1ـ سبب النزول:

     

 
نقلت كتب الحديث والتفسير عند العامة الكثير من الروايات المبينة لسبب نزول هذه الآيات وقد اقتصرنا على واحدة هي من أجمع الروايات في الباب وأكثرها استيعاباً وتوضيحاً لما في الروايات الأخرى، وهي التالية:
روى الطبري بسنده إلى ابن عباس: قال بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وكان يتصدى لهم كثيراً ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن، وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعبس في وجهه وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} فلما نزل فيه أكرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكلمه، وقال له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ وإذا ذهب من عنده قال له هل لك حاجة في شيء، وذلك لما أنزل الله {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى}(1).
أما كتب الإمامية فليس فيها سوى روايتين:
ففي تفسير علي بن إبراهيم القمي: قال: نزلت في عثمان وابن أم مكتوم، وكان ابن أم مكتوم مؤذناً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان أعمى، فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أصحابه وعثمان عنده فقدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عثمان، فعبس عثمان وجهه وتولى عنه، فأنزل الله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} أي يكون طاهراً زكياً، أو يذّكر، قال: يذكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتنفعه الذكرى.
ثم خاطب عثمان فقال: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} قال: أنت إذا جاءك غني تتصدى له وترفعه وما عليك ألا يزكى، أي لا تبالي زكياً كان أو غير زكي إذا كان غنياً، وأما من جاءك يسعى، يعنى ابن أم مكتوم، {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} أي تلهو ولا تلتفت إليه(2).
والرواية الأخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): أنها نزلت في رجل من نبي أمية كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) فجاءه ابن أم مكتوم، فلما رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه(3).
ـــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري المجلد 12 ج 30 ص 33، وليلاحظ الدر المنثور ج8 ص 416.
(2) تفسير القمي ج2 ص430، ونور الثقلين ج5 ص 508، والبرهان ج4ص 427. وكنز الدقائق ج14. ص 132كل ذلك عنه.
(3) مجمع البيان ج10 ص 437 والبرهان ج4 ص 428. عنه.

     

فهــرس الكتــاب

     

المركز الإسلامي للدراسات