الجهة الخامسة:

     

 إن تشديد النكير وإعلان العقاب كما عرفت لا يتلاءم مع كون الفعل المعاتب عليه مباحاً، فضلاً عن كونه قد صدر عن فاعله لمصلحة دينية، كما هو شأن النبي، إذ لو كان الفعل كذلك لوجب إطراء فاعله ومدحه والثناء عليه وحق له عندئذ أن يمجده تعالى ويعلي ذكره في كتابة الكريم لأنه لم يرد سوى الخير والصلاح في الدين، ولا أقل من أن يتحبب الله تعالى إلى فاعله على طريقه: {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}(1)
لكن الذي رأيناه منه تعالى في هذه السورة هو خلاف ذلك حيث الإنكار والتوبيخ والتقريع وغيره مما تقدم أمام ناظريك، وقد تقدم أيضاً بعض ما روي في ما خلَّفه ـ بزعمهم ـ نزول هذه الآيات في نفسه الشريفة (صلى الله عليه وآله)

حتى قال القائل ـ كما يروون ـ ما اغتم لأمر كما اغتم لأمر هذه الآيات، فراجع.
وعلى هذا فإن القول بأنه (صلى الله عليه وآله) إنما فعل ذلك بدافع الحرص على المشركين أن يؤمنوا راجياً إسلامهم استناداً إلى بعض الروايات المتقدمة، كاد أن يخرج مخرج التوسل إلى الواجب بأمر محرم، مع عدم إحراز كون المتوسل إليه وهو الواجب أكثر أهمية من المتوسل به وهو المحرم كما هو الشرط في أمثال هذه المقامات.
إن قلت: لم يكن الأمر كما توهم لكن كان مجرد ترجيح لأمر واجب وهو الدعوة إليه تعالى والتبليغ لدينه على واجب آخر، وهو تعليم الجاهل وجواب مسألته الدينية، فعاقبه الله تعالى لذلك. أو تقول كما قال النيسابوري في تفسيره الإرشاد والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم لأنه جاء مسترشداً وهم جاءوه مستهزئين معاندين، وترك المعلوم للموهوم خارج عن محل الاحتياط(2).
والجواب:
أولاً: لا نسلم أن ما فعله (صلى الله عليه وآله) كان مرجوحاً أو موهوباً فلا محل للعتاب حينئذ. وقد صرح الفخر الرازي في تفسيره بأن الأهم هو ما فعله (صلى الله عليه وآله) والمهم هو الذي تركه(3).
ثانياً: لو كانت القضية لا تعدو ما ذكرت من كونها ترجيحاً لواجب على واجب آخر، فالسؤال متوجه نحو ماهية هذين الواجبين اللذين رجح النبي (صلى الله عليه وآله) أحدهما ففعله وترك الآخر ؟
ثم لماذا عوتب على فعل الراجح وترك المرجوح؟
أم أنه رجح المرجوح وترك الراجح فحسب ـ خطاً ـ أن إيمان القوم المشركين أكثر نفعاً من إيمان هذا
الأعمى، فوجبت معاتبته ولزم الإنكار عليه؟
ثم هل كان هذا المرجح عند هذا التزاحم شرعياً فلم يعرفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع كونه هو المبلغ لأحكام دين الله تعالى؟
أم كان المرجح عقلياً لكنه مع كمال عقله (صلى الله عليه وآله) حتى فاق جميع الخلق لم يبلغه؟ أم أنه بلغه لكن لم يعمل به، بل اختارـ كما في بعض التفاسير ـ ما كان الاستغراق فيه مضيعة للوقت. وتفويتاً لفرصة مهمة وهي تنمية معرفة هذا المؤمن الأعمى؟(4)
وهل يصح نسبة ما يلزم منه رمي النبي بالجهل بأحكام العقل أو الدين؟ وهل يمكن أن يصدر عنه (صلى الله عليه وآله) ترجيح المرجوح وترك الراجح؟
هذه لوازم تلزم هذا القول لست أدري كيف يسع القائل به أن يجيب عنها أو يفكك بين قوله وبينها.

