|
اتفقت الروايات الواردة في سبب نزول هذه الآيات على أن المراد بالأعمى فيها هو ابن أم مكتوم الصحابي المعروف، واتفقت أيضاً على أنه (صلى الله عليه وآله) كان حاضراً في تلك الواقعة، بينما أجمعت روايات أهل السنة ـ فيما عثرنا عليه ـ على أن الذي عبس وتولّى هو نفس النبي (صلى الله عليه وآله) وخالفهم الإمامية في ذلك عملاً بما رووا، حيث دلت رواية على أن الذي عبس هو رجل من بني أمية، ودلت الأخرى على أنه عثمان.
واختلفت الروايات أهل السنة مع الإمامية من جهة، وفيما بينهم من جهة أخرى، فيمن كان حاضراً عند النبي (صلى الله عليه وآله) حين حدوث العبوس، ففي روايتي أهل البيت (عليهم السلام) أنه كان عنده أصحابه وفي بعض روايات غيرهم أنه كان جماعة من صناديد قريش. وفي البعض الآخر رجل من عظماء قريش وغير ذلك فيما يأتي من الروايات التي يتطرق إلى ذهن الناظر فيها جمله من الأسئلة حول المقصود بالأعمى؟ وهل كان النبي (صلى الله عليه وآله) حاضراً آنذاك؟ ومن الذي عبس وتولى؟ هل صحيح أنه النبي (صلى الله عليه وآله)؟ ومن كان حاضراً حين العبوس ؟.
لكن ليس بإمكان هذه الروايات الإجابة على كل هذه الأسئلة بشكل يقطع الطريق على شكٍ وريب تثيره في وجه السبب الذي تبديه لنزول هذه الآيات؛ لشدة اختلافها واضطرابها، مما يوهن الاعتماد عليها لا سيما مع معارضتها بما روته الرواة عن أهل البيت (عليهم السلام) ففيما يدل على أن المراد بالأعمى هو ابن أم مكتوم وأنه إجماع فقد قال ابن كثير:
ذكر عروة بن الزبير ومجاهد وأبو مالك وقتادة والضحّاك وابن زيد وغير واحد من السلف والخلف أنها نزلت في ابن أم مكتوم(1).
وفي التسهيل(2) وتفسير البيضاوى(3) أنه هو أيضاً.
وقال الفخر الرازي: أجمع المفسّرين على أن الأعمى هو ابن أم مكتوم(4) وفي التبيان(5) ومجمع البيان(6) وتفسير القمي(7) وغيرها(8) من التفاسير أيضاً أنه ابن أم مكتوم.
وأما فيما يتعلق بالعابس، فقد أجمع أهل السّنة على أن المراد به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورووا في ذلك روايات، وقد نقل إجماعهم هذا جماعة، منهم الفخر الرازي في تفسيره(8)
وفي التبيان: أنهم اختلفوا في من وصفه الله تعالى بذلك، فقال كثير من المفسرين وأهل الحشو: إن المراد به هو النبي (صلى الله عليه وآله) (9).
وفي مجمع البيان: نسب ذلك إلى القيل ولم يتبناه، ثم تعرض بعد ذلك إلى توجيه على فرض صحة الرواية الدالة عليه(10).
أما فيما يتعلق بمن كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) حين حدوث سبب النزول، ففي روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنه كان عنده أصحابه وعثمان، وفي بعضها لم يذكر أكثر من أن رجلاً من بني أمية هو الذي نزلت فيه الآيات(11).
أما روايات أهل السنة فمع اتفاقها وإجماع مفسريهم على أن العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله) وأن الأعمى هو ابن أم مكتوم كما عرفت فقد اختلفت فيما بينها فيمن كان عنده (صلى الله عليه وآله) آنذاك.
ففي الدر المنثور(12):
في رواية عن عائشة: أنه كان عنده رجل من عظماء قريش، وفي أخرى عنها: أنه كان عنده وجوه من قريش منهم أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وفي ثالثة عن مسروق عنها: أنه كان عنده عتبة وشيبة، وفي رواية عن أنس: أنه كان يكلم أبي بن خلف.
وفي خامسة عن ابن عباس: أنه كان يناجي عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب، وأبا جهل بن هشام، وفي سادسة عن أبي مالك: أنه كان يتصدّى لأمية بن خلف، وفي سابعة عن مجاهد: أن من استغنى هو عتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف.
وفي ثامنة عنه أيضاً: أنه كان (صلى الله عليه وآله) مستخلياً بصنديد من صناديد قريش.
وفي تاسعة عن الضحاك: لقي رجلاً من أشراف قريش.
وروايات الطبري في تفسيره أيضاً مختلفة.
ففي واحدة: أنه عتبة وأبو جهل، وفي أخرى: أمية بن خلف فقط، وفي ثالثة أبي بن خلف، وفي رابعة: رجل كثير المال، وفي خامسة: أنها نزلت في العباس، وفي سادسة: ذكرت عتبة وشيبة ابني ربيعة(13).
واختلف نقل ابن كثير أيضاً، ففي رواية أنس أنه ابن خلف، وفي رواية عائشة عظماء المشركين، ومثلها رواية أخرى أسندت إلى عروة بدل عائشة، وفي رواية ابن عباس. ذكر عتبة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب(14) وذكر تفسير النيسابوري عتبة وشيبة ابني
ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب(15).
