|
إن العبوس إنما كان للمضايقة ولم يكن للاحتقار فلا محذور فيه(1).
الجواب:
أولاً: إن العبوس والتولي لما لم يكن في محله كما كشف عن ذلك شدة اللوم والإنكار كما تقدم، فلا يفرق فيه من هذه الجهة بين كونه للمضايقة أو للاحتقار وإن كان الثاني أشد إيلاماً وإيذاءً من الأول.
ثانياً: منافاة العبوس ولو كان للاحتقار لخلقه (صلى الله عليه وآله) الذي نبه عليه قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(2).
ثالثاً: منافاته لصريح الكتاب في قوله تعالى:
1ـ {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ}(3).
2ـ {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(4).
3ـ {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}(5).
رابعاً: قول الإمام علي (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن الله ليبغض المعبس في وجه إخوانه(6).
وفي حديث في صفات المؤمن: هشاس بشاس لا بعباس ولا بخباس(7).
خامساً: إن سورة عبس قد نزلت أوائل الدعوة بعد سورة القلم(8) مما يشير إلى أنه تعالى كان ـ مسبقاً ـ قد أخبر معلناً عن أخلاق نبيه العظيمة، بقوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وهذا النحو من الإخبار العلني الغيبي من قبل الله تعالى عن أخلاق وصفات هذا النبي (صلى الله عليه وآله) فيه من الإعجاز ما هو واضح مع كثرة محاولات أعدائه (صلى الله عليه وآله) الطعن عليه ولو وجدوا ثمة منفذ إلى ذلك لأعلنوا عنه، فلا أدري كيف يتجرّأ اتباعه على إلصاق هذه الأمور به (صلى الله عليه وآله).
قد يقال: لا نحرز ترتيب نزول السور على النحو الذي ذكرت فينتفي هذا الوجه.
والجواب: إن الخلق والعصمة ملكة لا تتخلف عن الفعل المناسب لها، ومع إحراز كون هذا العبوس قبيحاً بحكم العقل فلا يصح صدوره عن المعصوم فضلاً عن سيدهم.
فقبح الفعل مع العلم بهذا القبح وبعواقب ارتكابه يضاف إليه وجود الملكة المانعة عنه (صلى الله عليه وآله) تمنع صدور هذا الفعل ونظائره عن النبي (صلى الله عليه وآله) في بداية الدعوة ونهايتها بل وقبل الدعوة أيضاً.
سادساً: إن التضايق من الأعمى مع كونه معذوراً بسبب عماه ليس في مورده، والشاهد نزول القرآن بمطالبة العابس بأداء حق الأعمى إليه، سواء كان هذا العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله)، أو غيره.
واللازم فيما نحن فيه إما أن يقال: ليس المعاتب هو النبي (صلى الله عليه وآله) أو يلتزم بتخطئة ابن أم مكتوم، فيلزم عليه:
أولاً: مخالفته الواضحة لظاهر الآيات.
وثانياً: لماذا عاتب الله تعالى نبيه والحال أن المخطئ هو غيره.
أويلتزم بأن النبي هو الذي أخطأ وهو كما تراه لا يمكن الالتزام به.
ويمكن أن يقال: إن ابن أم مكتوم لم يكن مسلماً آنذاك فلا محذور فيما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) معه(9).
والجواب: إن من المعلوم أن النبي (صلى الله عليه وآله) مرسل لهداية هؤلاء المشركين بل إلى الناس كافة وهو مأمور بالدعوة إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة(10)، فعبوسه في وجه المرسل إليهم لا سيما مع إقبالهم عليه نقض للغرض الذي أرسل لأجله ومن حيث كونه منفراً لهم عن ما يدعوهم إليه.
ولا يقدم على هذا، العاقل الحكيم لاسيما من كان كالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)(11).
ولو فرضنا أن الأعمى ارتكب خطأً في حقه (صلى الله عليه وآله) فلا يسوّغ ذلك لصاحب الرسالة أن يرتكب ما ينافي غرضه وهذا واضح.
ـــــــــــــــ
(1) من وحي القرآن ج 24 ص 66 ومجلة الموسم العددان 21ـ22 ص 295.
(2) سورة القلم الآية 4.
(3) سورة أل عمران الآية 159.
(4) سورة التوبة الآية 128.
(5) سورة الفتح الآية 29.
(6) مستدرك الوسائل كتاب الحج باب 6 من أحكام العشرة نحديث 1.
(7) المصدر السابق.
(8) الصحيح ج 3 ص 159، وليلاحظ مجمع البيان ج10 ص 405 عند تفسير سورة الإنسان.
(9) التبيان ج10 ص 268.
(10) سورة النحل الآية 125.
111) لاحظ الذخيرة للشريف المرتضى ج 191، ومقدمة تنزيه الأنبياء له أيضاً، وعلم اليقين للفيض الكاشاني ج1 ص 357.
|