الآية الثامنة عشر قوله تعالى {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً ‏بِسِيمَاهُمْ} سورة الأعراف الآية 46‏

     

 
قال السيد محمد حسين فضل الله في تفسيره: ويهدأ الحوار ريثما يتدخل جماعة آخرون، ‏وهم أهل الأعراف الذين اختلفت أقوال المفسرين فيهم، وأبرز ما ورد فيهم قولان، القول الأول: ‏إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تترجَّح حسناتهم حتى يدخلوا الجنة، ولا غلبت سيئاتهم ‏حتى يؤمروا بدخول النار، فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف لكونها درجة متوسطة بين الجنة ‏والنار، ثم يدخلهم الجنة برحمته.‏
القول الثاني: إنهم رجال من أهل المنزلة والكرامة مع اختلافٍ في تحديد شخصيتهم، بين ‏مَن يقول: إنهم الأنبياء، ومن يقول إنهم الشهداء على الأعمال، والعلماء والفقهاء.‏
وقد يكون في الكثير من هذا الاختلاف لونٌ من ألوان الاجتهاد الذاتي في التفسير، وربما ‏استند بعضهم إلى بعض الروايات الواردة عن الصحابة والأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، ‏ولكننا لا نجد كبير فائدة في تحقيق هذا الأمر، لأنَّ ذلك لا يتعلق بالأجواء العامة للآيات.‏
ثم قال: وربما كان القول الأول أقرب إلى سياق الآية، لا سيما بملاحظة الآية الثانية {وَإِذَا ‏صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ}.... إنَّ ذلك كله يُقرِّب الوجه الأول في شخصية أصحاب ‏الأعراف، وتفسير الفقرة المتقدمة في الآية الثانية(1).‏
أقول: لا يخفى أنَّ للمعرفة أصولاً عقلائيَّة، جري دَيْدَن العقلاء على ذم من يزيغ عنها.‏
وكذا فإنَّ لتحصيل العلم طرقاً وأساليب بعضها متعارَف، وبعضها الآخر خرج عن كونه ‏متعارفاً، لتضمُّنه قواعدَ وأُسُسَ يجهلها ما عدا الأوحدي من الأذكياء.‏
بل إنَّ بعض العلوم لا تكاد تُكتسَب وتُحصَّل إلا عن طريق تصفية النفس العاقلة وتزكية ‏قواها المدركة، فتنفتح أبوابُ المعارفِ الإلهيَّة والأسرارِ الربانيَّة، فتبتهج الروح بما تُدرِكه من ‏الحقائق والمعارف الصافية، والتي لا يشوبها ضعفٌ في دليل أو قياس، ولا يعرض عليها تبدُّلٌ ‏وتغيير، لأن الحقيقة إذا ما أُدركت فقد أدركت، وإلا فسرابٌ بِقيعة، وصورةُ برهانٍ، ورسمُ حُجَّةٍ ‏وبيان.‏
وقد اجتمعت كلمة العقلاء على حجية العلم والاطمئنان، وأنَّ كلَّ ما لا يفيد العلم لا اعتبار ‏به ولا اعتداد.‏
والشارعُ الأقدس قد أرشد في كثير من تعاليمه إلى صحة مسلك العقلاء، وذمَّ ـ كما ‏العقلاء ـ اتِّباعَ الظنِّ واقتفاءَ أثره، فإنَّ الخطأَ وعدمَ الإصابة لا ينفكان في بعض الموارد على أقل ‏تقدير عن الظن.‏
والسِمة وهي العلامة، من جملة تلك الأمور التي يصيب متَّبِعُها تارة ويخطأ تارة أخري، ‏اللهم إلا إذا كانت علامةً قطعيَّة وهذا لا كلام لنا فيه.‏
نعم قد رخص الشارع الأقدس في ترتيب بعض الآثار على بعض العلائم وإن أفادت الظن ‏نوعاً، لغرض تماميَّة أمر المعاش، ولأنه يلزم عن إيجاب الشارع لتحصيل العلم في تلك الموارد ‏تعطيل كثير من الأمور المهمة تارة، ولإيجابه العسر والحرج تارة أخري، ولهذا تفصيلٌ لا يتوقف ‏ما نحن بصدد بيانه على بيانه.‏
ولكنَّ الأمر في عالم الآخرة عالم الشهود والحساب، في ذاك العالم والذي تلتغي فيه ‏الحاجةُ إلى اتِّباع بعض الأمور الظنيَّة، يختلف الأمر تماماً، وتختلف المقاييس والتي كان بعضها ‏محتاجَاً إليها في عالم الدنيا.‏
فالمعرفة هناك لا يشوبها أيُّ نحو من أنحاء الجهل، وإطلاقُ وصف العارف على شخص ‏في ذاك العالَم لا يشبه إطلاقه عليه في هذا العالَم، وإن كنا نعتقد في بعض الأولياء، أنَّ الأمر ‏عندهم لعلَّه سواء.‏
نعم لا نتحدث عن سادة الخلق سيدنا محمد وآله البررة (عليهم السلام)، فإنهم العارفون ‏العالِمون الحقيقيون، وفي جميع العوالِم وفي تمام المراتب.‏
