أسئلـــة وأجوبـــة

العودة

حول ضرب الزهراء عليها السلام

حول ضرب الزهراء عليها السلام

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


السؤال:


بسم الله الرحمن الرحيم

أرجو من سماحة السيد الإجابة عن هذا الاستفسار..
في كتاب جنة المأوى لآية الله العظمى الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء قدس سره ينفي فيها ضرب الزهراء عليها السلام ولطم خدها.
والشيخ المفيد قدس سره يظهر منه التشكيك في مسألة إسقاط الجنين, بل في أصل وجوده.( ) وهو كذلك عند الطبرسي قدس سره
أريد توضيحاً لآراء العلماء الموجودين وأين يختلفون مع السيد فضل الله؟
ولكم الأجر والثواب

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
وبعد..
فأما بالنسبة للسؤال عن موقف الشيخ محمد كاشف الغطاء، فإنني قد أجبت عن هذا السؤال، وهو موجود ضمن الإجابات المعروضة في هذا اللقاء.. ويمكن لكم مراجعة تلك الإجابة.
وأما بالنسبة لما يذكر من موقف للشيخ المفيد، فقد تحدثت عنه في كتاب: >مأساة الزهراء< فيمكن مراجعته مأساة الزهراء ج1 ص166 ـ 177. فإن كان لديكم اعتراضات عليه، فيمكنكم إعلامنا بها لننظر فيه..
وهذا نص ما في كتاب مأساة الزهراء:
يقول البعض:
يقول الشيخ المفيد (قده): >وفي الشيعة من يذكر: أن فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبي صلى الله عليه وآله ولدا ذكرا، كان سماه رسول الله عليه السلام ـ وهو حمل ـ محسّنا، فعلى قول هذه الطائفة أولاد أمير المؤمنين عليه السلام ثمانية وعشرون. والله أعلم< الإرشاد: ج 1 ص 355 (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث. سنة 1416 ه‍. ق. بيروت لبنان) والبحار: ج 42 ص 90 عنه وكشف الغمة: ج 2 ص 67.
وقد نقل السيد الأمين كلام الشيخ المفيد ـ هذا ـ في كتابه: أعيان الشيعة. ونقله المجلسي في البحار وآخرون.
فإذا كان الشيخ الطوسي ينقل اتفاق الشيعة على أن عمر ضرب على بطن فاطمة حتى أسقطت محسّنا، والرواية بذلك
مشهورة عندهم. تلخيص الشافي: ج 3 ص 156. فالشيخ المفيد يخالف الطوسي، وهو معاصر له بل هو أستاذه، وكلامه "يوحي بأنه لا يتبنى الاسقاط من الأساس".
والجواب:
أولا: إن العبارة المذكورة لا تدل على مخالفة المفيد للطوسي في هذا الأمر، لأن كلمة "الشيعة" كانت في زمن الشيخ المفيد تطلق على العديد من الفرق، مثل: الزيدية، والاسماعيلية، والإمامية، وغيرهم، بل وعلى المعتزلة أيضا الذين كانوا هم الحاكمين في بغداد، هم الذين سمحوا بإقامة مناسبة عاشوراء بالطريقة المعروفة والمتداولة حتى يومنا هذا.
وكان يطلق على الشيعة الإمامية من قبل خصومهم اسم: الرافضة.
وقد تحدث النوبختي في كتابه فرق الشيعة، والأشعري في المقالات والفرق، والشيخ المفيد نفسه في الفصول المختارة، وغيرهم عن فرق الشيعة، ومن أراد التفصيل فليراجعها، وغيرها من كتب المقالات والفرق، بل إن العلامة الفاضل المازندراني الخواجوئي قد رد على من أدعى أن إطلاق كلمة الشيعة على خصوص من يعتقد بإمامة علي، وان لم يعتقد بإمامة سائر الأئمة، بقوله: "هذا منه غريب، يدل على قلة تتبعه وعدم تصفحه. فإن في كثير من الأخبار دلالة على إطلاق الشيعة على الزيدية والواقفية، ومن يحذو حذوهم< الرسائل الاعتقادية: ص 27. بل روي عن الإمام الصادق عليه السلام: >أنه حدث عمر بن
يزيد في فضائل الشيعة ملياً<، ثم قال: >إن من الشيعة بعدنا من هم شر من النصاب، قلت: جعلت فداك، أليس ينتحلون حبكم ويبرؤون من عدوكم؟! قال: نعم الخ..< الرسائل الاعتقادية: ص 27.