وفي الفصل: أنه عظيم من المشركين على رواية وفي غيرها من الروايات جماعة(16).
وفي التسهيل: قيل: هو الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: أمية بن خلف، وقال ابن عباس: كانوا جماعة(17)،
وفي تفسير القرطبي: روى أهل التفسير أجمع أن قوماً من أشراف قريش.. وفيه أيضاً في كلام آخر له: رجل من عظماء قريش..
ونسب إلى المالكية: أنه الوليد بن المغيرة، ثم قال: قال قتادة: هو أمية بن خلف، وعنه أنه أبي بن خلف.
وقال مجاهد: كانوا ثلاثة، عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبي بن خلف وقال عطاء: عتبة بن ربيعة.
وعن سفيان الثوري: كان النبي (صلى الله عليه وآله) مع عمه العباس(18) وفي الكشاف كان عنده صناديد قريش، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة(19).
هذا وجميع المصادر المتقدمة للفريقين برواياتها وآراء مفسريها متفقة على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان حاضراً حين حدوث سبب النزول.
واختلاف هذه الروايات فيما بينها واضح جداً، ونظرة فاحصة لروايات عائشة وأنس ومجاهد تنبئك عن اضطرابها الشديد واختلافها، حيث نقلت الحادثة عن الراوي الواحد بعدة كيفيات كما اتفق في رواية مجاهد وعائشة مع تعارض هذه الروايات فيما بينها، وتعارضها مع باقي الروايات لاسيما اللتان وردتا من طرق أهل البيت (عليهم السلام) وهما غير متعارضتين وغير مضطربتين.
هذا ويضاف إلى ما ذكر: انقطاع أكثر هذه الروايات، لصغر كل من عائشة وابن عباس وأنس وكون الباقين من التابعين مع احتمال عدم كونهم أو بعضهم من المخلوقين آنذاك(20) مضافاً إلى وصف بعض هذه الأخبار بالغرابة(21).
وفي الجامع للقرطبي: وهذا كله باطل وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا الدين، ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما ولا حضرا معه إلى آخر ما قال(22).
نعم نسبه في روح المعاني إلى الوهم(23).
وفي الجامع أيضاً: وقال (صلى الله عليه وآله) في نفسه: إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد فأعرض عنه.
قال صاحب كتاب من وحي القرآن: ثم.. إن النبي (صلى الله عليه وآله) وهو الأوعى والأعرف بالقيمة الروحية التي يمثلها الإسلام في تقييم الأشخاص على أساس التقوى التي تجمع الإيمان والعمل، فلا يجوز أن ينسب إليه، احتقاره للمؤمنين في مسألة الإنتماء إلى مجتمع الدعوة التابع له، وهل كان النبي (صلى الله عليه وآله) يجتمع بالمؤمنين سراً، ليدفع عنه هذا الانطباع، حتى يكون مجيء الأعمى إلى مجلسه مفاجأة له(24).
أقول: وهو كلام سليم لكنه ذيَّله يقوله: «ونحن لا نريد أن نؤكد هذه الرواية أو نرفضها..» وهو عجيب بعد وضوح سقوط هذه الروايات لاشتمالها على ما لا يجوز نسيته إلى النبي (صلى الله عليه وآله).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التسهيل ص 178.
(2) البيضاوي ج5 ص 173. وغيره من التفاسير المذكورة في الهامش فراجع.
(3) التفسير الكبير ج16 ص55.
(4) التبيان ج10 ص 270.
(5) مجمع البيان ج10 ص 437.
(6) تفسير علي بن أبراهيم القمي ج2 ص 430.
(7) تفسير الصافي ج5 ص 284. وتفسير الميزان ج20 ص 199، وراجع تفسير البرهان ج4 ص 427 وتفسير نور الثقلين ج5 ص 508. وتفسير كنز الدقائق ج 14ص 132و133.
(8) الفخر الرازي ج16 ص55. وفتح القدير ج5 ص382 والنيسابوري في هامش الطبري المجلد12 ج30 ص25.
(8) التبيان ج10 ص268.
(9) مجمع البيان ج10 ص 437.
(10) تفسير البرهان ج4 ص427 ـ 428، كنز الدقائق ج14 ص 133.
(11) لاحظ الدر المنثور ج8 ص 415إلى 133.
(12) تفسير الطبري المجلد 12 ج30 ص 32.
(13) تفسير ابن كثير ج 4 ص 471 ـ 472
(14) تفسير النيسابوري الطبوع في هامش تفسير الطبري المجلد 10ج 30 ص 254. وما بعدها.
(15) الفصل ج4 ص 47 وتفسير القاسمي المجلد 7ج 17، ص 259 عنه.
(16) التسهيل ص 178.
(17) تفسير القرطبي ج19 ص 212ـ313.
(18) الكشاف ج4 ص 700.
(19) الهدى إلى ديت المصطفى ج1 ص 158ـ159، والصحيح من السيرة ج3 ص 157ـ158.
(20) جامع الأحكام ج19 ص 212.
(21) جامع أحكام القرآن ج19 ص 212.
(22) روح المعاني ج30 ص 38.
(23) من وحي القرآن ج24 ص 65.
(24) روح البيان ج10 ص331.
|