الأمر السادس:

     

 إن ما جرى إنما كان اتكالاً منه (صلى الله عليه وآله) على ما بينه وبين الأعمى واعتماداً منه (صلى الله عليه وآله) على وحدة الحال ووثاقة الصلة وعمقها بين النبي (صلى الله عليه وآله) والأعمى بحيث لم تكن هذه العلاقة تخضع لحساب!! كعلاقة الرجل بأولاده. استناداً إلى أنه كان يدخل على النبي مع زوجاته، وإلى استخلافه (صلى الله عليه وآله) له في المدينة عند
الخروج إلى الغزو(1). ويقرب منه ما في جامع الأحكام من أنه (صلى الله عليه وآله) إنما قصد تأليف المشرك ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان(2).
والجواب:
إن الرواية التي استدل بها على المدعى إنما تدل على أن ابن أم مكتوم كان قد دخل على النبي وهو مع زوجاته، ولا دلالة فيها على أنه كان يدخل عليه (صلى الله عليه وآله) كذلك باستمرار، والرواية كما أوردها في الوسائل هي: استأذن ابن أم مكتوم على النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده عائشة وحفصة فقال لهما قوما فادخلا البيت، فقالتا: أنه أعمى، فقال لهما: إن لم يكن يراكما فإنكما تريانه(3).
وفي رواية أخرى عن أم سلمة، قالت: كنت عند
رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال احتجبا، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى لا بيصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟!(4).
واشتهار أمر هذه الرواية لا يوجب دلالتها على أنه كان يدخل بيت النبي كذلك على نحو الاستمرار، إذ لا وجه ظاهر لتكرر هذا الأمر في حضوره (صلى الله عليه وآله) مع زوجاته وقد نهاهن عنه، والواقعة المروية قد تكون واحدة وقد تكون متعددة ـ وإن كنا نشك في ذلك ـ لكن لا ضير في هذا التكرار مع عدم اتحاد الزوجات لاحتمال ـ وإن كان بعيداً في نفسه ـ عدم بلوغ هذا الحكم زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) اللاتي كنّ معه عند حدوث الحادثة لاحقاً ولم يكنّ عند حدوثها سابقاً.
نعم، نحن نستبعد بل نمنع ـ وكذا يمنع كل من تدبر هذه الرواية ـ تكررها مع الزوجة عينها، كما نمنع أن يكون ابن أم مكتوم قد فعل ذلك مراراً وأقره عليه، إلا أن يكون في ذلك حينئذٍ مغمز على ابن أم مكتوم، أو على صاحبة الفعل هذا من زوجاته، لتقدم نهيه (صلى الله عليه وآله) عن ذلك كما هو واضح.
علماً أنه قد روي عن فاطمة (عليها السلام) أنه استأذن عليها أعمى فحجبته، فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): لم حجبته وهو لا يراك؟ فقالت (عليها السلام) يا رسول الله، إن لم يكن يراني فأنا أراه وهو يشم الريح. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أشهد أنك بضعة مني(5).
وهذا يدل على رغبته (صلى الله عليه وآله) باحتجاب أهل بيته ونسائه وهذا يمنع الاعتماد بإقراره للأعمى بالدخول عليه وهو مع نسائه كما ذكر المستدل.
وعلى كل حال فلا دلالة لهذا الحديث على ما ذكره من وحدة الحال ووثاقة الصلة. كما لا دلالة للرواياتعلى قبول النبي لدخول الأعمى عليه مع نسائه بل هي على خلافه أدل.
وأما استخلافه (صلى الله عليه وآله) إياه على المدينة، فقد رواه الطبري وغيره، قال: واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين(6).
أقول:
أولاً: ليس في الاستخلاف دلالة على هذه الصلة المدعاة، ولم يثبت أنه تكرر ذلك أكثر من مرتين، علماً أن كثرة الاستخلاف أيضاً لا تدل على المدعى، حيث إنه (صلى الله عليه وآله) ليس محكوماً في علاقاته التنظيمية والإدارية للعلاقات الشخصية بل للكفاءة واللياقة.
ثانياً: سلمنا عمق الصلة، لكن هذا لا يقتضي الاسترسال في الجانب الشخصي للعلاقة، الذي عبر عنه المستدل بوحدة الحال، لمخالفته للروايات المتكاثرة الآتية.
ثالثاً: يقول المستدل في غير موضوع إن العلاقة مع المعصومين هي من خلال الرسالة لا من خلال الأشخاص(7)، وهذا يقتضي ـ لو سلمناه ـ أن يكون كذلك من الطرفين لا من طرف غير النبي (صلى الله عليه وآله) فقط، فعلى هذا علاقة النبي بنا فقط من خلال الرسالة وهو (صلى الله عليه وآله) ملتزم بأداب وأحكام العشرة الشرعية في سلوكه وتصرفاته مع ابن أم مكتوم وغيره من القريبين إليه والبعدين عنه(8).
رابعاً: لو تنزلنا عن ذلك كله، فهنا نتساءل: كيف أعمل النبي (صلى الله عليه وآله) وحدة الحال المزعومة هذه أمام الأجانب لاسيما إذا كانوا مشركين، مع أنه لا يصح إسقاط حق الطرف الآخر لمجرد وحدة الحال هذه من دون مراعاة مشاعره أمام الآخرين.
ففي الخبر: لا تضيعنّ حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه فإنه ليس لك بأخٍ من أضعت حقه(9).
