|
ذكر كثير من المتعرضين لتفسير هذه الآيات وجوهاً بلاغية قالوا إنها ترتفع إلى المستوى الإعجازي لبلاغة القرآن الكريم فقد قالوا: إن في هذه الآيات التفاتاً من الغيبة في قوله تعالى: {عَبَسَ} إلى الخطاب في قوله تعالى: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى}، كما هو الحال في سورة الفاتحة حيث بدأ بالغيبة {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم ثنى بالخطاب فقال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(1).
قال في الكشاف: إن في الأخبار عما فرط منه ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار(2).
وزاد النيسابوري في تفسيره: كمن يشكو جانياً بطريق الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجهاً بالتوبيخ(3).
وقيل: التفت سبحانه إلى خطاب نبيه لأن المشافهة أدخل في العتاب، بمعنى أي شيء يجعلك دارياً وعالماً بحاله ويطلعك على باطن أمره حتى تعرض عنه(4).
وقال في الميزان: وقيل ـ بناءً على كون المراد بالمعاتب هو النبي (صلى الله عليه وآله) ـ: أن في التعبير عنه أولاً بضمير الغيبة إجلالاً له لإيهام أن من صدر عنه العبوس والتولّي غيره (صلى الله عليه وآله)، لأنه لا يصدر مثله عن مثله، [والتعبير] ثانياً بضمير الخطاب إجلالاً له أيضاً لما فيه من الإيناس بعد الإيحاش والإقبال بعد الإعراض.
قال رحمة الله: وفيه أنه لا يلائمه الخطاب في قوله بعد: أما من استغنى فأنت له تصدى الخ. والعتاب
والتوبيخ فيه أشد مما في قوله تعالى: عبس وتولى، ولا إيناس فيه قطعاً(5). والتعبير بالأعمى لزيادة الإنكار(6).
وقيل: للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق(7).
وقال في الكشاف أيضاً: كأنه يقول: قد استحق عنده العبوس والإعراض عنه لأنه أعمى، وكان يجب أن يزيده لعماه تعطفاً وترؤفاً وتقريباً وترحيباً، ولقد تأدّب الناس بأدب الله في هذا تأدباً حسناً(8).
وفي تفسير المراغي: وقيل في معناه: إنه بسبب عماه كان يستحق مزيد الرفق والرأفة، فكيف يليق بك أن تخصه بالغلظة، وهذا كما تقول لرجلٍ جاءه فقير فانتهره وآذاه أتؤذي هذا المسكين الذي يستحق الشفقة ومزيد الحنان والعطف(9).
قال في الميزان: وفي التعبير عن الجائي بالأعمى مزيد توبيخ لما أن المحتاج الساعي في حاجته إذا كان أعمى فاقداً للبصر، وكانت حاجته في دينه دعته إلى السعي فيها خشية الله كان من الحري أن يرحم ويخص بمزيد الإقبال والتعطف، لا أن ينقبض ويعرض عنه(10).
وقيل أيضاً: إن في قوله تعالى: {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى}, {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} اختصاصاً، ومعناه إنكار التلهّي عليه، أي مثلك خصوصاً لا ينبغي له أن يتصدى للغني ويتلهّى عن الفقير(11).
وقيل في كلمة الترجي (لعل): إنها باعتبار من وجّه الخطاب إليه للتنبيه على أن الإعراض عنه مع كونه مرجو التزكي مما لا يجوز(12) وقيل في التعبير بتتلهى، بمعنى تتغافل، دلالة على الاستزادة في الأمر(13)، وهو التوغّل في التشاغل والإعراض الذي عوتب عليه. ثم إن في إشهار الخطاب دلالة على شدة العتاب(14).
قال في الميزان أيضاً: وفي الآيات الأربع عتاب شديد ويزيد شدة بإتيان الآيتين الأوليين في سياق الغيبة لما فيه من الإعراض عن المشافهة والدلالة على تشديد الإنكار، وإتيان الآيتين الأخيرتين في سياق الخطاب لما فيه من شديد التوبيخ وإلزام الحجة بسبب المواجهة بعد الإعراض والتقريع من غير واسطة(15).
يضاف إلى ذلك قوله تعالى: {كَلاَ} الذي فسره ـ كل من رأيته تعرّض لتفسيرها ـ بالزجر والنهي ولزوم الانتهاءعما سلف منه وقال في النهاية: إنها آكد في النفي والردع من كلا(16) وكأنه لم يكتف تعالى بهذا العقاب حتى زاد النهي تشديداً في الإنكار(17).
وهذا كله إنما يدل على شدة في العتاب منه تعالى، مع زيادة في القسوة، وإيغال في النكير، وحدّة في التوبيخ والتقريع في حق العابس، بسبب إيذائه الأعمى، والتغليظ عليه، والإعراض عنه، والعبوس في وجهه، والتلهّي والتشاغل عنه لعماه، لأجل التصدّي لغيره لغناه، وغير هذا، مما لا يصدر مثله عن مثله (صلى الله عليه وآله)، حتى استدعى منه تعالى أن يتكلم بلسان الغيبة إيهاماً لعدم صدوره منه لفظاعته، بل لم يكتف بهذا حتى أشهر عتابه ـ وفي التعبير بالعتاب نوع تلطّف وتخفيف ـ في عمل هو أقرب إلى التشهير منه إلى التربية والتعليم.
فهل كل هذا مع غيره مما يجيء إن شاء الله تعالى لائق بالنبي المعصوم بل بسيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم وأفضل خلقه تعالى على الإطلاق(18)؟!
ـــــــــــــــ
(1) البيان في تفسير القرآن ص 459.
(2) الكشاف ج4 ص701.
(3) تفسير النيسابوري المطبوع في هامش تفسير الطبري المجلد 12، ج30، ص29.
(4) فتح القدير ج5، ص382، روح البيان ج10 ص 331 وليلاحظ مجمع البيان ج10 ص 438.
(5) الميزان ج20 ص200.
(6) البيضاوي ج5 ص 173. روح البيان ج10 ص331، لاحظ الميزان ج20 ص200.
(7) نفس المصدر السابق
(8) الكشاف ج4 ص701 وليلاحظ محاسن التأويل للقاسمي ج17 ص258 رورح البيان ج10 ص 331.
(9) تفسير المراغي ج30 ص 40.
(10) الميزان ج20 ص 200.
(11) روح المعاني ج30 ص 41 تفسير النيسابوري المجلد 12 ج30 ص 27، روح البيان ج10 ص331 الكشاف مع هامشه ج4 ص 702 وفتح القدير ج5 ص 382.
(12) فتح القدير ج5 ص 382.
(13) تفسير المراغي ج30 ص 41.
(14) روح البيان ج10 ص 331.
(15) تفسير الميزان ج20 ص 200.
(16) النهاية ج4 ص199.
(17) علم اليقين في أصول الدين ج1 ص 456.
(18) تفسير القرآن العظيم ج4 ص 472.
|