|
إخباره تعالى بـ قوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى}، فإنه لا يتناسب مع شأن النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)، إذ المعنى اللغوي للعبوس هو البسور والتكليح والتقطيب، وضدهما الطلاقة والبشاشة(1)
وفي النهاية الأثيرية: العابس: الكريه الملقى الجهم المحيا(2).
وقد وردت هذه المادة في الكتاب الكريم في موردين(3) غير المورد الذي نحن بصدد بحثه:
الأول: قوله تعالى: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ}(4).
الثاني: قوله تعالى: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}(5).
أما الآية الأولى: فقد ورد أنها نزلت في الكافر الذي وصفه تعالى بقوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}(6)، وفي التفسير الكبير: أجمعوا على أن المراد به الوليد بن المغيرة(7).
والقرطبي في هذا الموضوع فسر العبوس بما لا يتناسب مع شأنه (صلى الله عليه وآله)(8) فلاحظ.
وأما الآية الثانية: فقد ذكر في مجمع البيان أن العبوس هو المكفهر الذي تعبس فيه الوجوه، ووصف اليوم بالعبوس توسعاً لما فيه من الشدة وهذا كما يقال يوم صائم وليل قائم(9).
قال الشاعر:
قال السماء كئيبة وتجهما قلت ابتسم يكفي التجهم في السما
والغرض من هذا بيان المعنى الذي ينسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، ويوصف به ويدعى أنه أنزل في شأنه.
ونحن وإن كنا لا نمنع العبوس عنه مطلقاً ولو كان غضباً لله تعالى، لكن لما عاتب الله تعالى نبيه العابس بشدة وزجره وأنكر عليه، علم أن فعله هذا كان في غير محله، بالتالي يعلم أنه لم يكن صادراً منه، فإن سياق هذه المعاتبات ـ كما يقول العلامة المحقق الجامع بين العلوم الشرعية والعقلية الفيض الكاشاني رحمه الله ـ غير لائقٍ بمنصبه (صلى الله عليه وآله) كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام(10).
أما التولي فقد عرفت فيما تقدم عند تفسير الآيات أنه بمعنى الإعراض، وفرض إعراض النبي (صلى الله عليه وآله) عن الأعمى المقيل عليه ليس فيه مناسبة لشأنه (صلى الله عليه وآله) للزوم الإقبال على الجليس والسلام عليه والتحدث معه ببشروطلاقة وجه وغير ذلك مما هو كثير وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن افتراض كون التولي عن الأعمى لغرض ديني راجح هو الجواب عن كون العبوس كذلك فلا تغفل.
ـــــــــــــــ
(1) النهاية ج3 ص171.
(2) النعجم المفهرس ص 445.
(3) سورة المدثر الآية 22 ـ 23.
(4) سورة الإنسان الآية 10.
(5) سورة المدثر الآية 11 وليلاحظ التبيان ج10.
(6) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 30 ص 198.
(7) الجامع لأحكام القرآن ج19 ص 75.
(8) مجمع اليبان ج10 ص408.
(9) تفسير الصافي ج5 ص285
(10) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج3 ص158.
|