إذ دعوى كون الاستغراق فيما صنعه تضييعاً للوقت عبارة أخرى عن رميه (صلى الله عليه وآله) بالجهل بأساليب الدعوة إلى الله تعالى، لأنه كان من اللازم عليه (صلى الله عليه وآله) اختيار ما فيه اغتنام الفرص والاستفادة منها على أكمل وجه دونه ما كان بخلاف ذلك.
علماً أن ترجيح المرجوح قبيح فيمتنع صدوره عن الحكيم مثله (صلى الله عليه وآله) ويلزم عليه مع عدم فعله المعصية لو كان عالماً بلزوم الترجيح وبوجود المرجح ولو لم يكن عالماً بأحدهما فاللازم حينئذٍ نقص معرفته (صلى الله عليه وآله) بالأحكام الشرعية أو الطعن عليه في ذكائه ورجحان عقله وحسن تدبيره والحال أنه قد شهد له أعداؤه فضلاً عن أوليائه بخلاف ذلك.
ولو التزم هذا القائل بترك الأولى ـ كما صنعه بعض مفسري العامة(5) ـ لكان أقل إشكالاً وأخف محذوراًعلماً أنه في نفسه أمر غير مقبول عند الأعيان المحققين من العلماء. خصوصاً إذا كان متعلقاً بالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)(6) كما تقدم الكلام فيه.
وبعد هذا كله: فهل يمكن أن يترك الله تعالى نبيه فريسة الخطأ والجهل ثم يستدرك ذلك ليعلمه ويربيه بعد وقوعه فيهما.
ثم لم يكتف تعالى بذلك بل أضاف إليه أن أعلن عتابه وإنكاره على الملأ وخلّده خلود الكتاب العزيز.
وهل يصح بعد ذلك أن يسمى كل هذا تأديباً حتى بقول القائل: كان في حجر تربية ربه لكونه حبيباً، فكلما ظهرت نفسه بصبغة حجبت عنه بؤر الحق عوتب وأدب كما قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي، إلى أن تخلق بأخلاق الله تعالى(7).
وأما ما قيل: من أنه لا مانع من أن يربي الله رسوله تدريجياً، ويثبت قلبه بطريقة متحركة في حركة الدعوة تبعاً لحاجتها إلى ذلك(8). فإن كان المراد منه التعليم والتأديب تدريجياً قبل صدور الخطأ والمعصية فهو في محله لكن لا يصح معه دعوى أنه قد رجح المرجوح على الراجح. وتشتد عندئذٍ الحاجة إلى الإجابة عن السؤال حول السبب الداعي إلى توجيه كل هذا اللوم والعتاب والزجر، بل وكل هذه القسوة على حد تعبير هذا القائل(9).
ولا ينبغي أن يكون من التدريج المذكور أنه لا مانع من الوقوع في الخطأ ثم تعليم الله تعالى له بعد ذلك لأنه منافٍ للعصمة حينئذٍ.
علماً أن ما ذكر هنا منافٍ لما ذكره في موضع آخر من أن الله تعالى لا يؤدب أنبياءه الذين لهم امتداد في حياة الأمة كلها بهذه الطريقة.
ـــــــــــــــ
(1) سورة التوبة الآية 43
(2) تفسير غرائب القرآن المطبوع في هامش جامع البيان للطبري المجلد 12 ج30 ص26.
(3) التفسير الكبير ج31 ص54.
(4) من وحي القرآن ج24 ص 67و76. وليلاحظ روح البيان ج10 ص 333.
(5) لاحظ التفسير الكيبر ج31 ص 55 ورح البيان ج10 ص 332. ومحاسن التأويل ج7 ص 259.
(6) مجموعة رسائل السبزواري ـ هداية الطالبين ص 240.
(7) روح البيان ج10 ص 331.
(8) من وحي القرآن ج 24 ص 65.
(9) المصدر السابق.

     

فهــرس الكتــاب

     

المركز الإسلامي للدراسات