تمهيد آخر حول العصمة:

     

 وتذييلاً لما قدمنا، وتنبيهاً على المراد بالعصمة وبأهلها من الأوصياء الذين وجب الرجوع إليهم نقول:
أهل العصمة هم أهل البيت (عليهم السلام) الذين قال فيهم تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(1)، وهم الذين عناهم بقوله (صلى الله عليه وآله): إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي(2)، وهم النبي والصديقة الطاهرة والأئمة الأثنا عشر (عليهم السلام)(3) وهم الصدر الحامل للقرآن كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}.
والشيعة الامامية قد اتفقوا على عصمتهم (عليهم السلام) وعلى عصمة جميع الأنبياء والرسل، ونفوا عنهم ارتكاب الكبائر والصغائر، المنفر منها وغيره، قبل البعثة وبعدها، عمداً وسهواً سوى الشيخ الصدوق رحمه الله حيث جوز الإسهاء من الله تعالى في غير التبليغ لحكمة يراها لكن نسبه أعاظم علماء المذهب إلى السهو والخطأ، بل والضلال والتضليل في ذلك(4).
والحق هو الذي ذهبت إليه هذه الطائفة من وجوب عصمتهم على النحو الذي تقدم في الاعتماد والتبليغ والأحكام والأفعال وصحة التلقّي عن الله تعالى والكينونة على حالةٍ يكون معها متخلقاً بأخلاق الله تعالى. ولزوم براءتهم من العيوب والعاهات الجسمية وغير الجسمية، ولزوم علو أحسابهم وطهارة أنسابهم، لشدة دخالة العصمة على هذه الكيفية في اللطف الواجب عليه تعالى ولصيرورة الناس معها أكثر استعداداً للقبول والطاعة، وصيرورة طباعهم أرغب بما يأتيهم به المعصوم، ومن ينسب إليهم الصغيرة أو الخطأ أو السهو أو النسيان بدعوى كونهم بشراً تجوز في حقهم ـ كغيرهم ـ هذه الأمور فقد قاس الأبرار المقربين على نفسه، ولا يقاس هؤلاء على غيرهم من ذوت النفوس الضعيفة والصغيرة(5).
وقد خالف الإمامية في ذلك جماعة، لكنهم اتفقوا جميعاً على وجوب عصمة الأنبياء عما يكون منافياً
للتبليغ عمداً وسهواً، لئلا يرتفع الوثوق بهم بين الناس، ولم يخالف في ذلك سوى القاضي على ما حكي عنه ـ حيث جوز ذلك سهواً لدعواه عدم المنافاة في هذه الحال وأنه لا مدخلية لذلك في التصديق بالمعجزة. وقد خالف الأزارقة من الخوارج.
فجوّزوا الكفر عليهم، لأنهم جوزوا الذنوب عليهم، والذنب عندهم كفر. وخالف الحشويون في الكبائر فجوزوها على الأنبياء.
والأشاعرة جوزوا عليهم غير المنفر من الصغائر سهواً.
والمنفر، وهو ما كان كاشفاً عن خسةٍ ونقص في صاحبه كسرقة لقمة أو التطفيف بحبة، قد منعه الجمهور ولم يجوزوه عليهم.
لكن إمام الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم من المعتزلة ذهب إلى تجويز الصغائر ولو كانت عمداً(6).
وقد يقال: إن بعض الطاعات الصادرة عن المعصومين المنزهين عن الخطأ والذنب والسهو والنسيان ـ مع أنها طاعات ـ عصيان منهم، فمثلاً، اللازم لهم مباشرة أولى الراجحين واختياره فترك الراجح الأولى واختيار الآخر معصية في حقهم.
مثال آخر: الحلم والعفو أولى من المعاقبة، فدعاء النبي على الكافرين مرجوح، واختياره الحلم والعفو أولى.
مثال ثالث: اختيار الأسهل من الأمرين العارضين على النبي عصيان في حقه وكل هذا قاعدة حسنات الأبرار سيئات المقربين(7).
والجواب على هذا: هو المنع من كون هذا عصياناً، بل هو عبارة عن تفويت ما لو فعله استحق عليه ثواباً(8).
ولو فرضنا أنه عصيان حقيقة بالنسبة إليهم فهو مضر بالعصمة. ولا ينفع في تصحيح هذا الأمر كون الفعل مختصاً به من حيث كونه معصوماً حتى يقال: إنه عصيان في حقه لا في حق غيره.
