أسئلـــة وأجوبـــة

العودة

عقيدتنا في آباء النبي صلى الله عليه وآله

عقيدتنا في آباء النبي صلى الله عليه وآله

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

السؤال:
 


 
بسم الله الرحمن الرحيم



مولانا المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي حفظكم الله وأيدكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
سؤال: ما هي العقيدة في آباء وأمهات النبي صلوات الله عليه وعلى آله والأئمة صلوات الله عليهم من ناحية (أنهم يجب أن يكونوا موحدين)؟؟..
وما قول سماحتكم حفظكم الله في قول هذا إجابة أحد الأشخاص عن هذا السؤال:
س: إذا قلنا إن والد إبراهيم عليه السلام لم يكن موحِّداً، فهل يضر ذلك بعصمته؟
ج: ما دخل ذلك في عصمته؟! العصمة هي أن يكون النبي حقاً في عقله وفي قلبه وفي كلامه وفي حياته وفي سلوكه، وأما أن يكون أبوه موحداً أو غير موحد فذلك أمر لا يدخل في العصمة، كما أن ذلك لا يضر به، بل ربما يزيد في شأنه بأنه تمرد على كفر أبيه من موقع حرية الفكر في عقله، وليس لخبث الأب علاقة سلبية في شخصية الابن، فقد يخرج الله الطيب من الخبيث ولا يؤثر ذلك في طيبته.
والعلماء يقولون إنه لا بد أن يكون آباء الأنبياء موحدين، لكنهم لا يشترطون أن تكون أمهاتهم في امتداد النسب موحدات، فعلى سبيل المثال، فإن أم الإمام الصادق عليه السلام هي فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وقد قال الإمام عليه السلام: >ولدني أبو بكر مرتين< ولما كان آباء أبي بكر غير موحّدين فمن ذلك نعرف أنّه لا اشتراط في كون أمهات الأنبياء أو الأئمة في امتداد النسب موحدين.
وهذا يوحي بأنّ الإيمان بالتوحيد في امتداد النسب ـ للأب والأم ـ لا علاقة له بالجانب القيمي للنبي، لأن ذلك يتصل بطهارة المولد ونقاء النسب، فالوارد عندنا أن آباء الأنبياء لا بد أن يكونوا طاهرين بنكاح غير سفاح، وهذا ما وردت فيه الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام. علماً أن مسألة أن يكون آباء الأنبياء موحّدين ليست من العقائد الأساسية التي تدخل في صلب العقيدة، بل هو من الموضوعات النظرية المثيرة للجدل في فهم الكتاب والسنة.
تحياتي وخالص دعائي لكم..