فالمفيد هنا لا يريد أن ينسب حديث إسقاط المحسّن إلى جميع الشيعة بالمعنى الأعم، بل إلى خصوص الإمامية منهم. ولعله رحمه الله اختار التعبير بكلمة " الطائفة " بعد ذلك، ليشير إلى أن طائفة من الشيعة تروي ذلك، وليس كل الطوائف التي يطلق عليها اسم شيعة.
والملفت أنه رحمه الله لم يقل: " إن بعض الشيعة يروي حديثا "
بل قال: " وفي الشيعة من يذكر: أن فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبي الخ.. " فلم يشر رحمه الله إلى حديث واحد أو أكثر، ولا أشار إلى حجم القائلين بذلك من الشيعة من حيث القلة والكثرة.
بل أشار إلى أنهم يصح وصفهم بكلمة " طائفة " حين قال: " فعلى قول هذه الطائفة الخ.. ".
وقد لقب الشيخ الطوسي رحمه الله " بشيخ الطائفة "، والمقصود هو طائفة الإمامية، لا مطلق الشيعة.
وثانيا: لقد كان عصر المفيد رحمه الله بالغ الحساسية ومن أصعب العصور في تاريخ شيعة أهل البيت(ع)، حيث كانت الفتن تتجدد في كل عام في يوم الغدير، وفي خصوص مناسبة عاشوراء، حيث كانت الشيعة تقيم ذكريات لا يصبر عليها خصومهم من حنابلة بغداد المتشددين والمتعصبين فيهاجمونهم، وتكون المصائب
والنكبات، والبلايا والمذابح الخطيرة، حسبما أوضحناه في كتابنا >صراع الحرية في عصر المفيد< الفصل الأول، وقد أحرقوا في بعض السنين بيوت الشيعة في الكرخ، فمات بسبب ذلك ثمانية عشر ألف إنسان، وعند ابن خلدون: عشرون ألفا بين طفل وشاب وامرأة.
فكان رحمه الله يريد أن يتعامل مع الأمور بمنتهى الحكمة والدقة. وكان كتابه "الإرشاد" الذي ألفه في أواخر حياته، قد راعى فيه أن يكون كتاب تاريخ يتوخى فيه بالإضافة إلى الدقة والأمانة العلمية، أن يكون مقبولا لدى الكافة، ويمكن للجميع أن يستفيدوا منه، ولم يرد له أن يتخذ صفة غير صفة تحديد الحدث بتفاصيله، بعيدا عن المذهبيات، بل هو يتجاوز الحدود والتعصبات المذهبية ليكون كتابا للناس جميعا.
فلأجل ذلك لم يذكر فيه الأمور المثيرة والحساسة بصورة ملفتة للنظر، حتى أنه لم يذكر شيئا عن تفاصيل حادثة السقيفة، وكل ما يرتبط بشأن البيعة لأبي بكر راجع كتاب الإرشاد: ج 1 ص 189 (طبع مؤسسة آل البيت>ع< ). ويبدو أن ذلك منه رحمه الله يدخل في نطاق سياساته المتوازنة، التي تراعي الظروف، والأجواء، وتتعامل معها بواقعية هادفة، وبمسؤولية ووعي.
أما الشيخ الطوسي فكان كتابه دفاعا عن خصوص الشيعة الإمامية، لأن الشافي قد رد فيه السيد المرتضى على القاضي عبد الجبار المعتزلي، فلخصه الطوسي رحمه الله. فالطوسي إذن كالسيد المرتضى قد كتب كتابه بصفته إماميا، يدافع عن مذهبه، ويثبت صحته، فهو يريد أن ينتهي إلى الحد المذهبي الفاصل بينه وبين غيره، بينما أراد الشيخ المفيد لكتابه الإرشاد أن يتجاوز هذه الحدود، ليكون تاريخا
للجميع، يمكنهم الإطلاع عليه، والاستفادة منه دون حرج أو تهمة..
فإذا كان الإمامية فقط هم المجمعون على ذلك دون غيرهم من فرق الشيعة، كالإسماعيلية والزيدية الخ.. فلا يصح من المفيد نسبة ذلك إلى غير الإمامية من الطوائف التي لم تجمع عليه.
والملاحظ: إن المفيد رحمه الله قد تجنب ذكر ما يثير العصبيات من جهة، ثم أشار هنا إلى أمر حساس بصورة خفية وذكية من جهة أخرى، حيث أثبت وجود حمل سماه النبي (ص) محسّنا، وترك للقارئ حرية البحث عن دور هذا الولد، وعن مصيره.
