|
قال الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} معناه قبض وجهه، وأعرض به، فالعبوس تقبض الوجه عن تكرُّه، والعبوس هو البسور وهو التقطيب وعبس فلان في وجه فلان مثل كلح(1) وقيل: قطب وجهه من ضيق الصدر(2).
{أَنْ جَاءهُ الأعْمَى} أي عبس لأن جاءه الأعمى(3). {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} خطاب للعابس، ومعناه: وما يعلمك لعله يتزكّى بالعمل الصالح على يديك لو كان العابس رسول الله، أو على يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو كان العابس غيره.(4) وفي تفسير القمي: أي يكون طاهراً أزكى.(5) ويحتمل تقدير (قل): فيكون قل وما يدريك لعله يتزكى.(6) {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} في دينه، أي يتذكر فيتعظ بما يعلمه من مواعظ القرآن وأوامره تعالى، ويفكر فيما أمر بالفكر فيه(7). قال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}(8). وقال تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ}(9).
{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} أي من كان عظيماً في قومه واستغنى بالمال عن الإيمان والقرآن(10) وقيل: ومعناه: أما من كان غنياً أو وجدته موسراً(11). قال تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}(12) {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} أي تتعرض له وتقبل عليه بوجهك(13) {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى} خطاب للعباس على وجه(14) وللنبي صلى الله عليه وآله على وجهٍ آخر، بتقدير قل يا محمد: {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى}(15). والتزكّي هو التطهُر من الذنوب، وأصله الزكاء وهو النماء، فلما كان الخير ينمي للإنسان بالتطهر من الذنوب كان تزكياً(16)
{وَأَمَّا مَنْ جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى} أي يسعى في الخير وهو يخشى الله(17) أو يخشى معصية الله والكفر(18). قال تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى}(19)، وقال تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى}(20) وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}(21)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 38/
والخشية هنا بمعنى الحذر عن مقارفة المعصية خوفاً من عقاب الله تعالى(22).
{فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}. التلهّي عن الشيء هو التروح بالإعراض عنه والمعنى(23). فأنت تتغافل وتشتغل عنه بغيره(24).
(كلا) أي لا تعد لذلك وانزجر(25). أو ليس الأمر ينبغي أن يكون على ذلك(26).
وقيل: قوله كلا دال على أنه ليس له أن يفعل ذلك في ما يستأنف فأما الماضي فلا يدل على أنه معصية لأنه لم يتقدم النهي عنه(27) {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} أي إن آيات القرآن أو السورة تذكير وموعظة للخلق(28).
ـــــــــــــــ
(1) لاحظ التبيات ج10 ص 268 ومجمع البيان ج10. ص 438.
(2) تفسير المراغي ج 30ص 38.
(3) لاحظ التبيان ج 10 ص 268 ومجمع البيان ج10 ص 438.
(4) المصدر السابق.
(5) تفسير القمي ج2 ص431.
(6) التبيان ج10 ص269.
(7) المصدر السابق.
(8) سورة الذاريات الآية 55.
(9) سورة الرمز الآية 9.
(10) لاحظ مجمع البيان ج10 ص 438 والتفسير الكبير ج31 ص56.
(11) التبيان ج10 ص 270.
(12) سورة العلق الآية 7.
(13) مجمع البيان ج10 ص 438 والتفسير الكبير ج 31 ص 56 والكشاف ج4 ص 570.
(14) التفسير الكبير ج31 ص 56 وتفسير المراغى ج 20، ص40.
(15) التبيان ج10 ص 270.
(16) المصدر السابق.
(17) مجمع البيان ج10 ص 428.
(18) التبيان ج10 ص 270.
(19) سورة طه الآية 3.
(20) سورة الأعلى الآية 10.
(21) سورة المؤمنون الآية 56 إلى 60.
(22) التبيان ج10 ص 270.
(23) المصدر السابق.
(24) مجمع البيان ج10 ص 438.
(25) المصدر السابق.
(26) التبيان ج10 ص 270.
(27) التبيان ج10 ص 271. ومجمع البيان ج10 ص437.
(28) مجمع البيان ج10 ص 271ومجمع البيان ج10 ص 437. |