الجواب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
وبعد..
فإنه لا شك في أن آباء النبي صلى الله عليه وآله إلى النبي آدم عليه السلام مؤمنون موحدون، وقد أجمع الشيعة على هذا الأمر.. ودلت عليه الروايات الكثيرة. وهي مروية في كتب الشيعة والسنة.
وهناك خمس رسائل بعنوان: الرسائل التسع، مطبوعة في حيدرآباد الدكن ـ الهند سنة 1380 من تأليف السيوطي، تتحدث كلها عن هذا الأمر، وقد ساق فيها روايات كثيرة حول هذا الموضوع، فراجع..
وما نريد أن نشير إليه هنا هو الأمور التالية:
1 ـ قوله: إن الإيمان بالتوحيد في امتداد النسب للأب وللأم لا علاقة له بالجانب القيمي للنبي..
وكذا قوله: إن كفر أبيه ربما يزيد في شأنه..
غير دقيق..
أولاً: لأنه إن كانت هذه فضيلة ـ كما ذكر هذا البعض ـ فيجب عندها أن يكون آباء الأنبياء كافرين منذ النبي آدم عليه السلام.. لأن الله يريد لأنبيائه أن يكونوا حائزين على الفضائل والكمالات الذاتية، والعارضية..
ولكن يبقى النبي آدم المسكين!! محروماً من هذه الفضيلة.. كما أن المصيبة الأعظم تقع على إسماعيل وإسحاق، لأن أباهما كان نبياً..
ثانياً: إن لصفاء الأعراق من ظلمات الشرك، ومن الصفات الذميمة، أثراً في طهارة نفوس الذرية، وقد ثبت أن العرق دساس، وهكذا الاعتقاد الفاسد، فإن له تأثيره على نفس المعتقد، من حيث إيجابه ظلمات وأدواءً فيها، كما أن له آثاره السلبية على كل نسله، وها نحن نقرأ في زيارة الأئمة عليهم السلام: >أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة<..
ثالثاً: إن من يكون وضيعاً في نسبه، أو من سلالة كافرة، فإن ذلك سوف يترك أثره على نفسه، ويثير فيه شعوراً غير حميد، وسيتضاءل لديه الشعور بالعزة والكرامة.. ويعتبر أن ذلك يمسه ويعنيه.. كما أن الآخرين سوف يعتبرون أن لهم تميزاً عليه، ولديهم خصوصية يفقدها.. وسوف يجد من يعيّره بكفر الآباء والأجداد، ويطعن عليهم بهم وبسببهم..
2 ـ أما قوله: فالوارد عندنا أنه لا بد من طهارة آباء الأنبياء بنكاح غير سفاح. فهو يوحي بأن هذا فقط هو ما ورد الحديث به، وذلك بملاحظة قوله: فالوارد عندنا.. وبملاحظة: أنه قد نسب القول بلزوم توحيد آباء الأنبياء إلى العلماء، ولم يشر إلى وجود أية رواية فيه..
وهذا بطبيعة الحال يدخل في دائرة التدليس على الناس العاديين، الذين لا يعلمون ماذا هناك، وهو عمل ينافي الأمانة والأخلاق، وما أشد وقع الخيانة إذا كانت تتعلق بأمر ديني، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك..
4 ـ وأما الحديث عن أن إيمان آباء الأنبياء ليس من الاعتقادات، بل هو موضوع نظري مثير للجدل في فهم الكتاب والسنة.. فهو أغرب وأعجب.. فإنه إذا ثبت إيمانهم بإخبار المعصوم عنهم بذلك، فلماذا يثور الجدل في الكتاب والسنة، بسبب الاعتقاد بصحة ما أخبر عنه المعصوم؟!.. وما هو وجه الربط بين هذا وذاك؟!
5 ـ وعلى كل حال.. فإننا نذكر القارئ هنا ما ذكرناه في كتاب >خلفيات مأساة الزهراء< خلفيات مأساة الزهراء ج1 ص451 ـ 455 ط سنة 1422 هـ. وهو ما يلي:
ونقول:
1 ـ إننا لا نريد أن نتصدّى في هذه العجالة لبحث هذا الموضوع فنأتي بالروايات التي رويت في كتب الفريقين، مما دل على إيمان آباء رسول الله صلى الله عليه وآله.. فإن هذا الكتاب ليس كتاب بحث واستدلال، وإنما هو مخصص لبيان أقاويل جاء بها البعض.. لا مجال لقبولها في نفسها، أو في سياقها الذي وضعت فيه.