ثالثا: أما القول بأن المفيد يخالف الطوسي في هذا الأمر فسيأتي في الإجابة على السؤال الآتي، في العنوان التالي: أنه لا يخالفه بل هو يوافقه فلا حاجة إلى الاستعجال بالأمر هنا.
رابعا: لقد كان الشيخ الطوسي تلميذا للمفيد، وكان المفيد رحمه الله هو الرجل الأول في الشيعة آنئذ، فلا يعقل أن يدعي الطوسي إجماع الشيعة بهذا الجزم والحزم والوضوح، مع مخالفة أستاذه وأعظم رجل في الشيعة على الإطلاق في ذلك؟!
وعلى الأقل كان المفترض فيه أن يذكر لنا: أن أستاذه مخالف لهذا الإجماع، بل إن أستاذه ينفي هذا الإجماع ولا يقبل بأصل وجوده!!
وهل يستطيع الطوسي أن يقرر إجماعا ينفيه أستاذه صراحة وينكره، ويقول: إن بعض الشيعة فقط هم القائلون؟! أم أن الطوسي لم يطلع على رأي أستاذه؟!!
أو أنه إطلاق دعواه الإجماع جزافا، ومن دون تثبت؟!
أن ذلك كله مما لا يمكن قبوله، وهذا ما يؤكد أن مراد المفيد من كلامه في الإرشاد هو ما قلناه، ولا يريد به ما ينقض أو يعارض الإجماع الذي تحدث عنه الطوسي أبدا.
المفيد لم يذكر ما ذكره الطوسي:
يقول البعض:
>إذا كان الشيخ الطوسي ينقل اتفاق الشيعة على ضرب وإسقاط جنين الزهراء، فإن الشيخ المفيد الرجل الشيعي الصلب في حجاجه مع مخالفيه في المذهب معاصر للطوسي، وهو لم يذكر في كتبه ما عدا الإختصاص ـ الذي يشك في نسبته إليه ـ قضية كسر الضلع وغيرها مما يقال في هذا المجال أبداً<.
ويزيد هذا البعض فيقول:
>لقد تتبعت الموارد التي ذكرت فيها الزهراء في كتبه ـ أي في كتب الشيخ المفيد ـ فلم أجد حديثا عن كسر الضلع، وإسقاط الجنين، ونحو ذلك.. ولا أدري إذا كان تتبعي دقيقاً<.
والجواب:
إننا قبل كل شيء نود أن نسجل هنا الملاحظة التالية:
وهي: أن هذا البعض يصر هنا على التصريح بكسر الضلع مع أن نقضه لكلام الطوسي بكلام المفيد في عبارته الأولى، يدل على أنه بصدد إنكار كل ما ذكره الطوسي من ضرب الزهراء وإسقاط المحسّن.
ولم يتحدث الطوسي عن كسر الضلع في تقريره للإجماع، وتقريره لتضافر الروايات به: فما المبرر لإقحام كسر الضلع في هذا المورد؟!.
وبعد هذه الملاحظة نقول: إن الشيخ المفيد قد ذكر مظلومية الزهراء، وكثيرا مما جرى عليها في كتبه.
وفي مجال مناقشة ما قاله ذلك البعض حول هذا الأمر نقول:
أولاً: لم نفهم المقصود بالأمور التي أشار إليها هذا المتحدث بكلمة "وغيرها" التي عطفها على >كسر الضلع< فهل المقصود هو ضربها عليها السلام؟ أو إسقاط جنينها؟ أو إحراق بيتها، حتى أخذت النار في خشب الباب؟!
ثانياً: إن عدم ذكر المفيد لشيء من ذلك في كتبه ـ لو سلمنا صحته ـ لا يدل على أنه ينكره، لأن السكوت وعدم ذكر شيء لا يدل على إنكاره من الأساس.
بل قد قلنا: إن تقرير الطوسي الذي هو تلميذ المفيد، للإجماع، وإرساله ذلك إرسال المسلمات، يدل على أن أستاذه كان على رأس القائلين به، والمتحمسين له، إذ لا يصح من الشيخ الطوسي ذكر هذا الأمر بهذا الجزم والحزم والوضوح التام، إذا كان أحد أساتذته الذين لا يشك أحد، من موافقيه ومخالفيه، في تضلعه في هذه القضايا يخالف في هذا الأمر وينكر وجود الإجماع من الأساس.
أما إذا كان هذا الأستاذ ـ الذي هو المفيد بالذات ـ يقول بأن أفرادا قليلين قد قالوا بهذا القول، فإن القضية ـ أعني دعوى الإجماع ـ تصبح أكثر إشكالا، لأن دعوى الطوسي للإجماع في هذه الحالة..، ستكون من أوضح مصاديق الكذب والافتراء منه على شيوخ المذهب ورموزه، والطوسي أجل من أن يتوهم في حقه ذلك.