ولكن لا يحتمل أيُّ عاقل أنَّ الشخص الذي ليس بذي شأن عند ربه، أن يهبه الله تعالى ‏كرامةَ معرفة الناس بسيماهم، بل هذه درجةٌ لا تُورِث العلمَ الحقيقي إلا لسادة البشر سيدنا محمد ‏وأهل بيته الأبرار ومَن اتَّبعهم من الأنبياء (عليهم السلام)، وإن كان التفاضلُ واقعاً بينهم، والسبقُ ‏لساداتنا والدرجةُ الأكمل لهم (عليهم السلام).‏
وإذا ما كان الشخص في هذه الحياة الدنيا قاصراً على التعرُّفِ على أعيان الناس وخَبْرِ ‏معادنهم من خلال سيماهم، فلهو أضعفُ في تلك الدار عن تحصيل المعرفة والعلم بتوسط ما ‏يجهله.‏
نعم مَن كان في هذه النشأة الدنيا يملك ذلك، فهو في تلك النشأة أقوي وأشد، وأبداً دائماً ‏فإنَّ سيدنا محمد وآله الأطهار (عليهم السلام)، غيرُ مشمولين لمثل هذه القواعد، فإنهم لا يُقاس بهم ‏أحد، فإنهم المالِكون العالِمون العارفون وفي جميع العوالِم وفي تمام النشآت، والمحيطون بكلِّ ما ‏يُمكن أن يحيط به أحدٌ من الخلق، إحاطة كليَّةً تامَّة.‏
هذا وقد كنا أشرنا من ذي قبل، بأنَّ ألفاظ الكتاب المبين لا تحمل في طيَّاتها أيَّ نحو من ‏أنحاء التسامح فيما يكون من شأنه وقوع التسامح فيه.‏
فقوله سبحانه {يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ} معناه أنهم كذلك، بما لمعنى المعرفة من الشموليَّة ‏والدقَّة، فافهم جيداً.‏
أفهل تظن أيها العاقلُ بأنَّ القوم الذين استوت حسناتُهم مع سيئاتِهم هم ذووا محل وكرامة ‏وشأن عند الله تعالى، وفي تلك المواقف والمشاهد مع ما فيها من هول وخوف؟!!‏
قال السيد محمد حسين فضل الله على ما سبق نقله: «ولكننا لا نجد كبير فائدة في تحقيق ‏هذا الأمر، لأن ذلك لا يتعلق بالأجواء العامة للآيات».‏
أقول: لو سلمنا جدلاً بأنَّ التحقيق في مَن هم أصحاب الأعراف لا يرتبط بالأجواء العامة ‏للآيات، غير أنَّ التحقيق فيه من جهة ما ورد عن أئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام)، وأنهم هم ‏أصحاب الأعراف ينفع من جهتين: ‏
الجهة الأولى: أن يُدرِك الجاهل أو الغافل مدي صحة ما يستفيده من معنى الآيات، فإنه ‏مع وجود رواياتٍ موثوقٍ بها من طريق أئمة الهدي (عليهم السلام) تُبيِّنُ بأنَّ المقصودَ من ‏أصحاب الأعراف مغايرٌ لما فهمه بعقله القاصر، فإنَّ ذلك يدعوه إلى الترك والإعراض عن ‏تصويب ما احتمله أو إلى عدم استقرابه ما قرَّبه، اللهم إلا إذا كان لا يعتقد بأئمتنا ما نعتقده نحن ‏الإماميين، وهذا نسلك معه مسلكاً آخر في مناقشته.‏
الجهة الثانية: أنَّ ذلك يقوده إلى الإعلان بذكر فضيلة لآل محمد (عليهم السلام)، ويا لها ‏من مكرمة.‏
ومن العجيب أنَّ السيد محمد حسين فضل الله قد كتب صفحة كاملة في مقام تحقيق ‏وترجيح وتحديد مَن هم أصحاب الأعراف، مع أنه يقول: بأنَّ ذلك مما لا يتعلق بالأجواء العامة ‏للآيات؟!‏
وبعد كرٍّ وكر، رأيناه يقول: ـ وقد تقدم نقله ـ «وربما كان القول الأول أقرب إلى سياق الآية»، ‏مع أنَّ الأخبار الواردة عن أئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام) وأنهم أصحاب الأعراف، تفوق ‏العدَّ والإحصاء؟!!‏
ومهما يكن فقد قال الشيخ الصدوق في الاعتقادات: إعتقادنا في الأعراف أنه سور بين ‏الجنة والنار، عليه رجالٌ يعرفون كلاً بسيماهم، والرجالُ هم النبي (صلى الله عليه وآله) ‏وأوصياؤه (عليهم السلام)، لا يدخل الجنة إلا مَن عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا مَن أنكرهم ‏وأنكروه.‏
وأخرج الصفار في البصائر والكليني في الكافي بإسنادهما عن مقرن قال سمعت أبا عبد ‏الله (عليه السلام) يقول: جاء ابن الكوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين ‏‏{وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ}؟ فقال: نحن الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ‏ونحن الأعراف الذي لا يُعرَف الله عزَّ وجل إلا بسبيل معرفتنا...(الحديث).‏