إذ ربما اختص المعصوم بأحكام وجبت عليه مراعاتها كاختصاص الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بوجوب صلاة الليل، ففرض تركه (صلى الله عليه وآله) لها هو عبارة أخرى عن فرض ترك الواجب في حقه الذي هو عين العصيان والعياذ بالله.
هذا، والمعصوم لا يفعل ولا يترك إلا لله وبقصدٍ، إذ ليس في أفعاله وسكناته محل للمباح لقربه الدائم من الله تعالى وخلوص نيته له. وفي الأخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي ذز في وصيته: يا أبا ذر ولتكن لك في كل أمرٍ نية(9).
فكيف يطمع بذلك من أبي ذر ولا يطمع به من الأنبياء والأوصياء(10).
وفصّل البعض فحمل على ترك الأولى ما كان بظاهره معصية صادراً من المعصومين غير النبي الأعظم وأهل بيته، أما هم فما كان كذلك فهو محمول على صدور التوجه منهم إلى غير الحق تعالى(11).
وقد عرفت ضعف القول بجواز ترك الأولى للمعصوم.
فما ورد من النصوص في الآيات والروايات مما قد يظهر منه نسبة شيء من الخطأ والنسيان والاستغفار والتوبة إلى المعصومين، يجب حمله على محامل مناسبة غير ما فعله الأشاعرة الذين حملوها على ارتكاب المعصية الصغيرة سهواً وقبل البعثة(12)..
ومن جملة هذه المحامل:
1ـ كون استغفارهم لرفع الدرجة.
2ـ التعليم وتأديب الرعية.
3ـ كون عباداتهم مع كمالها في نفسها غير لائقة بجنابه تعالى.
4ـ التواضع والاعتراف بالعبودية وأن البشر مظنّة المعصية.
5ـ الاستغفار من ذنوب رعيتهم. وغير ذلك مما هو مذكور في مواضع متفرقة(13).
وأما حقيقة العصمة فهي باختصار عبارة عن خصلةٍ في داخل الإنسان تصرف صاحبها عن الإقدام عن الخطأ من جهة علمه بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، فإمكان المعصية وعدمها وارد بالنسبة إلى المعصوم لكن لعلمه بمحاسن الطاعات ومنافعها ومفاسد المعاصي ومضارها فهو لا يصدر منه سوى الطاعة، لوجود الصارف المانع عن إرادة المعاصي، وتتأكد هذه الحالة النورانية في الأنبياء والأوصياء كلما تكرر الوحي والإلهام.
وقد يقال: إنها خصوصية في نفس المعصوم يمتنع معها صدور الذنب عنه.
والجواب عن هذا القول الأخير: هو بطلان هذا القول لاستلزامه القول بعدم استحقاق المعصوم الثواب والمدح حينئذٍ(14).
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب الآية 33.
(2) لاحظ كتاب منتخب فضائل النبي وأهل بيته، حديث الثقلين.
(3) لاحظ تفسير نور الثقلين ج4 ص272 وكتاب أهل البيت في آية التطهير ص 25 وشرح دعاء الصباح لبحر العلوم ص 152.
(4) مصابيح الأنوار ج2 ص 122، إحقاق الحق ج1 ص 211 وما بعدها وج2 ص 196، المبحث الثاني في أن الأنبياء معصومون. ودلائل الصدق ج1ص 212وص 368 المبحث الثاني أيضاً.
(5) أسرار الحكم ص 238 وص 403، مجموعة رسائل السبزواري ـ هداية الطالبين ص 238 ـ 239.
(6) لاحظ المصادر المتقدمة. وتنزيه الأنبياء ـ مقدمة المؤلف.
(7) نور الولاية ص 568 ورسائل السزواري ص 241.
(8) تنزيه الأنبياء ص 10.
(9) نور الولاية ص 568 ورسائل السبزواري ص241.
(10) أمالي الشيخ الطوسي وصية أبي ذر ص 536 ونور الولاية ص568.
(11) رسائل السبزواري ص241ونور الولاية ص 568.
(12) رسائل السبزواري ص 240.
(13) لاحظ مفتاح الفلاح في شرح دعاء الصباح للخاجوئي ص 129و226، وشرح دعاء الصباح لبحر العلوم ص 161 ونور االولاية ص 567 ـ 570.
(14) أسرار الحكم ص 402، رسائل السبزواري، هداية الطالبين ص 227 تلخيص المحصل، راجع الفوائد في خاتمة الكتاب ص 525.

     

فهــرس الكتــاب

     

المركز الإسلامي للدراسات