ثالثاً: إن المفيد حين يريد أن يخاطب الشيعة، ويؤلف كتاباً لهذه الطائفة، فإنه لا يتوانى عن الجهر والتصريح بتفاصيل ما جرى على الصديقة الطاهرة عليها السلام.
فقد روى في >الإختصاص<، عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: إن أبا بكر كتب للسيدة الزهراء عليها السلام كتابا برد فدك، فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر.
فقال: يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك؟
فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك.
فقال: هلميه إلي.
فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله، وكانت حاملة بابن اسمه >المحسّن< فأسقطت المحسّن من بطنها، ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقفت [نقفت: كسرت].
ثم أخذ الكتاب فخرقه. فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوما مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت الإختصاص: ص 185 والبحار: ج 29 ص 192.
وروى أيضا رحمه الله في ذلك الكتاب ـ أعني الإختصاص ـ رواية ثانية ذكرت: أن >الثاني< قد ضرب الباب برجله فكسره، وأنه رفس فاطمة برجله، فأسقطت المحسّن راجع الإختصاص: ص 344. والبحار: ج 29 ص 192، و ج 28 ص 227 و ج 7 ص 270.
وروى أيضاً حديثاً آخر في الكتاب نفسه، جاء فيه: عن أبي عبد الله(ع) قوله: >وقاتل أمير المؤمنين، وقاتل فاطمة، وقاتل المحسّن، وقاتل الحسن والحسين< الإختصاص: ص 344، وكامل الزيارات: ص 327 بسند آخر، والبحار: ج 7 ص 270 و ج 8 ص 213. ونقل أيضا عن بصائر الدرجات للصفار.
وأما عن صحة نسبة كتاب الإختصاص للشيخ المفيد، فقد قلنا في الإجابة على سؤال يأتي: إن التشكيك في صحة نسبته للشيخ المفيد في غير محله، وبلا مبرر مقبول أو معقول، وقلنا أيضا: إنه يظهر أن المفيد قد اختار هذا الكتاب من كتاب الإختصاص، لابن عمران، وبناء على هذا يصبح اختياره رحمه الله لهذا الحديث بالذات، لأجل مزية رآها فيه رجحته على غيره.
رابعا: قد تحدث الشيخ المفيد رحمه الله عما جرى على الزهراء في أكثر من مورد في كتبه الأخرى أيضا.
فلاحظ ما يلي:
1 ـ قال الكنجي الشافعي عن الشيخ المفيد رحمه الله: >إنه قد زاد على الجمهور: إن فاطمة عليها السلام أسقطت بعد النبي ذكرا، وكان سماه رسول الله (ص) محسّنا، وهذا شيء لم يوجد عند أحد من أهل النقل إلا عند ابن قتيبة< كفاية الطالب: ص 413.
فالكنجي إذن، ينسب القول بإسقاط المحسّن إلى المفيد رحمه الله بالذات، إلا أن يكون مراده الإشارة إلى نفس ما ذكره رحمه الله في الإرشاد. مع الاحتمال القوي بأن يكون قد أشار إلى ما ورد في الإختصاص.
غير أننا نقول للكنجي هنا: إن مراجعة بسيطة للنصوص المنقولة عن أهل النقل، تظهر أن كثيرين غير ابن قتيبة قد نقلوا ذلك أيضا، وسنذكر إن شاء الله شطرا كبيرا من هذه النصوص في بعض فصول الكتاب.
2 ـ لقد ذكر الشيخ المفيد في كتابه "المقنعة" الذي هو كتاب في الفقه الشيعي، وكذا في كتاب " المزار " زيارة الصديقة الطاهرة، التي تنص على أنها عليها السلام قد كانت شهيدة، فقد جاء فيها:
>السلام عليك أيتها البتول الشهيدة الطاهرة< المقنعة: ص 459، وراجع البحار: ج 97 ص 195. والبلد الأمين: ص 198.
فهل هناك من سبب لاستشهادها عليها السلام سوى ما جرى عليها من هؤلاء القوم؟
فهل استشهدت عليها السلام بمرض ألم بها!!
أم بحادث عرض لها، كسقوطها عن سطح منزلها!!