وأخرج الصفار بإسناده عن الهلقام، وبإسناده عن سعد بن طريف، وبإسناده عن بريد ‏العجلي، وبإسناده سعد بن سعد عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزَّ وجل {وَعلى ‏الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ} قال نحن أولئك الرجال الأئمة منا، وفي لفظ ثان قال: هم ‏أكرم الخلق على الله، وفي لفظ ثالث قال: هم الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله)،وفي لفظ ‏رابع قال: الأئمة منَّا أهل البيت (عليهم السلام).‏
وبإسناده عن إسحق بن عمار، وبإسناده عن أبي بصير، وبإسنادهما عن غيرهما عن أبي ‏عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزَّ وجل {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ} قال: ‏هم الأئمة، وفي لفظ ثان قال: نحن أصحابُ الأعراف.‏
وأخرج الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن ‏علي ’ قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بالكوفة فقال:.... ونحن ‏أصحابُ الأعراف.‏
وأخرج ابن عياش الجوهري في مقتضب الأثر بإسناده عن أبان بن عمر قال: كنت عند ‏أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه سفيان بن مصعب العبدي فقال: جعلني الله فداك ما تقول ‏في قوله تعالى ذكره {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ}؟ قال: هم الأوصياء من آل ‏محمد (عليهم السلام) الإثني عشر، لا يَعرِفُ الله إلا مَن عرفهم وعرفوه.‏
وأخرج الخزاز القمي في كفاية الأثر بإسناده عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال سمعت ‏فاطمة (عليها السلام) تقول: سألت أبي (عليهما السلام) عن قول الله تبارك وتعالى {وَعلى ‏الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ} قال: هم الأئمة بعدي عليٌّ (عليه السلام) وسبطاي وتسعة ‏من صلب الحسين (عليهم السلام)، هم أصحابُ الأعراف، لا يدخل الجنة إلا مَن عرفهم ‏ويعرفونه، ولا يدخل النار إلا مَن أنكرهم وينكرونه، لا يُعرَف الله إلا بسبيل معرفتهم، وورد ‏الكثير فراجع(2).‏
ومن مصادر أبناء السُّنة، قال القندوزي في ينابيع المودة: وقد ثبت عند علماء الطريقة ‏ومشايخ الحقيقة بالنقل الصحيح والكشف الصريح، أنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه ‏السلام) قام على المنبر بالكوفة وهو يخطب فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بديع ‏السموات والارض وفاطرها.....أنا رجال الأعراف.‏
وقال السيوطي في الدر المنثور: وأخرج أحمد في الزهد عن قتادة قال سالم مولى أبي ‏حذيفة وددت أني بمنزلة أصحاب الأعراف.‏
أقول: أَوَ تظن بأن سالم مولى الصحابي أبي حذيفة، كان ليتمنى أن يكون ممَن استوت حسناته مع ‏سيئاته؟‍!‏
وأخرج محمد بن سليمان الكوفي في المناقب والحاكم الحسكاني في الشواهد بإسنادهما عن ‏الضحاك عن ابن عباس في قوله {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ} قال: الأعراف موضع عال من الصراط ‏عليه العباس وحمزة وعليٌّ (عليه السلام) وجعفر، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه، ومبغضيهم ‏بسواد الوجوه.‏
وقال القرطبي في تفسيره: وأخرج الثعلبي بإسناده عن ابن عباس، ثم ذكر الخبر الذي ‏أخرجه الحسكاني ومحمد بن سليمان الكوفي.‏
وأخرج الحاكم الحسكاني أيضاً بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت جالسا عند علي ‏فأتاه عبد الله بن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول الله {وَعلى الأعْرَافِ رِجَالٌ}فقال: ‏ويحك يا ابن الكواء نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار، فمَن ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه ‏الجنة، ومَن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار(3).‏
وأخيراً، أَفلا يستوقفك جداً ما سلكه السيد محمد حسين في تفسير هذه الآية؟!!‏
------------------------------------------------------