وقد وردت الروايات الكثيرة جداً والتي تأمر بلزوم المعاشرة على النحو الذي يبقى معه شيء من الاحتشام بين الطرفين، لا على النحو الذي ذكر من «أنه لم يكن يخضع لحساب كعلاقة الرجل بأولاده»، لمنع هذا أمر في المشبه والمشبه به معاً. للزوم مراعاة حقوق الآخرين ولو كان هو الولد كما في رسالة الحقوق لزين العابدين (عليه السلام) وغيرها من الروايات الدالة عدم صحة صدور هذا الفعل عنه (عليه السلام)، لاستلزامه فعل المرجوح وترك الأولى ـ لو سلمنا جوازه ـ من وجوهٍ كثيرة يبعد جداً ـ مع استحاله بعضها في حقه (صلى الله عليه وآله) حتى بناءً على القول بجواز ترك الأولى ـ مخالفته (صلى الله عليه وآله) لها مجتمعة في فعلٍ واحد.
فليلاحظ من أبواب العشرة من كتاب الحج في الوسائل الأبواب التالية:
1ـ باب استحباب حسن المعاشرة والمجاورة والمرافقة.
2ـ باب كيفية المعاشرة مع أصناف الإخوان.
3ـ باب تعظيم الأصحاب ومناصحتهم.
4ـ باب كراهة الانقباض من الناس وفيه الخبر التالي: «الانقباض من الناس مكسبة للعداوة».
5ـ باب استحباب التحبب إلى الناس والتودد إليهم.
6ـ باب استحباب مجاملة الناس ولقائهم بالبشر واحترامهم.
وفيه الخبر التالي: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث يصفين ود المرء لأخيه المسلم: يلقاه بالبشر إذا لقيه ويوسع له في المجلس إذا جلس إليه.
7ـ باب تحريم السلام على الفقير المسلم بخلاف السلام على الغني وفيه: قال الرضا (عليه السلام): من لقي فقيراً مسلماً فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان.
8ـ باب استحباب مصافحة المقيم ومعانقة المسافر عند التسليم عليه.
9ـ باب استحباب التبسم في وجه المؤمن.
10ـ باب استحباب الصبر على أذى الجار وغيره.
11ـ باب استحباب تقسيم لحظات الإنسان بين أصحابه بالسوية.
12ـ باب كراهة ذهاب الحشمة بين الإخوان بالكلية والاسترسال.
13ـ باب استحباب حسن الخلق مع الناس فيه: إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً. وأكمل الناس عقلاً أحسنهم خلقاً.
14ـ باب استحباب الإلفة بالناس وفيه قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): أفاضلكم أحسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون وتوطأ رحالهم.
15ـ باب استحباب كون الإنسان هيناً ليناً.
16ـ باب استحباب طلاقة الوجه وحسن البشر وفيه: صنائع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبة ويدخلان الجنة والبخل وعبوس الوجه يبعدان من الله ويدخلان النار. وفيه أيضاً: إلق أخاك بوجه منبسط.
17ـ باب استحباب العفو.
18ـ باب استحباب كظم الغيظ.
19ـ باب استحباب مداراة الناس.
20ـ باب وجوب أداء حق المؤمن وجملة من حقوقه الواجبة والمندوبة وفيه في الحديث العاشر: وأن لا يقول له أف.
21ـ باب استحباب التراحم والتعاطف والتزاور والإلفة.
22ـ باب استحباب التسليم والمصافحة عند الملاقاة.
23ـ باب استحباب المصافحة مع قرب العهد باللقاء ولو بقدر دور نخلة.
24ـ باب استحباب المعانقة للمؤمن.
25ـ باب تحريم إيذاء المؤمن وإهانته وإذلاله وخذلانه واحتقاره والاستخفاف به: ومنه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من استخف بفقير مسلم فقد استخف بحق الله.
وليلاحظ من كتاب جهاد النفس من الوسائل، الأبواب التالية:
1ـ باب، جملة مما ينبغي القيام به من الحقوق، حق الصاحب والجليس والمسيء.
2ـ باب، استحباب ملازمة الصفات الحميدة وفيه:
يا علي ثلاث من مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة، أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتحلم عمن جهل عليك.
3ـ باب استحباب التخلق بمكارم الأخلاق.
4ـ باب استحباب الصبر في جميع الأمور.
5ـ باب استحباب الحلم.
6ـ باب استحباب الرفق.
7ـ باب استحباب التواضع.
8ـ باب استحباب التواضع عند تجدد النعمة.
9ـ تأكد استحباب التواضع للعالم والمتعلم.
وفي مستدرك الوسائل أيضاً جملة من هذه الأبواب، كما أن في بعض كتب الصحاح لدى العامة شيئاً غير يسير مما ذكر لا مجال للتوسع فيه. فراجع إن شئت.
ومع هذا فكيف تصح نسبة مخالفة هذه الأمور والمعاني مجتمعة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والحال أن الروايات الدالة عليها أكثر من أن تحصى وهو القائل (صلى الله عليه وآله): إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق(10).
وهو الذي أرسل بقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}(11).
وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(12). ومن هذا كله يظهر جواب ما نقلناه عن جامع الأحكام للقرطبي فلا تغفل.