أو أنها تعرضت لحادث اغتيال من مجهول؟!!
وستأتي النصوص التي أوردها المفيد رحمه الله، في مواضعها في قسم النصوص إن شاء الله.
3 ـ قد ذكر المفيد قدس الله سره الشريف محاولات إحراق بيت الزهراء في كتابه >الأمالي<: عن الجعابي، عن العباس بن المغيرة، عن أحمد بن منصور الرمادي، عن سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، قال: " لما بايع الناس أبا بكر دخل علي عليه السلام والزبير، والمقداد، بيت فاطمة عليها السلام، وأبوا أن يخرجوا. فقال عمر بن الخطاب: أضرموا
عليهم البيت نارا، فخرج الزبير، ومعه سيفه.. إلى أن قال: وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام نحو العالية، فلقيه ثابت بن قيس بن شماس، فقال ما شأنك يا أبا الحسن؟!.
فقال: أرادوا أن يحرقوا علي بيتي، وأبو بكر على المنبر يبايع له ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره الخ...
فقال له ثابت: لا تفارق كفي يدك حتى أقتل دونك. فانطلقا جميعا حتى عادا إلى المدينة، فإذا فاطمة عليها السلام واقفة على بابها، وقد خلت دارها من أحد من القوم، وهي تقول: لا عهد لي بقوم أسوأ محضرا منكم، تركتم رسول صلى الله عليه وآله وسلم جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا، وصنعتم بنا ما صنعتم، ولم تروا لنا حقاً< الأمالي للمفيد: ص 59 / 50.
وهذا الحديث صريح بمحاولة اقتحام البيت، وبأنهم قد اعتدوا على أهله، وذلك لقوله(ع): " وأبو بكر على المنبر يبايع له، ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره "، فقد كان هناك هجوم يحتاج إلى دفع، واعتداء يحتاج إلى إنكار.
كما أن التعبير بـ‍ "أرادوا أن يحرقوا" يستبطن أنهم قد بذلوا المحاولة، وجمعوا الحطب مثلا.
خصوصا مع قوله عن أبي بكر: >لا يدفع ذلك ولا ينكره<، أي لا ينكر ولا يدفع ما أرادوا أن يفعلوه من إحراق بيته. إذن فلم تكن القضية مجرد تهديد بالقول.
ويؤيد ذلك أيضا أنه قال: >أرادوا< حيث لم يقل: >هددوا بإحراق بيتي<.
كما أن هذه الرواية صريحة في أن البيت الذي هم بصدد مهاجمته قد كان في داخل المسجد، في مقابل منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث كان أبو بكر جالسا على المنبر يبايع له هناك، بعد أن عاد من السقيفة مع أصحابه يزفونه إلى المسجد، ويجبرون الناس على البيعة له، ثم جرى أمامه ما جرى ولم يدفع ذلك ولم ينكره.
ومن الواضح: أن قبر رسول الله (ص) قد كان في بيت فاطمة لا في بيت عائشة كما حققناه. راجع: كتابنا دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام: ج 1 ص 169. البحث الذي هو بعنوان: أين دفن النبي، في بيت عائشة أم في بيت فاطمة(ع). فلم يراعوا حرمة القبر، ولا المسجد، ولا البيت، ولا الزهراء.
4 ـ وقال المفيد أيضا في كتاب الجمل: " لما اجتمع من اجتمع إلى دار فاطمة عليها السلام، من بني هاشم، وغيرهم، للتحير على أبي بكر، وإظهار الخلاف عليه، أنفذ عمر بن الخطاب قنفذا، وقال له: أخرجهم من البيت، فإن خرجوا، وإلا فاجمع الأحطاب على بابه، وأعلمهم: أنهم إن لم يخرجوا للبيعة أضرمت البيت عليهم نارا.
ثم قام بنفسه في جماعة منهم المغيرة بن شعبة الثقفي، وسالم مولى أبي حذيفة، حتى صاروا إلى باب علي عليه السلام، فنادى: يا فاطمة بنت رسول الله، أخرجي من اعتصم ببيتك ليبايع، ويدخل فيما دخل فيه المسلمون، وإلا ـ والله ـ أضرمت عليهم ناراً. الجمل: ط جديد، ص 117 و 118. في حديث مشهور<.

