أسئلـــة وأجوبـــة

العودة

ضرب الوالدين

ضرب الوالدين

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


 

السؤال:
 

بسم الله الرحمن الرحيم



سماحة السيد جعفر مرتضى العاملي حفظكم الله
لقد اطلعت في كتابكم >خلفيات المأساة< في الجزء الخامس بالتحديد على هذا الإشكال الفقهي الذي أثرتموه على السيد فضل الله في خصوص جواز ضرب الابن لوالديه..
وإليكم اللنك الخاص بالمسالة الواردة في كتابكم حول السيد فضل الله..
http://www.alhadi.org/Data/books/Ht...htm#_Toc1118763
وبعد التحقق منها فقهياً من خلال الاستفتاءات الواردة في كتاب صراط النجاة من خلال فتاوى السيد الخوئي والشيخ التبريزي تبين أنهما لا يختلفان في ذلك مع السيد فضل الله في الإجابة على المسألة الفقهية وأنقلها لكم هنا..
>مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. هل تسري على الولد ووالديه، بمعنى أنه يجوز له ضربهما لو توقف فعل المعروف، أو ترك المنكر عليه؟
الفتوى: الخوئي: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يختصان بغير الوالدين، والله العالم
التبريزي: في دخول الضرب ونحوه في مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشكال، ولكن لا بأس بالنسبة إلى الوالد والوالدة، أو غيرهما من الأهل، إذا توقف منعهم عن محارم الله على ذلك.
http://www.alseraj.net/20/index.shtml?
هذا مع علمنا بأن لحاظ صحة الرأي الفقهي هو ملاحظته استدلاله العلمي في هذا المقام لا مقارنته بالآراء الفقهية الأخرى انطلاقاً من قاعدة الاجتهاد المعمول بها في مذهب الحق لأهل البيت (ع) ولكن المقارنة هنا لمعرفة جهة الإنكار في الرأي دون بقية الآراء المتفقة معه.
بالإضافة إلى أن المسألة واردة في خصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الناحية الاستثنائية لا من باب الإحسان إلى الوالدين على نحو مطلق لتكون الآيات الدالة على الإحسان إلى الوالدين مورداً للحجية في هذا المقام.. أليس كذلك؟
فالسؤال الذي أورده سماحتكم والذي أجيب عنه بجواز ضرب الولد لوالديه لا يتعلق بمن يعمل المنكر منهما مع عدم اعتقاده به لتكون الآية الكريمة الخاصة بمعاملتهما بالمعروف ناظرة إليه وشاملة له.. وهذا ما لوحظ أيضاً بعد مراجعة المسألة في الرسالة العملية الخاصة بالسيد فضل الله حيث كان الحكم متعلقاً تحت باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مقام المعرفة والاعتقاد بها كما هو وارد في المقدمة الواردة في رسالته العملية (فقه الشريعة) في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وأوردها هنا كما هي..
>والمراد بـ (الأمر والنهي) قيام المكلّف بواجب التصدّي لتارك المعروف أو لفاعل المنكر لحثّه على فعل المعروف وترك المنكر بواحد من الأساليب التي وضعتها الشريعة لذلك، وقد أُخذ في شروطه علم تارك المعروف وفاعل المنكر بذلك وقيامه بالمعصية عن وعي وقصد، فلا يشمل من فعل ذلك عن جهل بكون المعروف واجباً عليه أو المنكر حراماً عليه، بل إنَّ الموقف من مثل هذا المكلّف مختلفٌ كما سيأتي بيانه <.
هل نفهم من أطلاق الآية الكريمة التي أوردتموها حول مراعاة حقوق الوالدين بشكل مطلق لا يلتفت إلى مبد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وكيف نوفق بينه وبين ما جاء في السيرة النبوية الواضحة والتي أيدها القرآن الكريم حيث قاتل فيها بعض الصحابة الكرام آبائهم ؟
وكيف يتعامل الابن مع والديه ممن يحاربون الدين في أحزاب سياسية معينة إلى حد العمل على تقويض مبادئ الدين ونشر الفساد.. هل يدخل ذلك وينطبق عليه في تعامله معهما حكم معاملة الولد لوالديه أم أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
فما هو تعليق سماحتكم على ما أثير من إشكال بخصوص هذه النقطة المثارة في كتابكم خلفيات المأساة؟
أجيوبنا مأجورين..
مع خالص تحياتنا ودعائنا لكم ولجهودكم العلمية بالموفقية.