ـــــــــــــــ
(1) من وحي القرآن ج 24 ص 65ـ66 ومجلة الموسم العدد 21ـ22 ص 294ـ295، المسائل الفقهية ج2، فصل مسائل في العقيدة.
(2) جامع الأحكام ج19 ص 213.
(3) الوسائل ـ كتاب النكاح ـ الباب 129 من أبواب مقدمات النكاح الحديث1 و4.
(4) نفس المصدر السابق.
(5) مستدرك وسائل الشيعة ـ كتاب النكاح ـ الباب 100 من أبواب مقدمات النكاح الجديث 1.
(6) جامع البيان المجلد 12ج 31 ص 33 وتفسير الكبير ج31 ص 54 وجامع القرطبي ج 19 ص 213 والدر المنثور ج8 ص 417.
(7) مجلة الموسم، ص 312، ودعاء الأفتتاح ص 135.
(8) العلاقة مع النبي هي علاقة الرسالة التي جعل أجرها المودة في القربى، حيث قال تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (الشورى/24) وعن الإمام الباقر (عليه السلام): أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم لا حظ مجمع البيان ج9 ص 28 والمودة هي الحب فب جميع مداخل الخير كما في لسان العرب فراجع.
(9) الوسئل ـ كتاب الحج ـ باب 122 من ابواب العشرة حديث12.
(10) البحار ج16 ص 210.
(11) سورة البقرة الآية 44.
(12) سورة الأحزاب الآية 21.

     

فهــرس الكتــاب

     

المركز الإسلامي للدراسات