ويكفي أن نشير هنا إلى أنه حتى أهل السنة، فإنهم قد ألفوا كتباً في هذا الموضوع، وذكروا فيها الروايات التي تفيد في بيان هذا الأمر..
ومنها:
الف: مسالك الحنفا في والدَي المصطفى.
ب: الدرج المنيفة في الآباء الشريفة.
ج : المقامة السندسية في النسبة المصطفوية.
د: التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله في الجنة
هـ : السبل الجلية في الآباء العلية.
وكلها مطبوعة بعنوان الرسائل التسع ـ للسيوطي في الهند ـ حيدر آباد الدكن سنة 1380هـ .
2 ـ إنه إذا كان هذا البعض يلتزم بأن النفي يحتاج إلى دليل، كما الإثبات يحتاج إلى دليل.. فأين هو دليله على النفي، فإن غاية ما جاء به هو أن علق على بعض أدلة المثبتين.. ولم يأت بدليل يثبت مقولته هذه..
3 ـ إن الدليل المطلوب من هذا البعض ـ على الخصوص ـ لابد أن يكون مفيداً لليقين، ولا يكفيه الاستدلال بالظواهر الظنية، وبالأدلة المعتبرة في خصوص الأحكام.. لأنه هو نفسه يقرر لزوم هذا النوع من الأدلة فيما يرتبط بالتاريخ، وبالأشخاص، وبالتفسير، وفي مختلف شؤون الحياة، وسائر المعارف.. ويرفض الاستدلال عليها بالأدلة المعتبرة في الأحكام الشرعية الفقهية ويقول: هي حجة فيها دون سواها.
4 ـ إن هذا البعض قد ناقش الاستدلال بالآية، على أساس أنه يكفي في صدق تقلبه أن يكون بعض آبائه من الساجدين.
ولكن من الواضح: إنها مناقشة لا تصح.
فأولاً: إن الظاهر هو أن هذه الآية واردة مورد الامتنان على رسول الله صلى الله عليه وآله، فحملها على العموم والشمول يكون هو الأظهر، والأنسب بمقام الإمتنان الإلهي.. وبيان الرعاية الإلهية له صلى الله عليه وآله..
ثانياً: إن الجمع المحلى بالألف واللام يفيد العموم بإجماع العلماء كما هو مقرر في علم الأصول راجع: مفاتيح الأصول. وكلمة الساجدين جمع محلى بالألف واللام، فهي تدل على العموم.
5 ـ إن دعواه أن ظاهر الآية هو تقلب النبي صلى الله عليه وآله بين عباد الله الساجدين باعتبار استغراقه في السجود لله سبحانه .. لا مجال لقبولها.. فإن غاية ما هناك أن يكون ذلك محتملاً في معنى الآية بصورة بدوية.. فإذا جاء التفسير عن المعصوم ليعيّن أحد الاحتمالين.. فإنه يتعين، وينتفي الاحتمال الآخر.. لأن الأئمة أعرف بمقاصد القرآن من كل أحد.. فلا تكون الرواية المروية عنهم مخالفة لظاهر القرآن لمجرد أنها عينت هذا الاحتمال وأكدت أنه هو المقصود دون ذاك.
فلا يصح قوله:
>إذا كانت بعض الأحاديث تدل على إرادة خلاف الظاهر.. الخ<.
6 ـ بقي أن نشير إلى قوله:
>ليس المقصود أن أجداد النبي صلى الله عليه وآله بأجمعهم أنبياء.. بل يكفي في صدق الآية أن يتقلب في أصلاب بعضهم، دون أن تنفي تقلبه في أصلاب غيرهم..<.
فقد ظهر: أن إرادة هذا المعنى لا تنسجم مع مقام الامتنان، كما أن نفس الرواية ظاهرة في العموم والشمول لجميع أجداده صلى الله عليه وآله، حيث تقول: يرى تقلبه في أصلاب النبيين، من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه.
فإن التعبير بحتى التي جاءت لبيان الغاية، قد أظهر.. أن تقلبه في الأنبياء قد استمر من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه.. ولا يتناسب هذا التعبير مع إرادة الموجبة الجزئية..
