تمهيد:

     

 بسمه تعالى
لقد أنزل الله تعالى على عبده ورسوله محمد (صلى الله عليه وآله) كتابه الكريم، ووصفه فيه بأنه {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ}(1)، وقال: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(2)، وبّين لهم أن الغاية من إنزاله هي التدبر في آياته(3) وأمرهم بتلاوتها(4) والإنصات إليها(5). فعلمنا أنه جعل ما يفهمه أحدنا من هذه الآيات بسليقة عربية وإن كان نفسه أعجمياً(6)، حجة من الله تعالى عليه، لكن شريطة أن لا يكون تفسيراً بالرأي، إذ في الحديث الشريف: من قال في القرآن برأيه أو بغير علم فليتبوأ مقعده من النار(7).
وفي حديث آخر: من فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب(8).
وفي حديث ثالث: ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن. إن الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف إلى وجوه(9)، وفي مجمع البيان أنه صح أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح والنص الصريح(10)، فلذلك لزم الرجوع إلى الأوصياء (عليهم السلام) الذين هم أهل الذكر(11)، لأجل بيان تأويله، وما تشابه من معناه، وتوضيح مجمله، وتخصيص عامه، وتشخيص منسوخه وناسخه. قال الله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}(12)، وقال الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية: هم الأئمة المعصومون(13).
وهذا كله لم يكن موجباً لسد باب النظر في الكتاب الكريم، حيث إن فيه صنفاً من الآيات، يمكن للناظر فيها إذا كان ذا معرفة بقواعد اللغة وفنونها، أن يستلم ظاهرها ويتبين المراد منها، ثم يعمل بها بعد الرجوع إلى المأثور عنهم (عليهم السلام)، علّه يجد ما يتمم به ما ظهر له منها، بعد الالتفات إلى المستقل من القواعد العقلية، وإلى الثوابت التي تسالمت عليها عقول العقلاء من كافة بني البشر. وإلى جانب هذا الصنف صنفان، أحدهما يشترك في معرفته كل من العالم والجاهل، والصنف الآخر محتاج في استعلام المراد منه إلى عرضه على ما يستبين معه معناه، من محكم آية أو مأثور رواية عن أهل البيت الذين هم الراسخون في العلم، قال تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}(14).
وهذا المتشابه هو الذي هلك فيه الكثير من الناس، وفيه يقول الإمام الصادق (عليه السلام): وإنما هلك الناس في المتشابه، لأنهم لم يقفوا على معناه، ولم تعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء (عليهم السلام) فيعرّفونهم(15). وقال (عليه السلام): نحن المعول علينا في تفسيره، لا نتظنى تأويله، بل نتبع حقائقه(16).
وقال الصادق (عليه السلام): نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله(17).
وقال (عليه السلام): رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخون في العلم، قد علمه الله جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لا يعلم تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه(18)
وقال (عليه السلام): عندنا والله علم الكتاب كله(19) وقال الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(20)؛ إيانا عنى(21).
والحاصل إلى هنا أن الكلام على ثلاثة ضروب، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الله قسم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلا من صفا ذهنه، ولطف حسه، وصح تمييزه ممن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم(22).
هذا وقد يمكن الأخذ بظاهر الكتاب الكريم ـ بعد الالتزام بما قدمنا ـ فيما إذا لم يصرف عنه صارف، من قرينة متصلة أو منفصلة تحتّم ظهوره، ومنها القواعد العقلية القطعية، التي هي بمثابة القرينة المتصلة المانعة ـ مع الالتفات إليها ـ من انعقاد ظهورٍ للكلام على خلافها.
ولذلك احتاجت جملة من الآيات إلى التأويل(23) أو إلى الصرف عن ما يتراءى أنه هو الظاهر منها في بادئ النظر، إلى ما هو أعمق من المعاني، أو أوضح، أو أصح، أو أليق بكتاب الله العزيز، ولذلك تأكد أيضاً لزوم الرجوع إلى أولياء الله، وهم الأوصياء في هذا الصنف للاستعانة بهم على تشخيص الصوارف والقرائن من الآيات وغيرها.
فقد روى أبو بصير، عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم(24) أنه قال: أما والله ما قال ما بين دفتي المصحف، قلت: من هم جعلت فداك؟ قال: من عسى أن يكون غيرنا(25).
وفي خبر آخر: هم الأئمة خاصة(26).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أيضاً: ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء(27).
