أسئلـــة وأجوبـــة

العودة

فروقات لا تجدي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

السؤال:
 
بسم الله الرحمن الرحيم



سماحة السيد جعفر مرتضى العاملي حفظكم الله تعالى
اسمحو لي أن أطرح هذه التساؤلات حول ما تفضلتم به من إشكالات حول رأي السيد فضل الله بمعاملة الولد لوالديه من خلال التالي..
سيدنا الكريم..
أوليست المسألة المذكورة واردة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب المسائل الفقهية كما في كتاب فقه الشريعة مما يعني أنها تختص بالوالدان المعتقدان لا المخالفان في اعتقادهما للابن فالمسالة الواردة في كتاب المسائل الفقهي كان السؤال فيها متوجهاً إلى عنوان الضرب والإغلاظ تحديداً لا عن ماهية التعامل مطلقاً ليختار السيد عنوان الضرب ويفضله وإليكم المسألة حرفياً كما أنقلها..
م753 ـ كيف يتصرف المؤمن مع الأب أو الأم إذا صدر منهما المنكر أو ترك المعروف وذلك من جهة جواز أو وجوب الإغلاظ عليهما في القول وجواز أو وجوب الضرب أو أن لهما مع الابن وضعاً خاصاً؟
ـ إذا توقف الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر على الإغلاظ في القول أو الضرب أو الحبس أو نحو ذلك جاز أو وجب القيام به لأن ذلك من مصاديق البر بهما ولكن لابد من التدقيق في دراسة الوسائل ـ من الناحية الواقعية ـ في ضرورتها أو جدواها وعدم التسرع في ذلك فلا يقدم على التصرفات السلبية قبل اقتناعه بها بطريقة شرعية حتى لا يختلط عليه مورد البر بمورد العقوق.
وكذلك ما ورد من مسالة في فقه الشريعة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأوردها لكم تحديدا هنا..
ـ إذا توقف أمر الوالدين بالمعروف من قبل الولد على الإغلاظ في القول أو الضرب أو الحبس أو نحو ذلك جاز أو وجب القيام به، لأنَّ ذلك من مصاديق البرّ بهما، ولكن لا بُدَّ من التدقيق في دراسة الوسائل ـ من الناحية الواقعية ـ في ضرورتها أو جدواها وعدم التسرّع في ذلك، فلا يقدم على التصرفات السلبية قبل اقتناعه بها بطريقة شرعية حتى لا يختلط عليه مورد البِر بمورد العقوق.
وبالنسبة إلى مقارنتها بمسألة نشوز الزوجة وعلاقة الزوجة بها أوليس هذا سيدنا قياس مع الفارق لأن أحكام النشوز قد يكون لها مراتب مخصوصة أكثر كعنوان من عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن داخلت معها وهو ذات ما وضحه السيد في المسألة المذكورة في كتاب المسائل الفقهية أو كتاب فقه الشريعة..
وإليكم نص الأولى.. من كتاب المسائل الفقهية ..
ما هو الواجب على المكلف تجاه زوجته التي لا تلتزم الحجاب الشرعي وقد حاول معها مراراً بالإقناع فلم تلتزم وما حكم صلاتها وعبادتها..
ـ الواجب عليه أن يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يمارس بعض الضغوط الخفيفة الذكية التي لا تخلق مشكلة كبرى ولا يجب عليه طلاقها مع امتناعها عن الاستجابة إلى ذلك أما صلاتها وعبادتها فهي صحيحة مع استجماعها للشرائط.
ألا يلاحظ سماحتكم أن المسالة جاءت وفق ظرف السؤال الذي تساءل فيها عن الأسلوب الذي يأتي بعد أساليب الإقناع التي لم تنفع فنصحه السيد بالمراتب الأخرى من خلال الضغوط الذكية التي تحل المشكلة ولاتجعلها تكبر.. وهكذا فاتجه إلى بيان المرتبة التي تلي هذه المرتبة وهل على السيد أن يعطي جميع المراتب ثم تحدث عن عنوان الزوجية الذي لا يبرر وجوب الطلاق ما لم يتحقق الاقتناع من جهة الزوجة كحكم شرعي إذا ما أراد السائل أيضاً هذا المعنى.
ألا يدل على ذلك سيدنا الإجابة المفصلة في فقه الشريعة في نفس الباب وهي هنا كما أنقلها لسماحتكم..