7 ـ إن من الواضح: أن النبوة لها حالاتها، فهناك نبي مرسل إلى الأمة وهناك من أرسل إلى قوم، وإلى عشيرة، وإلى حيّ، وقد يكون نبياً يكلمه الملك، ويخبره عن الله، وليس مرسلاً لأحد.. بل يعيش هو حالة الصلاح في نفسه، ويكون الكمال المتجسد الذي يرى فيه الناس ـ دون أن يكون مأموراً بشيء تجاههم ـ الإنسان الإلهي المتوازن، والمرضي في كل حالاته.. فيهيؤهم ذلك لأجواء الإيمان، ويثير في فطرتهم كوامن الخير والصلاح، والإيمان والتقوى..
وعلى هذا الأساس، فلا ضير في أن يكون جميع آباء النبي الذين خرج من اصلابهم أنبياء إلى آدم، وإن لم تكن لهم دعوة، ولا رسالة تختص بهم، فيكون عبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله، وعبد المطلب وكذلك آباؤه جميعاً لهم هذه الصفة، وإن اختلفت مقاماتهم، ومهماتهم.. حسبما ذكرنا.
8 ـ ويؤيد ذلك أيضاً: ما ورد من أن الأرض لا تخلو من حجة، إما ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ومَن أولى من آباء رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا المقام؟!
9 ـ ويبقى إجماع شيعة أهل البيت عليهم السلام، الذي لم يقبل هذا البعض بأن يكون تعبدياً، لأن من المحتمل أن يكون مستندهم فيه هو أدلة الشيخ المفيد..
ونقول:
إن حديثه عن تعبدية الإجماع هنا غريب وعجيب، فإن هذا الإجماع ليس على حكم شرعي، ليوصف بالتعبدية تارة وتنفى عنه أخرى.. بل هو إجماع يكشف لنا عن أن هذا الأمر الذي لا يُعرف إلا من أهله ولا طريق إلى معرفته بالعقل، قد قرره أهله وهم الأئمة الطاهرون المعصومون، وتحدثوا عنه وذكروه للناس وصرحوا به، وقالوا: إن آباء النبي كلهم مؤمنون من آدم عليه السلام إلى عبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه وآله، لأن العلماء لا يقولون ذلك من عند أنفسهم، فهو علم من ذي علم.
وواضح أن من يريد التعرف على أي مذهب، فإنه يرجع إلى الأتباع الذين هم أعرف بقول إمامهم.
أضف إلى ما تقدم: أنه لو كان الإجماع تعبّدياً للزم أن يكون الإجماع على الإمامة تعبّدياً أيضاً، فهل يحكم هذا البعض برده لكونه مستنداً إلى الأدلة؟! .. فهل هذا المنهج الاستدلالي صحيح أيضاً؟!..
10 ـ وقال هذا البعض في آخر كلامه:
>لا قبح من ناحية العقل في كونهم كفاراً، إذا كان النكاح شرعياً لا زنا<.
وظاهر كلامه هذا: أن القبح موجود فيما إذا لم يكن النكاح شرعياً..
فهل يريد أن يقول: إن شرك الآباء لا قبح فيه من ناحية العقل، أما الزنا ففيه قبح من هذه الناحية العقلية؟!
والسؤال هو: ما هو الفرق بين الأمرين؟ من الناحية العقلية البحتة؟! ولماذا قبح هذا ولم يقبح ذاك؟!
يقول البعض:
>استدل الشيعة الإمامية على أن هذه الآية من سورة الشعراء:
{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} تدل على أن جميع آباء النبي موحدون وأن معناها تقلبك في الساجدين الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبياً. وقد روي عن الإمامين أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: يرى تقلبه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم (ع).