وقال (عليه السلام) أيضاً: إنما يعرف القرآن من خوطب به(28).
وقال الصادق (عليه السلام): إنهم ضربوا القرآن بعضه ببعض، واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا بالخاص وهم يظنون أنه العام واحتجوا بالآية وتركوا السنّة في تأويلها ولم ينظروا إلى ما يفتح به الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره، إذ لم يأخذوا عن أهله، فضلّوا وأضلّوا(29).
والمقصود من كل هذا: عدم الاستيحاش مما قد يهول به البعض ـ من استلزام بعض التفسيرات الخروج عن ظاهر القرآن، واللجوء إلى ما هو بخلافه، من تأويلٍ وغيره ـ بحجة لزوم فهم القرآن كما هو على أساس لغويٍ عربيٍ متين، وبدعوى أن القرآن أنزل للناس وقد خاطبهم الله تعالى به، وقد روي أنه لا يخاطب الخلق بما لا يعلمون(30).
ذلك أن لزوم فهم القرآن كذلك وإن كان حقاً، لكن ينبغي أن يراعى معه القواعد القطعية المسلمة عقليها وشرعيّها، فلا يؤخذ بظاهر الكتاب حتى في صورة مخالفته لها، كما لا ترفع اليد عن هذه المسلمات ولو كان المخالف لها هو ما يبدو أنه ظاهر الكتاب، بل قد تكون هذه المسلمات، سبباً في إعادة النظرة في عملية تشكيل الظواهر، لكشفها أحياناً عن خللٍ في استكشاف هذا الظاهر وتشكيله، وهذا باعتبار أن القرآن لا يتحدث بعيداً عن المسلمات والقواعد الشرعية الثابتة بالسنّة القطعية، ولا منفصلاً عن مثيلاتها العقلية بل هو يراعيها، ويعتمد في تفهيم مراداته عليها.
وأما ما روي: من أنه تعالى لا يخاطب الخلق بما لا يعلمون، فوجهه أن المخاطب بالقرآن ـ على احتمال ـ هم أهل العصمة. وهم يعلمونه، ويشهد له قوله (عليه السلام): إنما يعرف القرآن من خوطب به، فلا يضرّ عدم معرفة الخلق سوى من خوطب به.
أو يقال: إن المخاطب بالقرآن هم جميع المكلّفين ـ على احتمالٍ آخر ـ فإذا علم البعض معناه مع إرجاع
البعض الآخرين إليهم كان ذلك كافياً في الجمع بين الخبرين(31).
ثم إنه من الضروري التنبيه على أن هذا الأمر ـ أعني فهم ظواهر الكتاب الكريم من خلال ملاحظة القرائن المشار إليها ـ وحاول الاستدلال به، حيث كان من اللازم رفع اليد عن الظواهر البدوية، لعددٍ غير قليل من الآيات، لاستلزامها المخالفة لما هو قطعي كالذي ذكرنا آنفاً، كقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ}(32)، وقوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ}(33)، وقوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ}(34)، وقوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}(35)، وقوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}(36).
إذ يلزم صرفها عما يبدو في مبتدأ النظر فيها، إلى ما يتلاءم مع المضامين الأخرى للقطعيات الشرعية والعقلية، للوصول بها إلى درجةٍ من الظهور المستقر، كما هو الحال في هذه الآيات المشعرة بالتجسيم مع قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (37)، ومع الأدلة العقلية المبطلة لكونه تعالى جسماً(38).
وخلاصة الكلام: إن ثمة نهجان في التعامل مع كتاب الله المجيد:
أما النهج الأول: فهو الذي ذكرناه آنفاً، وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وعلى ذلك جرى المتمسكون بحبلهم، عنيت أعيان العلماء الأثبات المحققين من شيعتهم عبر العصور والأجيال.
وأما النهج الثاني: فهو نهج الذين خالفوهم ولم يتمسكوا بهم، من الذين يجمعهم الاستسلام للظواهر البدوية والعمل بها دون مراعاة لما قدمناه، فوقعوا بسببٍ من هذا في محاذير كثيرة، ألجأتهم إلى نسبة ما لا يليق إلى الله تبارك وتعالى، وإلى ملائكته ورسله وأنبيائه، وظهرت فيهم مقولات واهية، كالتجسيم والجبر والتفويض، مستندين في ظنهم هذا إلى ما يتراءى من بعض الآيات، زاعمين أن ذلك هو الظاهر منها، غافلين عن أنه لا يعدو كونه ظهوراً بدوياً لها، لو كان ثمة ظهور، وليس هو الظهور المستقر الذي ينبغي العمل على طبقه حسبما أشرنا إليه.
ولربما كانت الآيات التي صُدِّرت بها سورة عبس، تصلح شاهداً على هذه المفارقة، حيث اختلط الأمر على كثيرٍ من الناس فلم يراعوا ذلك في استلهام معناها وفهم المراد منها ما تقدم، ولم يراعوا ذلك لا في استظهارهم المعنى من الآيات نفسها بلا معونة ما هو خارج عنها، ولا في حملهم لها على مضامين الروايات الواصلة إليهم والمتعرّضة لتفسيرها، مع ما هي عليه من الوهن والضعف كما سيتضح إن شاء الله تعالى، ونحن بعون الله تعالى سنحاول تلمّس الحقيقة، واستنطاق عقليِّ الأدلة والشواهد ونقليها، لإثبات ما نراه هو الأصح من المعاني والأليق بساحة قدس الله تعالى وبكتابه المجيد وبرسوله الكريم صلى الله عليه وآله.