الواجب على الزوج تجاه زوجته أن يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر كما يأمر غيرها من النّاس، وإن كان بإمكانه استخدام بعض الوسائل الذكية الضاغطة بحرية أكبر، وما ذكرته الآية الكريمة من جواز ضربها عند نشوزها لا يخرج عن الجوّ العام لأحكام الأمر والنهي، لذا فإنه لا يجوز ضربها إلاَّ بعد الموعظة والهجر، كما أنَّ للنشوز بعض تفاصيل قد تميّزه عن مراتب الأمر والنهي، فهو حالة خاصة أَوْكَلَ الإسلام أمر علاجها للزوج ضمن إطارها الخاص، وفيما عدا ذلك فإنَّ علاقته بها يجب أن تتمّ ضمن الإطار العام لنظام العلاقات في الإسلام.
أوليست المسائل الفقهية لا يمكن نقاشها دون لحاظ استدلالها الفقهي بشكل مستقل.. هل يجوز فيها المقارنة بين مسائل فقهية متعددة قد تحمل مشتركاً ولكنها تظل مسألة أخرى قائمة بذاتها لا يمكن استخدام القياس فيها.. أوليس هو ذات ما اتبعتموه وأشرتم إليه وأشكلتم فيه.
سيدنا : لقد ذكرتم أن المعرفة والاعتقاد لا يغير وجه الحكم كما نفيتم أن تكون الآية ليست بمعزل عن موضوع العلم والاعتقاد بل هي نص فيه .. والحال كما ألاحظ أن الآية متوجهة إلى الابن في تعامله مع الأب الذي لا يعتقد أساساً وله خلاف عقائدي مع ولده فتأمر الابن بالمعروف معه! ولو كانت المعرفة والاعتقاد لا يؤثران في المسألة فلماذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معهما وعلى أي أساس وعلى أي أساس اعتمد السيد الخوئي والشيخ التبريزي في فتوتهما بجواز ضرب الابن لوالديه في حالة علمهما وإصرارهما على ذلك! كما أن عدم مسألة الإلحاد محرزة في كسب الود والمعروف بالوالد لشموله بالآية الكريمة ولعدم معرفته واعتقاده مما يخرجه من دائرة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تختص بالمعتقد العارف وانطلاقاً من ذات الآية أولاً تخصيصاً وآية {لا إكراه في الدين} ثانياً فلا أعرف وجه الاستنكار في ذلك سيدنا..
كما أن ذلك جميعه كما أتصور يلاحظ فيه السيد ظروف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأسلوب الملائم وتنوعه وتدرجه دون إطلاق أو حسم في هذا الاتجاه كما ذكر ذلك في رسالته.. ومسألة الضرب تأتي في مؤخرة الأساليب. كما أنه عد مسألة الضرب بالتي لا تكسر ولا تؤثر وإن توقف على هذا فله أخذ الإذن من الإمام أو نائبه وهكذا.. كما أنه لابد ان يعرف تأثير ذلك لتحقيق الغرض وإلا فلا وهكذا.. وما تنقلونه للسيد في مسألة الزوجة مع زوجها يأتي بعنوان الأساليب والتدرج في ذلك من باب تقديم الأفضل في ذلك لا من جهة الإطلاق في ذلك وإلا فحكم الناشز واضح لدى الجميع بما فيهم السيد فضل الله.
سيدنا ألا ترون بأن جميع هذه الإشكالات لا تدخل في باب التناقضات وإن دخلت كما تشكلون فلأنني ألاحظ إعمالكم القياس بين مسائل مختلفة ووفق ظروف خاصة حددت الأسلوب تدرجاً أو وفق ما سأل عنه السائل.
سيدنا لا أعرف أين الإشكال في إجابات السيد فضل الله في خصوص هذه المسألة الفقهية لاسيما وأنها مطابقة لما ورد من بعض الفقهاء ومنهم السيد الخوئي والشيخ التبريزي بل وإن السيد الخامنئي لما سئل عن نفس المسألة وضح بأنه مع عدم اعتقادهما لا يجوز التعامل بالغلظة بل بالتودد الخ المسألة ..
وأخيرا سيدنا ألا تلحظون بأن المسائل الفقهية تابعة لأدلتها وأن نقاشها بهذه الطريقة يخرجها من كونها تخصص قائم بذاته لابد من عدم مناقشته ولا يمكن للعامة فهمه وبالتالي فلابد من الرجوع في ذلك له من خلال أصل المسألة وهو جواز الرجوع لهذا الفقيه أو عدم جوازه من خلال ملاحظة من يرجع لهم المكلف من أهل الخبرة تحديداً وهو تكليف شرعي خاص فيه ولا يستثنى من هذه الشروط السيد فضل الله.
أفيدونا حول ذلك حفظكم الله ورعاكم ودعواتكم