وهذا نص ما في كتاب مختصر مفيد
فإن الشيخ المفيد [رحمه الله] قد صرح في كتابه الاختصاص ص 185 وعنه في البحار ج29 ص 192 بأن عمر قد «رفسها برجله، وكانت حاملة بابن اسمه المحسن، فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في أذنيها قد نقف. ثم أخذ الكتاب فخرقه»، فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت.
وقال في الاختصاص ص 344 وعنه في البحار ج29 ص 192 وج 28 ص 227 وج 7 ص270: «إن الثاني قد ضرب الباب برجله فكسره، وأنه، رفس فاطمة برجله، فأسقطت المحسن».
وقال في الاختصاص ص 244 عن أبي عبد الله في حديث جاء فيه: «وقاتل أمير المؤمنين، وقاتل فاطمة، وقاتل المحسن، وقاتل الحسن والحسين». وفي كتاب المقنعة للشيخ المفيد ص 459: «السلام عليك أيتها البتول الشهيدة الطاهرة».
وأما ما ذكره في كتاب الإرشاد فلا يتنافى مع هذا الذي ذكرناه، لأنه قال في ج 1 ص 355: «وفي الشيعة من يذكر: أن فاطمة [صلوات الله وسلامه عليها] أسقطت بعد النبي [صلى الله عليه وآله] ولداً ذكراً، كان سماه رسول الله [عليه السلام] محسناً، فعلى قول هذه الطائفة أولاد أمير المؤمنين [عليه السلام] ثمانية وعشرون».
ومن الواضح: أن كلمة «الشيعة» تطلق في زمن المفيد على الإسماعيلية، والزيدية، والمعتزلة، والإمامية، وغيرهم.
فالطائفة التي تقول بإسقاط المحسن، وكسر الضلع، وضرب الزهراء هم الإمامية..
وحتى لو أن الشيخ المفيد [رحمه الله] لم يذكر شيئاً عن ضرب الزهراء، وإسقاط الجنين، وكسر الضلع، فإن هذا لا يدل على إنكاره لذلك، فإنه لا يجب على كل مؤلف أن يذكر في كتبه كل صغيرة وكبيرة، بل هو يذكر ما يناسب حال المخاطبين.. وذلك واضح لا يخفى. وأما كتاب إعلام الورى، فليس هو للشيخ المفيد [رحمه الله]، ولكنه جاء بنفس عبارته.. والكلام هو الكلام..
>مختصر مفيد ج2 ص112 و113<
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين..

جعفر مرتضى العاملي
 

 

العودة

 
 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003