الجواب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
وبعد..
فإننا حين تعرضنا في كتابنا >مأساة الزهراء عليها السلام<، لموضوع ضرب الوالدين الذي يفتي به السيد محمد حسين فضل الله، قد أوضحنا: أننا هدفنا هو بيان المفارقات العجيبة التي وقع فيها هذا الرجل من جهة.. والتأكيد على أن له منهجاً يكمل بعضه بغضاً، ويشد بعضه أزر بعض من جهة أخرى.
كما أننا لم نكن غافلين عن هذه الفتاوى التي نقلتموها عن آية الله التبريزي حفظه الله، وآية الله الخوئي قدس سره، بل نحن قد ذكرناهما في نفس ذلك الكتاب وفي نفس الموضع، وبينا: أنه لا يصح التمسك بهما لتبرئة ساحة السيد محمد حسين فضل الله، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: إنه قد أعطى حكمه القاطع تجاه الوالدين الذين أوصى الله بهما تلك الوصايا القوية والصريحة، حتى لقد قال: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً}..
ولكنه كان الرؤوف العطوف بالنسبة لنهي الزوجة عن المنكر، وحكم بأن على زوجها أن يأمرها بالمعروف، وينهاها عن المنكر، بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يمارس بعض الضغوط الخفيفة الذكية التي لا تخلق مشكلة كبرى، ولا يجب عليه طلاقها مع امتناعها عن الاستجابة إلى ذلك.. المسائل الفقهية ج2 ص306. رغم أن الله تعالى قد أكد على البر، والإحسان، والرأفة بالوالدين، وتشدد في أمر الزوجة التي يخاف نشوزها، فقال: {وَاللاَتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}..
ثانياً: إنه في نفس الوقت الذي يتشدد فيه ذلك التشدد مع الأب، ولكنه يتساهل مع تارك الصلاة من الأقرباء، فقد سئل:
كيف نتعامل مع تارك الصلاة، خصوصاً إذا كان هذا التارك من الأقرباء؟!
فأجاب:
إذا كان من الأقرباء، مثل الزوج أو الزوجة، أو الأخ، أو الأخت، أو من غيرهم، فبطريقة {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}.. و{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.. و{قُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}..
إننا إذا اتبعنا ذلك، وكنا جادين، ونملك عقلاً وصدراً واسعاً، فإننا نستطيع الصبر على من عاشوا في بيئة سيئة، أو ضالة، لنحاول إقناعهم بالحق في نهاية المطاف.. الندوة ج2 ص530.
فهل هناك أعظم من ترك الصلاة، فلماذا هذا اللين مع هؤلاء؟!.. ولماذا المبادرة إلى الشدة مع الأبوين؟!
ثالثاً: إنه وإن كان يتشدد مع الأب بذلك الحد، ولكنه يناقض نفسه حين يُسأل في مورد آخر عن أب يحمل أفكاراً إلحادية:
والسؤال هو: هل يجب على أبنائه البر به، وكسب رضاه؟!
فأجاب بالإيجاب، واستدل على ذلك بنفس آية: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.. فراجع.. الندوة ج2 ص500 و501.
فأين الإلحاد من ترك معروف، أو فعل سيئة من السيئات التي يدعو إليها الهوى؟!
فيا سبحان الله!! كيف يجب البر، ونيل رضا من يحمل أفكاراً إلحادية، ولا يجب ذلك بالنسبة لغيره ممن لا يكون إيمانه مشوباً بأفكار الإلحاد.. بل هو صحيح الدين والإيمان والإسلام، لكنه مبتلى بمعصية دعته إليها شهوته، أو قاده إليها هواه، أو ابتلي بترك معروف حباً بالراحة، أو لغير ذلك من أسباب؟!..