الجواب:
 

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد..
فقد ذكرتم في رسالتكم عدة أمور لا مجال لقبولها.. وضيق المجال يضطرنا للإقتصار منها على ما يلي:
1ـ ذكرتم أن مسألة ضرب الوالدين واردة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلتم : إن ذلك معناه أنها تختص بالوالدين المعتقدين، ولا تشمل المخالفين في الاعتقاد..
2ـ وذكرتم أيضاً: أن السؤال في تلك المسألة كان عن عنوان الضرب والإغلاظ تحديداً، لا عن ماهية التعامل مطلقاً ليكون السيد محمد حسين قد اختار عنوان الضرب، وفضله على غيره من الأساليب.
3ـ وذكرتم أن مسألة ضرب الزوجة واردة لبيان أحكام نشوز الزوجة، وقد يكون لأحكام النشوز مراتب مخصوصة أكثر من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإن تداخلت معها.
ثم قلتم: إننا نستطيع أن نفهم أنكم تريدون بهذا إظهار وجود فرق جوهري بين هذه المسائل، فلا يوجد أي اختلاف فيما بينهما..
ونقول:
أولاً: إن ادعاء وجود فرق بين الوالد المعتقد، وغير المعتقد لا يفيد في رفع التنافي بين المسألتين، إذ المقصود بالأب الذي يحمل أفكاراً إلحادية، ليس هو خصوص من كان كافراً عن ملة.. بل هو من يعد نفسه مسلماً، ولا يرى أن أفكاره هذه تخرجه عن الإسلام..
وحتى لو كان يرى ذلك، وكانت موجبة لخروجه من الإسلام فعلاً، فإنه يصير مرتداً عن فطرة، فحاله أشد من حال المعتقد العاصي، لأن حكم المرتد عن فطرة معلوم لدى كل أحد..
فما معنى هذا التساهل معه، وذلك التشدد مع ذلك الأب المعتقد؟!..
ثانياً: إن الذي تدافعون عنه قد صرح بجواز الضرب والعنف حتى للوالد الضال في سبيل هدايته نشرة بينات العدد 154 بتاريخ 20/رجب/1420 هـ. وواضح: أن الضلال ينسجم مع عدم الاعتقاد أيضاً، وهو يستبطن الخلاف العقائدي، بمختلف مستوياته وقد فسر قوله تعالى: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} الآيتين 6 و 7 من سورة الفاتحة. بمن تعلمون..
وملاحظة كلمة >الضلال< في القرآن توضح: كيف ينسجم الضلال مع مراتب الكفر والشرك..
فكيف يتساهل ذلك البعض، مع الأب غير المعتقد تارة.. ويتشدد معه أخرى؟!
وأما بالنسبة للرفق بالزوجة التي لا ترضى بالحجاب.. ومقارنته بحكم ضرب الأبوين.. فهو أيضاً غير مقبول، وذلك لما يلي:
أولاً: إن ادعاء أن حديثه عن الرفق بالزوجة إنما هو بملاحظة أحكام مراتب نشوزها لا بملاحظة مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. لا يصح، لأن الحجاب لا ربط له بالنشوز، ولا هي من مراتبه، بل إصرار على فعل منكر، ويجب ردعها عنه، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
ثانياً: إن السائل نفسه قد نقل أيضاً عن السيد محمد حسين فضل الله كلاماً يصرح فيه بأن حديثه عن الزوجة، وممارسة بعض الضغوط عليها، هو بلحاظ مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا بلحاظ مراتب النشوز، فقد قال في فقه الشريعة:
>الواجب على الزوج تجاه زوجته أن يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، كما يأمر غيرها من الناس، وان كان بإمكانه استخدام بعض الوسائل الذكية الضاغطة بحرية اكبر.
وما ذكرته الآية من جواز ضربها حين نشوزها، لا يخرج عن الجو العام لأحكام الأمر والنهي<..؟.
فهو يصرح إذن: بأن الضرب في حال النشوز هو من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويصرح بأن مراده بالضغوط الخفيفة التي يجوز للزوج أن يمارسها، هو ما يدخل في خصوص مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
بل إن تصريحه بعد ذلك، بأن للنشوز تفاصيل أخرى، قد تميزه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. يدل على أنه يرى أن ما ذكرهما أولاً، وهما الضرب حال النشوز، وممارسة بعض الضغوط عليها، قد ذكرهما بما هما مجمع للعنوانين معاً..
فإذا كان الأمر كذلك، فالسؤال هو: لماذا ميز بين الزوجة وبين الأبوين في إجابته التي أشرنا إليها في المسائل الفقهية، والزم الزوج فقط بلزوم ممارسة ضغوط خفيفة، بشرط أن لا تسبب مشكلة كبيرة؟!!
فاتضح بذلك: أن مقايسة مسألة ضرب الأبوين، بمسألة نشوز الزوجة، ليس مع الفارق بل هما من واد واحد، كما أوضحناه، من نفس كلامه، وفقاً لما نقلتموه عنه أنتم.
ثالثاً: قلتم: إن ما ذكره البعض حول مسألة الضغوط الخفيفة على الزوجة المتبرجة، يأتي بعنوان الأساليب والتدرج في ذلك من باب تقديم الأفضل. لا من جهة الإطلاق في ذلك. وإلا فحكم الناشز واضح لدى الجميع، بما فيهم السيد فضل الله..
ونقول: إن هذا يناقض صريح السؤال الذي قال: >ما هو الواجب على المكلف تجاه زوجته.. الخ..<.
ويناقض صريح جوابه الذي قال: >الواجب عليه أن يأمرها.. الخ..<.
إذ أن هذا صريح في أن الكلام إنما هو فيما هو الواجب.. وأنتم تقولون: إنه يتحدث عن الأفضل فقط، وشتان ما بينهما.
4ـ وأما اتهامكم لنا بأننا قد اتبعنا القياس فيما ذكرنا في هذا المورد، فنقول: إذ كان هذا القياس منصوص العلة، من قبل من نقيس بعض كلامه على بعض كلامه الآخر.. فلا مانع من استعماله..
ولكن القياس الممنوع هو القياس المستنبط العلة.. وقد ظهر أن استنباطكم الفارق بين المسائل لم يكن في محله..
5ـ وأما قولكم: إن ذلك البعض قد لاحظ ظروف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون إطلاق أو حسم، فهو غير مقبول، إذ أنه قد حسم الأمر في المسائل الفقهية بالنسبة للزوجة، وبالنسبة للأب الذي يحمل أفكاراً إلحادية، وبالنسبة للأقارب الذين يتركون الصلاة.. ولم يشر فيها جميعاً إلى أي مرتبة أخرى من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
6ـ وأخيراً نقول: إن ذلك البعض هو الذي يدافع عن نفسه، وأما دفاع الآخرين، فلعله لا يرضاه هو، ولا يقر به، ويستطيع أن يقول لكل أحد: ليس هذا مرادي..
والحمد لله رب العالمين..

جعفر مرتضى العاملي


 

 

العودة

 
 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003