ولكن ذكرنا في تفسيرنا (من وحي القرآن)، أن المراد من الآية بحسب الظاهر من السياق، وقد ذكره جمع من المفسرين: يراك في تقلبك في الساجدين المصلين الذين يصلون معك، أو يراك في تحركك في أجواء السجود مع الفريق الذي يسجد لله خشوعاً، في ما يمثله مجتمع الساجدين العابدين الذي تتقدمه أنت في الموقع الطليعي فيه، والله العالم. أما الرواية، فلا دلالة فيها إلا على طهارة الآباء من الولادة بالزنا< بينات عدد 157 بتاريخ 11 شعبان1420هـــ 19 تشرين الثاني 1999م.
وقفة قصيرة:
ونذكر هنا:
1 ـ إن ما قدمناه في الفقرة السابقة يكفي لبيان عدم صحة ما ذكره هذا البعض هنا.. ولسنا بحاجة إلى التذكير بأنه إذا كان أهل البيت قد فسروا الآية الشريفة بأن المقصود بها: أن الله سبحانه يرى تقلب نبيه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه. فلا بد من قبول ذلك منهم؛ فإن أهل البيت أعرف من كل أحد بمعاني القرآن، وبأهدافه ومراميه..
وكما قال الإمام الصادق عليه السلام:
>فليذهب الحسن يميناً وشمالاً فوالله ما يوجد العلم إلا هاهنا< الكافي ج1 ص 51.
ولن نصغي ولن نقبل من أحد أن يقول لنا: قال الإمام الصادق عليه السلام. وأقول، فما ذكره هذا البعض في تفسيره لا بد أن يردّ عليه، وأن يؤخذ فقط بكلام أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.
2 ـ والأعجب من ذلك قول هذا البعض هنا:
>وأما الرواية فلا دلالة فيها إلا على طهارة الآباء من الولادة بالزنا<.
مع أن الرواية صريحة في أن الرسول لم يزل يتقلب في أصلاب النبيين: من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه.
مما يعني: أن جميع آبائه صلى الله عليه وآله قد كانوا مؤمنين أتقياء أبراراً. بل كانوا من الأنبياء، حتى والده عبد الله.. ولا مانع من أن يكونوا كذلك، فقد كان ثمة أنبياء تقتصر نبوتهم على أنفسهم، وعلى المحيط المحدود الذي يعيشون فيه، وقد تمتد نبوتهم إلى العشيرة أو الحي أو البلد الصغير أو الكبير.. من أجل أن يحفظوا الحق والخير في الناس بالمقدار الممكن لهم، بحسب ما يوجههم الله سبحانه إليه، ويأمرهم به.
نفي النبوّة عن النبي صلى الله عليه وآله قبل سنّ الأربعين .
ومن الواضح : أن هناك روايات رواها السنة والشيعة تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله قد كان نبيّاً منذ ولد يكلمه الملك ويسمع الصوت ثم أرسله الله رسولاً للناس كافّة بعد أن بلغ الأربعين، وكلمه الملك معاينة، ونزل عليه القرآن، قال المجلسي رحمه الله: إن ذلك ظهر له من الآثار المعتبرة والأخبار المستفيضة البحار ج18 ص277، وراجع كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ج2 ص195-198 .
لكن البعض يقول:
>النبوّة الفعلية لا بد لها من الوحي، ومن التكليف الإلهي، ولم يكلفه الله بالنبوّة إلا بعد أربعين سنة< نشرة فكر وثقافة بتاريخ 3 ـ 8 ـ 1996، ص2.
وقد كنا نتمنى أن يشير إلى تلك الآثار، والأخبار المستفيضة، ومن بينها ما هو معتبر وصحيح، التي اعتمد عليها المجلسي وغيره، خصوصاً وأن هذا الأمر يحتاج إلى التعريف والتوقيف، و ليس هو من الأمور التي يمكن أن تنالها العقول والأفهام..
6 ـ وأما استدلال هذا القائل بحديث: ولدني أبو بكر مرتين.. فإننا كنا قد بحثنا حول ذلك في إجابة لنا سابقة في كتاب >مختصر مفيد<.. مختصر مفيد ج1 ص71 و78. ونحن نذكر للسائل هنا ما ذكرناه هناك..