ـــــــــــــــ
(1) سورة االإسراء الآية 2.
(2) سورة القيامة الآية 17 ـ 19.
(3) سورة ص الآية 29.
(4) سورة المزمل الآية 20.
(5) سورة الأعراف الآية 207.
(6) وقاية الأذهان ج2، حجية ظواهر الكتاب.
(7) الوسائل كتاب القضاء، حجية ظواهر الكتاب.
(8) الوسائل كتاب القضاء، باب 13، ج37.
(9) المصدر السابق ج 41.
(10) مجمع البيان ج1، المقدمة ذكر التفسير والتأويل.
(11) البرهان ج3. ص 52.
(12) سورة النساء الآية 83.
(13) الوسائل باب 13من أبواب القضاء ج 61.
(14) سورة آل عمران الآية 6.
(15) الوسائل كتاب القضاء باب 13من أبواب صفات القاضي ج8.
(16) المصدر السابق ج 45.
(17) الوسائل ـ كتاب القضاء ـ باب 13من أبواب صفات القاضي ـ ج5.
(18) المصدر السابق. ج6.
(19) الوسائل المصدر السابق ج4.
(20) المصدر السابق ج4.
(21) للتأويل إطلاقات: الأول: هو عبارة عن بيان المتشابه وما هو خلاف الظاهر، والثاني: عبارة عن بيان مصاديق الآيات وانطباقاتها خارجاً كما في قول الإمام الصادق: إن للقرآن تأويلاً، فمنهما قد جاء ومنه ما لم يجئ فإذا وقع التأويل في زمان إمام من الأئمة عرفه إمام ذلك الزمان والمراد من التأويل في هذا المقام هو الأول دون الثاني.
(22) سورة الرعد الآية 43.
(23) الكافي ج1 باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ص 229. ج6.
(24) سورة العنكبوت الآية 49.
(25) الوسائل ـ كتاب القضاء ـ باب 13من أبواب صفات القاضي ج 11.
(26) المصدر السابق ـ ج12.
(27) الكافي ـ كتاب الحجة ـ باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ج2. ص 228.
(28) الوسائل ـ المصدر السابق ج25.
(29) المصدر السابق ـ ج62.
(30) الوسائل ـ باب 13من أبواب صفات القاضي ـ ح81.
(31) المصدر السابق لا حظ ذلك عند الكلام حول الحديث رقم 81.
(32) سورة الفتح الآية 2.
(33) سورة التوبة الآية 43.
(34) سورة التحريم الآية 1.
(35) سورة الفجر الآية 22.
(36) سورة الرحمن الآية 27.
(37) سورة الشورى الآية 11.
(38) لاحظ احقاق الحق الجزء الأول، ص 172 ودلائل الصدق الخبر الأول، ص 133، وتخليص المحصل المعروف بنقد المحصل ص 258، وقواعد العقائد المطبوع في ذيله ص 449و450.

     

فهــرس الكتــاب

     

المركز الإسلامي للدراسات