‏(1) من وحي القرآن ج10 ص 132‏
‏(2) بحار الأنوار ج 8 ص 331 إلى 339 وج 42 ص250 إلى 255 وج 35 ص 46 وج 36 ص351 وج 42 ص17وج 66 ص ‏‏268 وج 108 ص 115، الاعتقادات للشيخ الصدوق ص 70، الاحتجاج ج 1 ص 338، الخرائج والجرائح ج 1 ص 177، مناقب آل ‏ابي طالب ج 2ص 299 وج 3 ص31، الصراط المستقيم ج 1 ص 295 وج 2 ص 122، الغدير ج 2 ص 295، ج 2 ص 325، ‏بشارة المصطفى ص 34، تفسير العياشي ج 2 ص 17، تفسير القمي ج1 ص 231، تفسير فرات ص 142، تفسير التبيان ج 4 ‏ص411، تفسير مجمع البيان ج 4 ص 261، تأويل الآيات ج1ص 176، التفسير الصافي ج 2ص 198، تفسير نور الثقلين ج 2 ص ‏‏32، بصائر الدرجات ص 515إلى517 وص 519 إلى520، الكافي ج 1 ص184، معاني الأخبار ص 58، الأمالي للشيخ المفيد ‏ص213، كفاية الأثر ص 194، مختصر بصائر الدرجات ص 50 إلى 51، معاني الأخبار ص 58 - 59، مقتضب الأثر ص 48، ‏مناقب آل ابي طالب ج 3 ص 31،
‏(3)من مصادر أبناء السُّنة: ينابيع المودة ج 1 ص 303 ج 2 ص 453 وج 3 ص 205 ـ 207، الدر المنثور ج 3 ص 89، شواهد ‏التنزيل ج 1 ص 263، مناقب أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان الزيدى المذهب ج 1 ص 158، تفسير القرطبي ج 7 ص 212، فتح ‏القدير ج 2 ص 207- 208‏

     

فهــرس الكتــاب

     

ضلال نت