يختلف الأمر تماماً، وتختلف المقاييس والتي كان بعضها محتاجَاً إليها في عالم الدنيا.
فالمعرفة هناك لا يشوبها أيُّ نحو من أنحاء الجهل، وإطلاقُ وصف العارف على شخص في ذاك العالَم لا يشبه إطلاقه عليه في هذا العالَم، وإن كنا نعتقد في بعض الأولياء، أنَّ الأمر عندهم لعلَّه سواء.
نعم لا نتحدث عن سادة الخلق سيدنا محمد وآله البررة (عليهم السلام)، فإنهم العارفون العالِمون الحقيقيون، وفي جميع العوالِم وفي تمام المراتب.
ولكن لا يحتمل أيُّ عاقل أنَّ الشخص الذي ليس بذي شأن عند ربه، أن يهبه الله تعالى كرامةَ معرفة الناس بسيماهم، بل هذه درجةٌ لا تُورِث العلمَ الحقيقي إلا لسادة البشر سيدنا محمد وأهل بيته الأبرار ومَن اتَّبعهم من الأنبياء (عليهم السلام)، وإن كان التفاضلُ واقعاً بينهم، والسبقُ لساداتنا والدرجةُ الأكمل لهم (عليهم السلام).
وإذا ما كان الشخص في هذه الحياة الدنيا قاصراً على التعرُّفِ على أعيان الناس وخَبْرِ معادنهم من خلال سيماهم، فلهو أضعفُ في تلك الدار عن تحصيل المعرفة والعلم بتوسط ما يجهله.
نعم مَن كان في هذه النشأة الدنيا يملك ذلك، فهو في تلك النشأة أقوي وأشد، وأبداً دائماً فإنَّ سيدنا محمد وآله الأطهار (عليهم السلام)، غيرُ مشمولين لمثل هذه القواعد، فإنهم لا يُقاس بهم أحد، فإنهم المالِكون العالِمون العارفون وفي جميع العوالِم وفي تمام النشآت، والمحيطون بكلِّ ما يُمكن أن يحيط به أحدٌ من الخلق، إحاطة كليَّةً تامَّة.
هذا وقد كنا أشرنا من ذي قبل، بأنَّ ألفاظ الكتاب المبين لا تحمل في طيَّاتها أيَّ نحو من أنحاء التسامح فيما يكون من شأنه وقوع التسامح فيه.
فقوله سبحانه {يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ} معناه أنهم كذلك، بما لمعنى المعرفة من الشموليَّة والدقَّة، فافهم جيداً.
أفهل تظن أيها العاقلُ بأنَّ القوم الذين استوت حسناتُهم مع سيئاتِهم هم ذووا محل وكرامة وشأن عند الله تعالى، وفي تلك المواقف والمشاهد مع ما فيها من هول وخوف؟!!
قال السيد محمد حسين فضل الله على ما سبق نقله: «ولكننا لا نجد كبير فائدة في تحقيق هذا الأمر، لأن ذلك لا يتعلق بالأجواء العامة للآيات».
أقول: لو سلمنا جدلاً بأنَّ التحقيق في مَن هم أصحاب الأعراف لا يرتبط بالأجواء العامة للآيات، غير أنَّ التحقيق فيه من جهة ما ورد عن أئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام)، وأنهم هم أصحاب الأعراف ينفع من جهتين:
الجهة الأولى: أن يُدرِك الجاهل أو الغافل مدي صحة ما يستفيده من معنى الآيات، فإنه مع وجود رواياتٍ موثوقٍ بها من طريق أئمة الهدي (عليهم السلام) تُبيِّنُ بأنَّ المقصودَ من أصحاب الأعراف مغايرٌ لما فهمه بعقله القاصر، فإنَّ ذلك يدعوه إلى الترك والإعراض عن تصويب ما احتمله أو إلى عدم استقرابه ما قرَّبه، اللهم إلا إذا كان لا يعتقد بأئمتنا ما نعتقده نحن الإماميين، وهذا نسلك معه مسلكاً آخر في مناقشته.
الجهة الثانية: أنَّ ذلك يقوده إلى الإعلان بذكر فضيلة لآل محمد (عليهم السلام)، ويا لها من مكرمة.
ومن العجيب أنَّ السيد محمد حسين فضل الله قد كتب صفحة كاملة في مقام تحقيق وترجيح وتحديد مَن هم أصحاب الأعراف، مع أنه يقول: بأنَّ ذلك مما لا يتعلق بالأجواء العامة للآيات؟!
وبعد كرٍّ وكر، رأيناه يقول: ـ وقد تقدم نقله ـ «وربما كان القول الأول أقرب إلى سياق الآية»، مع أنَّ الأخبار الواردة عن أئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام) وأنهم أصحاب الأعراف، تفوق العدَّ والإحصاء؟!!
ومهما يكن فقد قال الشيخ الصدوق في الاعتقادات: إعتقادنا في الأعراف أنه سور بين الجنة والنار، عليه رجالٌ يعرفون كلاً بسيماهم، والرجالُ هم النبي (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه (عليهم السلام)، لا يدخل الجنة إلا مَن عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا مَن أنكرهم وأنكروه.
وأخرج الصفار في البصائر والكليني في الكافي بإسنادهما عن مقرن قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: جاء ابن الكوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ}؟ فقال: نحن الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الأعراف الذي لا يُعرَف الله عزَّ وجل إلا بسبيل معرفتنا...(الحديث).