 

ولدني أبو بكر مرتين



السؤال:
ذكر بعضهم في خطبة له في يوم الجمعة مؤخراً:
أن الإمام الصادق عليه السلام قال:
>ولدني أبو بكر مرتين..<.
وهذا الشخص يدعونا دائماً إلى الفكر والعقل والدراسة، وهذا يدل على أنه هو قد حقق هذا الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام، ورأى أن من واجبه أن يعلمه للناس.. فهل هذا صحيح؟!
الجواب:
إن هذا الحديث الذي تتحدث عنه هو مما يستدل به أهل السنة على الشيعة لتصويب خلافة أبي بكر، فراجع ما ذكره ابن حجر الهيثمي، وفضل بن روزبهان الصواعق المحرقة ص84 ط دار الكتب العلمية سنة 1408هـ وكلام ابن روزبهان في دلائل الصدق ج1 ص76.
وقد رد عليهم علماؤنا الأبرار رحمهم الله تعالى استدلالاتهم تلك.
ولا حاجة إلى ذكر ما استدل به أولئك، وما أجاب به هؤلاء .. راجع على سبيل المثال: إحقاق الحق للتستري ص64 ـ 67 ودلائل الصدق ج1 ص82 و83 والصوارم المهرقة ص253 والبحار ج29 ص651. فإن هذا ليس هو محط نظرنا هنا..
إن كان هذا الشخص قد أورد هذا الحديث ليرد عليه. فهو شيعي يسعى إلى تثبيت عقائد الناس، ونحن ندعو له بالتوفيق والتسديد..
وإن كان قد أورده ليثقف به جماعة أهل السنة، فهو سني بلا ريب.
وإن كان قد ذكره ليثقف به الشيعة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، دون أن يعلق عليه، ويبين لهم وجه الصواب والخطأ فيه؛ فهو إنسان ليس بشيعي، جزماً، بل هو ـ كما يظهر ـ يسعى لإلقاء هذا النوع من الأحاديث لتصبح جزء من ثقافة الناس بصورة عفوية، ثم يأتي اليوم الذي يقول فيه للناس: إنه لا مشكلة بين الأئمة عليهم السلام وبين أبي بكر، وإنما المشكلة هي بين من ينسبون أنفسهم إلى الأئمة عليهم السلام وبين أبي بكر..
وهذا أسلوب غير سليم، يهدف إلى استغلال غفلة الناس، وبراءتهم، وطيب نواياهم.
وعلى كل حال، فإن هذه الكلمة: >ولدني أبو بكر مرتين< قد نسبت إلى الإمام الصادق عليه السلام في بعض كتب أهل السنة وهي في الأكثر كتب التراجم، ووردت أيضاً في بعض آخر من غيرها. على طريقة إلقاء الكلام على عواهنه، من دون نظر ومناقشة إسناده، صحة وضعفاً راجع: تهذيب التهذيب ج2 ص103 وتذكرة الحفاظ ج1 ص166 وعمدة الطالب ص176 مطبعة الصدر سنة 1417هـ قم وغاية الاختصار ص100 وكشف الغمة ج2 ص161 ط سنة 1381 هـ. المطبعة العلمية قم المقدسة عن الجنابذي وعن جواهر الكلام لابن وهيب ص13 وسير أعلام النبلاء ج6 ص255 والصواعق المحرقة ص84 وأورده السيد الخوئي في مستند العروة كتاب الخمس ج1 ص317 وتنقيح المقال ج3 ص73 وعن الدر المنثور ج1 ص240 ولم أجده.
فالرواية اذن سنية، وليست شيعية، وهي كما ذكرها الدارقطني التالية:
الدارقطني: عن أحمد بن محمد بن إسماعيل الآدمي، عن محمد بن الحسين الحنيني، عن عبد العزيز بن محمد الأزدي، عن حفص بن غياث قال: سمعت جعفر بن محمد يقول:
>ما أرجو من شفاعة علي شيئاً إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله. لقد ولدني مرتين..< تهذيب الكمال ج5 ص81 و82 وراجع: سير أعلام النبلاء ج2 ص259 وطبقات الحفاظ ج1 ص167 ونقل عن تاريخ دمشق ج44 ص455.
ونقول:
إننا نسجل هنا على هذا الحديث النقاط التالية:
أولاً: قد ذكر القرماني: أن أم الإمام الصادق عليه السلام هي >أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي سمرة< أخبار الدول وآثار الأول (مطبوع بهامش الكامل في التاريخ سنة 1302 هـ) ج1 ص234.
وعدم ورود القاسم بن محمد بن أبي سمرة في كتب الرجال لا يعني أنه شخصية موهومة، إذ ما أكثر الشخصيات الحقيقية التي أهمل التاريخ ذكرها لأكثر من سبب..
ولعل هذا هو السبب في أن الشهيد قد اكتفى بالقول: >أم فروة بنت القاسم بن محمد< راجع: البحار ج47 ص1.
ثانياً: هناك جماعة ـ ومنهم الجنابذي ـ تقول: إن أم فروة هي جدة الإمام الباقر عليه السلام لأمه، وليست زوجته، ولا هي أم الإمام الصادق عليه السلام كشف الغمة ج2 ص120 ط سنة 1381 هـ المطبعة العلمية ـ قم وناسخ التواريخ، حياة الإمام الصادق ج1 ص11 والبحار ج46 ص218.
ولعل شهرة القاسم بن محمد بن أبي بكر تجعل اسمه دون سواه يسبق إلى ذهن الرواة، فإذا كتبوا القاسم بن محمد، فإنهم يضيفون كلمة >ابن أبي بكر<، جرياً على الإلف والعادة.
أضف إلى ذلك: أن القاسم بن محمد أكثر من رجل، كما يعلم من مراجعة كتب التاريخ والتراجم..