رابعاً: قد قلنا في نفس ذلك الموضع: إن هذه الفتوى وإن كانت موجودة لدى السيد الخوئي قدس سره، والشيخ التبريزي أطال الله عمره، ولكن هناك فرق بين من هو متناقض في فتاواه، ومن يكون منهجه يؤدي إلى التناقضات وإلى الفتاوى الغريبة، وبين من هو ملتزم بمنهج السلف، حريص عليه، حتى إذا لفتّ نظره إلى أدنى ملاحظة فيه، فإنه يهتم بها، ويكون لك من الشاكرين.. ولا يصر كالسيد محمد حسين على كل أقواله التي سجلها في كتبه، منذ أكثر من ثلاثين سنة، ولا يقر بالخطأ بشيء منها، رغم أنها أخطاء خطيرة، تمس العقيدة، وحقائق الإيمان في مفردات كثيرة..
خامساً: إن اختلاف وتفاوت المنطلقات هو الذي أنتج هذه المفارقات، أو أدى إليها، فالتوافق في الفتوى في موارد نادرة لا يصحح الاتزام بالمعايير الخاطئة، ولا يمنع من تسجيل التحفظ والإعلان بتلك المفارقات..
وقد صرحتم أنتم في سؤالكم ـ حفظكم الله ـ بهذه الحقيقة، حين قلتم: >إن لحاظ صحة الرأي الفقهي هو ملاحظة استدلاله العلمي في هذا المقام، لا مقارنته بالآراء الفقهية الأخرى..<
وأخيراً.. فإنكم تعلمون: أننا حين ذكرنا بعض الموارد الفقهية، فإنما أردنا الإشارة إلى الخطأ الحاصل في المنهج الاستنباطي، وقد أشرنا إلى مواطن عديدة من ذلك يتبين من خلالها حجم المسافة بين منهجه، وبين المنهج الصحيح الذي يعتمده علماء الشيعة الأبرار..
سادساً: أما الكلام حول موضوع التوفيق بين ما تتعرض له الآية الكريمة، وبين ما هو مورد البحث، فإنه كلام آخر، لا يدخل فيما هو المهم هنا..
سابعاً: أما ما ذكرتموه من أن المسألة واردة في خصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الناحية الاستثنائية، لا من باب الإحسان إلى الوالدين، على نحو مطلق لتكون الآيات الدالة على الإحسان إلى الوالدين مورداً للحجية في هذا المقام..
فهو في غير محله، وذلك لأن السيد محمد حسين قد صرح بأن إيجابه للضرب ناشئ عن فهمه لطبيعة البر والإحسان بالوالدين، حيث قال: >جاز، أو وجب القيام به، لأنه من مصاديق البر بهما<.. المسائل الفقهية ج2 ص305.
ثامناً: إن قولكم: إن السيد محمد حسين فضل الله إنما يتحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مقام المعرفة والاعتقاد الخ..
لا يحل الإشكال ولا يدفع غائلة التهافت التي أشرنا إليها، ولا يمنع من التمسك بالآية الكريمة، فإن الآية الكريمة ليست بمعزل عن موضوع العلم والاعتقاد، بل هي نص فيه.. كما أن فتاواه الأخرى التي جاءت مخففة، ورحيمة، كان العلم والالتفات والاعتقاد منصوصاً عليه فيها..
تاسعاً: بالنسبة لما ذكرتموه من قتال بعض الصحابة لآبائهم المشركين، نقول:
هناك فرق كبير بين حالتين:
إحداهما: القتال الذي يحفظ فيه أصل الدين، وأساس الإسلام..
والثانية: الضرب للوالدين، حين يختص الأمر بولدهما وبهما كأشخاص، من دون أن يتوجه أي خطر على الإسلام، أو على نبيه، بل من دون أن يتضرر حتى فرد مسلم آخر سواهما وولدهما، الذي يمارسون الضغوط عليه، فلا يقاس أحدهما بالآخر..
إلا إذا قلنا بصحة مبدأ القياس الذي هو مرفوض عند الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، وعند شيعتهم الأكرمين رضوان الله عليهم..
وبذلك تتضح الإجابة على سؤال: كيف يتعامل الابن مع أبويه ممن يحاربون مع أحزاب سياسية معينة إلى حد العمل على تقويض مبادئ الدين، ونشر الفساد..
وعلى كل حال فإننا لم نزل نقول: إن مشكلة السيد فضل الله أعظم من هذه القضايا وهي مشكلة ترتبط بالعقيدة وبإيمان الناس، وبعلاقتهم بأهل البيت عليهم السلام، وبالأنبياء.. و.. و..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

جعفر مرتضى العاملي

 

العودة

 
 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003