وأخرج الصفار بإسناده عن الهلقام، وبإسناده عن سعد بن طريف، وبإسناده عن بريد العجلي، وبإسناده سعد بن سعد عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزَّ وجل {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ} قال نحن أولئك الرجال الأئمة منا، وفي لفظ ثان قال: هم أكرم الخلق على الله، وفي لفظ ثالث قال: هم الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله)،وفي لفظ رابع قال: الأئمة منَّا أهل البيت (عليهم السلام).
وبإسناده عن إسحق بن عمار، وبإسناده عن أبي بصير، وبإسنادهما عن غيرهما عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزَّ وجل {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ} قال: هم الأئمة، وفي لفظ ثان قال: نحن أصحابُ الأعراف.
وأخرج الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي ’ قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بالكوفة فقال:.... ونحن أصحابُ الأعراف.
وأخرج ابن عياش الجوهري في مقتضب الأثر بإسناده عن أبان بن عمر قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه سفيان بن مصعب العبدي فقال: جعلني الله فداك ما تقول في قوله تعالى ذكره {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ}؟ قال: هم الأوصياء من آل محمد (عليهم السلام) الإثني عشر، لا يَعرِفُ الله إلا مَن عرفهم وعرفوه.
وأخرج الخزاز القمي في كفاية الأثر بإسناده عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال سمعت فاطمة (عليها السلام) تقول: سألت أبي (عليهما السلام) عن قول الله تبارك وتعالى {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ} قال: هم الأئمة بعدي عليٌّ (عليه السلام) وسبطاي وتسعة من صلب الحسين (عليهم السلام)، هم أصحابُ الأعراف، لا يدخل الجنة إلا مَن عرفهم ويعرفونه، ولا يدخل النار إلا مَن أنكرهم وينكرونه، لا يُعرَف الله إلا بسبيل معرفتهم، وورد الكثير فراجع(2).
ومن مصادر أبناء السُّنة، قال القندوزي في ينابيع المودة: وقد ثبت عند علماء الطريقة ومشايخ الحقيقة بالنقل الصحيح والكشف الصريح، أنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قام على المنبر بالكوفة وهو يخطب فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بديع السموات والارض وفاطرها.....أنا رجال الأعراف.
وقال السيوطي في الدر المنثور: وأخرج أحمد في الزهد عن قتادة قال سالم مولى أبي حذيفة وددت أني بمنزلة أصحاب الأعراف.
أقول: أَوَ تظن بأن سالم مولى الصحابي أبي حذيفة، كان ليتمنى أن يكون ممَن استوت حسناته مع سيئاته؟!
وأخرج محمد بن سليمان الكوفي في المناقب والحاكم الحسكاني في الشواهد بإسنادهما عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ} قال: الأعراف موضع عال من الصراط عليه العباس وحمزة وعليٌّ (عليه السلام) وجعفر، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه، ومبغضيهم بسواد الوجوه.
وقال القرطبي في تفسيره: وأخرج الثعلبي بإسناده عن ابن عباس، ثم ذكر الخبر الذي أخرجه الحسكاني ومحمد بن سليمان الكوفي.
وأخرج الحاكم الحسكاني أيضاً بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت جالسا عند علي فأتاه عبد الله بن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول الله {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ}فقال: ويحك يا ابن الكواء نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار، فمَن ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة، ومَن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار(3).
وأخيراً، أَفلا يستوقفك جداً ما سلكه السيد محمد حسين في تفسير هذه الآية؟!!
------------------------------------------------------
(1) من وحي القرآن ج10 ص 132
(2) بحار الأنوار ج 8 ص 331 إلى 339 وج 42 ص250 إلى 255 وج 35 ص 46 وج 36 ص351 وج 42 ص17وج 66 ص 268 وج 108 ص 115، الاعتقادات للشيخ الصدوق ص 70، الاحتجاج ج 1 ص 338، الخرائج والجرائح ج 1 ص 177، مناقب آل ابي طالب ج 2ص 299 وج 3 ص31، الصراط المستقيم ج 1 ص 295 وج 2 ص 122، الغدير ج 2 ص 295، ج 2 ص 325، بشارة المصطفى ص 34، تفسير العياشي ج 2 ص 17، تفسير القمي ج1 ص 231، تفسير فرات ص 142، تفسير التبيان ج 4 ص411، تفسير مجمع البيان ج 4 ص 261، تأويل الآيات ج1ص 176، التفسير الصافي ج 2ص 198، تفسير نور الثقلين ج 2 ص 32، بصائر الدرجات ص 515إلى517 وص 519 إلى520، الكافي ج 1 ص184، معاني الأخبار ص 58، الأمالي للشيخ المفيد ص213، كفاية الأثر ص 194، مختصر بصائر الدرجات ص 50 إلى 51، معاني الأخبار ص 58 - 59، مقتضب الأثر ص 48، مناقب آل ابي طالب ج 3 ص 31،
(3)من مصادر أبناء السُّنة: ينابيع المودة ج 1 ص 303 ج 2 ص 453 وج 3 ص 205 ـ 207، الدر المنثور ج 3 ص 89، شواهد التنزيل ج 1 ص 263، مناقب أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان الزيدى المذهب ج 1 ص 158، تفسير القرطبي ج 7 ص 212، فتح القدير ج 2 ص 207- 208
|