ثالثاً: إن الرواية ضعيفة السند، فإنها ـ كما قلنا ـ لم ترو من طرق شيعة أهل البيت عليهم السلام، فكيف صح لهذا البعض أن ينسب هذا القول إلى الإمام عليه السلام من دون أن يَتثبَّت من صحة الرواية؟!
رابعاً: إن الإمام الصادق عليه السلام ليس بحاجة إلى الشفاعة ليرجوها من أبي بكر..
خامساً: إن شفاعة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، هي التي ترتجى وتطلب، فكيف يطلب حفيد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله الشفاعة من أبي بكر، ويترك جدّه الرسول صلى الله عليه وآله؟!
وأبو بكر ومن هم على شاكلته بحاجة إلى شفاعته صلى الله عليه وآله..
فهو صلى الله عليه وآله الذي يشفع لمن يستحق الشفاعة، ويساق من لا يستحقها إلى الجحيم، وإلى العذاب الأليم..
ولماذا رجا شفاعة أبي بكر، ولم يرج شفاعة سلمان مثلاً.
فإن كان قد تعلق أمله بشفاعة أبي بكر، وعلي، لأجل القرابة، فهو أمر يستحيل أن يمر في ذهن الإمام عليه السلام خصوصاً وأن القرآن الكريم قد صرح برفض هذا المنطق وأدانه، فقد قال تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} سورة عبس 34 ـ 36.
وقال تعالى: {لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} سورة مريم 87 .
فالقرابات النسبية مجردةً إذن ليست هي المعيار.
كما أن الشفاعة إنما هي مقام ومنصب يعطيه الله لأشخاص معينين، هم صفوة الخلق، قد عهد الله إليهم بالشفاعة بالمذنبين من أمته.. والإمام الصادق عليه السلام هو أحد هؤلاء الصفوة الذين يشفعون في الأمة بدون ريب..
سادساً وأخيراً: إن بيت أبي بكر قد عرف بالمهانة والذل، فلاحظ ما يلي:
1ـ قال عوف بن عطية:
وأمـا الأ لأمـان بنـــو عدي وتيـم حين تزدحم الأمـور
فلا تشهد بهم فتيان حـرب ولكن ادن من حلب وعير كذا في المصدر وهذا من الإقواء الذي قد يحصل في بعض الموارد.
إذا رهنوا رمـاحهم بـزبـــد فإن رماح تيـــم لا تضير طبقات الشعراء لابن سلام ص38.
2ـ ذكر البلاذري: أن أبا سفيان قال لعلي عليه السلام: >يا علي بايعتم رجلاً من أذل قبيلة من قريش< أنساب الأشراف، قسم حياة النبي صلى الله عليه وآله ص588.
3ـ حين بويع أبو بكر نادى أبو سفيان: >غلبكم على هذا الأمر أذل أهل بيت في قريش<.
وفي نص الحاكم: >ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة، وأذلها ذلة؟! يعني أبا بكر< راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ج3 ص98 والمصنف للصنعاني ج5 ص451 ومستدرك الحاكم ج3 ص78 عن ابن عساكر، وأبي أحمد الدهقان وراجع: الكامل لابن الأثير ج2 ص326 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص944 والنزاع والتخاصم ص19 وكنز العمال ج5 ص383 و385 عن ابن عساكر وأبي أحمد الدهقان.
4ـ حج أبو بكر ومعه أبو سفيان، فرفع صوته عليه، فقال أبو قحافة: اخفض صوتك يا أبا بكر عن ابن حرب.
فقال أبو بكر:
>يا أبا قحافة، إن الله بنى في الإسلام بيوتاً كانت غير مبنية، وهدم بيوتاً كانت في الجاهلية مبنية. وبيت أبي سفيان مما هدم< راجع: النزاع والتخاصم ص19 والغدير للعلامة الأميني ج3 ص353 عنه.
5ـ قد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله عن محمد بن أبي بكر رحمه الله: أنجب النجباء من أهل بيت سوء، محمد بن أبي بكر رجال الكشي ص63 ط جامعة مشهد عنه في قاموس الرجال ج9 ص19 ط جماعة المدرسين.
وبمعناه غيره..
وبعدما تقدم نقول:
لو فرضنا صحة هذه الرواية، أعني رواية: ولدني أبو بكر مرتين، وقد عرفت أنها غير صحيحة جزماً، لكن فرض المحال ليس بمحال.
وكذا لو صح انتساب الإمام عليه السلام إلى أبي بكر من جهة أمه، وقد تقدم ما يوجب الريب في ذلك.
نعم، لو صح ذلك كله، فلا بد من حملها على أنه عليه السلام أراد بيان أمر واقع ـ ربما لأجل دفع الشر عن ضعفاء شيعته..
ولم يقل ذلك اعتزازاً منه بالانتساب إلى أبي بكر، وإلى بيته، فإن من ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، لا يفتخر بالانتساب إلى أحد سواه، وكيف يفتخر ويعتز بمن ظلم جدته الزهراء عليها السلام، وأوصل إليها أعظم الأذى، حتى ماتت شهيدة مظلومة واجدة عليه، هاجرة له؟!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

جعفر مرتضى العاملي


 

 



 

 

العودة

 
 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003