|
قوله (صلى الله عليه وآله): لا والله لا يعاتبني الله فيك أبداً، فقد استدل به على صدور موجب العتاب منه (صلى الله عليه وآله) في زمانٍ سابق على كلامه هذا فدلت على أنها نزلت فيه (صلى الله عليه وآله).
والجواب:
هذه الرواية كما رواها الطبرسي مرسلة، ولم أعثر على من رواها غيره، وكل من أوردها في كتابه عنه نقلها قال:
روي عن الصادق ثم أنه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا رأى ابن أم مكتوم، قال: مرحباً، مرحباً، لا والله، لا يعاتبني الله فيك أبداً، وكان يصنع به من اللطف حتى كان يكف عن النبي (صلى الله عليه وآله) مما بفعل به(1) وقد يدعى أن هذه الرواية بمعنى الرواية الأخرى المتقدمة:
مرحباً بمن عاتبني فيه ربي(2). والدالة على نزول هذه الآيات في شأنه (صلى الله عليه وآله).
لكنك قد عرفت أن الرواية الثانية لا يمكن الاعتماد عليها وأن الوارد من طرق أهل البيت إنما هو الرواية الأولى ولا دلالة فيها على أن العبوس قد صدر منه (صلى الله عليه وآله) سابقاً، لا بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام، لعدم دلالة نفي الشيء حاضراً أو لاحقاً على ثبوته سابقاً، كما أن العكس أيضاً صحيح.
بل يمكن أن يكون المراد بهذه الرواية ـ بملاحظة ماتقدم من الكلام في العصمة وفي سبب النزول ورواياته ـ التعريض من النبي (صلى الله عليه وآله) بالعابس الذي نزلت الآيات فيه(3)، ويرشد إليه المروي سبباً للنزول من طرق أهل البيت (عليهم السلام) (4).
ثم إن هذا يشعر ـ إن لم يدل ـ بعدم إيمان المعرض به لعدم جواز تعيير المؤمنين بذنوبهم.
بل لم يستبعد في الصحيح من السيرة أن يكون الظاهر من الرواية النفي القطعي لإمكان صدور مثل هذا عنه (صلى الله عليه وآله)(5)، فيتنافى حينئذٍ مع دعوى أنه عاتبه بالفعل.
ويحتمل تحريف هذه الرواية ـ كما في الصحيح من السيرة(6) أيضاً ـ بقولهم: أهلاً بمن عاتبني فيه ربي، موجهاً بذلك عدم صحة العمل بهذه الرواية.
وقد عرفت أن الأمر ليس موقوفاً على ثبوت التحريف، فإن ثبت فبها ونعمت وإلا فانفراد الطبرسي بروايتها مع كونها مرسلة ومخالفة لصريح الكتاب والسنة وسائر الوجوه النقلية والعقلية يكفي في الحكم عليها بعدم الاعتماد والوثوق.
ـــــــــــــــ
(1) لاحظ فقرة ما ورد بعد نزول الآيات.
(2) نفس المصدر السابق.
(3) ومثل هذا الوجه يمكن أن يجرى قي بعض ما دل على أنه كان يكومه (صلى الله عليه وآله) نعم في بعضها ما يمنع ذلك فلاحظ.
(4) راجعه فقرة سبب النزول.
(5) الصحيح من السيرة ج3 ص 161.
(6) المصدر السابق ج162. |