|
وصفه تعالى للعابس بأنه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن من يخشى من الفقراء وهذا الفعل ظاهر في قدر ٍمن القبح لا ريب فيه، ووجه الظهور تعليق هذا الفعل، وهو التصدّي أو التلهّي، على وصفٍ هو الغنى في الأول والخشية في الثاني.
ومن الواضح ظهور الكلام في كون التصدّي للمستغني لأجل استغنائه والتلهّي عن الفقير لأجل فقره.
بل في كتاب الصحيح من السيرة: إن في قوله تعالى: {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى}، وقوله تعالى: {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، دلالةعلى أن المعني بهذه الآيات كان من دأبه العمل على التصدي للأغنياء، والاهتمام بهم لغناهم ولو كانوا كافرين، والتلهي عن الفقراء والتشاغل عنهم والإعراض ولو كانوا مؤمنين(1) انتهى.
وهذا مما لا يصح أن يوصف به أهل التقى والورع فضلاً عن المعصومين لاسيما مقدمهم وخاتم النبيين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) لكونه منفراً وهو منزه عنه. ولعدم شباهته بأخلاقه وسعة صدره، وقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله): إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوها بحسن أخلاقكم(2)، وغير ذلك مما هو كثير لا يسع المجال ذكره.
ولعل المراد مما ذكره من الدلالة: أن الآيات تعطي أن العابس كان على صفة التصدي للغني والتلهي عن الفقير كما هو الحال في قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ}(3) بضميمة الاختصاص الحاصل من تقديم كل من الضمير والجار والمجرور.
واحتمل البعض: أن يكون المراد من الآية بدلالة كل من الظهور والسياق التعيير والنكير على العابس ولو لم يكن الفعل صادراً منه لأكثر من مرة وهذا واضح لمن راجع الاستعمالات العرفية ولا فرق بين الوجهين فيما نحن بصدده لكن الأول أرجح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج3، ص158.
(2) وسائل الشيعة ـ كتاب الحج ـ باب 107 من أبواب العشرة ـ ج8، وليلاحظ تفسير أبو الفتوح الرازي ج11 ص394.
(3) سورة الإنسان الآية 7.
|